;

التريبوفوبيا: عندما تشكّل الثقوب الصغيرة رهابًا بالنسبة لنا

  • تاريخ النشر: الخميس، 23 ديسمبر 2021
التريبوفوبيا: عندما تشكّل الثقوب الصغيرة رهابًا بالنسبة لنا

غالبًا ما ترتبط حالة الرّهاب من شيء ما بالخوف من أذيّة هذا الشيء لنا، مثلًا رُهاب الأماكن المرتفعة (الأكروفوبيا علميًا) يأتي من الخوف من السقوط من الأماكن العالية، رُهاب العناكب (أراكنوفوبيا) يقتضي الخوف من لدغ العناكب وشكلها الذي يوحي للشخص وكأنها ستهجم عليه، والخوف من الأماكن المغلقة (كلاستروفوبيا) هو بسبب تخيّل الشخص وكأن هذا المكان هو حبس، وسيضيق عليه مع مرور الوقت حتى لا يستطيع الحراك.. وهكذا، ولكن الرُهاب الذي سنتكلّم عنه في هذا المقال مُختلف قليلًا، هو رهابٌ غيرُ مبررٍ لأنه لا يشكّل خطرًا حقيقيًا على الشخص الذي يعاني منه، إنه ما يُسمى "رُهاب النخاريب أو رُهاب الثقوب"، وعلميًا، يمكنك تسميته "التريبوفوبيا (Trypophobia)".

مفهوم التريبوفوبيا أو رهاب النخاريب

ويسميه البعض "رُهاب الثقوب"، وهو الخوف غير المبرر والمفرط من رؤية مجموعة من الثقوب الصغيرة المتشكلة بجانب بعضها البعض بنمط غير منتظم غالبًا، بشكل نتوءات أو ثقوب مجتمعة في حيّز معين، مثل رؤية ثقوب شَهد العسل، أو شهد الدبابير، أو مثل الثقوب التي تتجمع فيها بذور بعض النباتات (جراب بذور اللوتس). لا يتوقف الأمر عند الأقراص أو النباتات الشبيهة بالثقوب، بل يتفاعل المصاب برهاب النخاريب مع أي مادة على شكل ثوقب مجتمعة: الحيوانات المنقوشة بشكل ثقوب (المرقّطة)، الصور التي تحتوي على ثقوب مع بعضها حتى لو لم تنتمي إلى شيء معين.

يعبّر الأشخاص المصابين بالتريبوفوبيا عن خوفهم من الثقوب، بالاشمئزاز عند النظر إليها، يتغيّر شكل الوجه ويتحاشى البعض النظر، كما يشتكي البعض من ألم في المعدة ورغبة في الاستفراغ.

أسباب المعاناة من رُهاب النخاريب

السبب الدقيق لمرض التريبوفوبيا غير معروف تمامًا، وذلك لأن الأبحاث في هذا المجال من الأمراض لاتزال محدودة، ولكن افترض الباحثون نظريات مختلفة حول هذا الموضوع، بما فيها ارتباط الصور المرئية والماديات الحاوية للثقوب، مع الحيوانات والحشرات الخطيرة التي يظهر على جلدها شكل الثقوب (لأنه ببساطة شكل جلدها)، أو مع الأمراض الخطيرة التي تسبب ثقوبًا في الجلد مثلًا.

عندما يرى مريض التريبوفوبيا ثقوبًا مجتمعة، يُخيّل له الأمراض الجلدية الشائعة التي تشكل ثقوبًا أو نتوءات على نفس الشكل، أو الحيوانات المفترسة من ذات الشكل، كالثعابين أو الحشرات السامة التي تملك جلدًا منقوشًا أو أجزاءً عنقودية من الجسم، هنا يخاف الشخص من منظر الثقوب، وكأن هذا المرض قريبٌ منه، أو هذا الحيوان سيهجم عليه، فيعالج عقله الباطني الموضوع بإفراط، وهو ما يشكل ردة فعل مفرطة الخوف.

علميًا، يفسّر العلماء ردة الفعل هذه على أنها "تفاعلات منعكسة لا واعية"، تطوّرت مع الوقت لا إراديًا كآليات للبقاء، لتجنب الخطر المحدق بالشخص أو لتجنب المرض، لذا تكون ردة الفعل على شكل خوف، ممزوج باشمئزاز وقرف من المشهد، وما هي إلا استجابة تكيفية تهدف إلى تنبيه الشخص من خطرٍ محدق (حيوانات) أو الإصابة بمرض معدٍ.

من جهةٍ أخرى، اقترح بعض الباحثين نتائج معاكسة لما سبق، وتفيد أن تلك التفاعلات التي يبديها الإنسان عند رؤية تلك الأنواع من الثقوب ما هي إلا استجابة بشرية طبيعية لأنواع محددة من المحفزات البصرية، بهذا الشكل البسيط فقط.

ما مدى شيوع التريبوفوبيا؟

على الرغم من عدم تصنيفه كنوع من أنواع الأمراض الحقيقية، وعدم معرفة الأسباب المنطقية العلمية 100% لهذه الفوبيا، إلا أن رهاب الثقوب موجود عمليًا، وهو شائع لدى الجنسين، إلا أنه أكثر شيوعًا عند الإناث منه عند الذكور، كما تشير الإحصائيات إلى أن هناك نسبة حوالي 15% من البالغين يعانون من فوبيا النخاريب إلى حدٍّ ما.

علامات وأعراض رهاب النخاريب

بناءً على تقييم 200 عضو في مجموعة على موقع فيسبوك لدعم مصابي التريبوفوبيا، قُسمت الأعراض إلى 3 فئات كالتالي:

أعراض متعلقة بردود فعل المصاب المعرفية: سيعاني من الاشمئزاز والقلق والخوف، عدم الارتياح وقد تؤدي إلى حدوث نوبات الهلع.

  • أعراض جسدية (الجلد على وجه الخصوص): قشعريرة، وحكة، وارتعاش.
  • ردود فعل فسيولوجية: دوخة، ورجفان وتعرّق الجسم، وضيق تنفس، تسرّع ضربات القلب بالإضافة إلى الصداع والغثيان والقيء. [1]

تشخيص التريبوفوبيا

التريبوفوبيا ليس حالة قابلة للتشخيص بعد، فلم يُدرج في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية التابعة للجمعية الأمريكية للطب النفسي، باعتباره مثلًا اضطرابًا عقليًا، أو أي نوع من الاضطرابات، ومع ذلك، يقرّ المختصون في مجال الصحة العقلية بحقيقة رهاب النخاريب، ويشخصونه كرهاب محدد إذا كانت الأعراض والعلامات مفرطة ومستمرة.

ولذا، يعتمد الطبيب في تشخيصه للحالة كما يعتمد في أنواع الرهاب الأخرى، ويعتمد التشخيص على أعراض الفرد ذاته، بالإضافة إلى مراجعة شاملة لتاريخه الطبي والعائلي. قد تضطر بعض الحالات الطبيب أن يجري فحصًا بدنيًا واختبارات مخبرية مثل فحص البول أو اختبار الدم، وربما يتم تصوير الدماغ لاستبعاد إصابة المريض بأي مرض عقلي يؤدي إلى ذات الأعراض، فربما يكون الشخص مصابًا باضطرابات نفسية أو سرطان دماغ، فيأتي بأعراض مشابهة للتريبوفوبيا، وأحيانًا تتداخل الحالات الصحية العقلية الأخرى مع معاناة الشخص من رهاب الثقوب، مثل إصابته بالاكتئاب والوسواس القهري وغيرها. لذلك من الأفضل أن يجري أخصائي الصحة العقلية تقييمًا شاملًا.

علاج رهاب الثقوب

من الطبيعي ألا يوجد علاج محدد لهذا الرهاب، كونه لم يُدرج رسميًا بقائمة الأمراض العقلية أو النفسية، ولكن لا يخلو الأمر من وجود بعض العلاجات المخففة لمن يعاني من هذه الفوبيا. أهم خيارات العلاج:

العلاج الشخصي الفردي: تغيير نمط حياة المصاب

يعتمد هذا العلاج على المصاب نفسه، يجب أن يعتمد على ذاته للتخفيف من حدّة الأعراض، كما يمكن التحدث إلى أخصائي الصحة العقلية، أو مجموعات الدعم لهذا النوع من الرهاب، كل ذلك يصبّ في تغيير نمط حياتك الذي قد يغير من أعراض الخوف لديك. يمكن ذلك عن طريق:

  • ممارسة استراتيجيات الاسترخاء مثل تخيّل صور هادئة (بحر أو صوت خرير مياه جارية أو مشاهدة مقاطع يوتيوب مهدئة للنفس)، والحصول دائمًا على قسطٍ كافٍ من الراحة.
  • ممارسة اليقظة اليوغا أو التأمل.
  • ممارسة النشاطات البدنية عمومًا، مثل التمارين الرياضية، فذلك يساعد المريض على تقليل حدّة ردة فعله تجاه الثقوب، لأنه يشعر بالقوة بعد التمرن.
  • يُفضل التقليل من تناول الكافيين.

العلاج النفسي

ويشمل إما العلاج السلوكي المعرفي (CBT) بإشراف أخصائي يحاول تغيير معالجة المريض للمواقف، حسب كيف يقوم المريض بردة الفعل على تلك المواقف: عقليًا أم عاطفيًا أم سلوكيًا؟ ببساطة يتوقف الأمر على الأعراض التي يبديها كل مريض.

أو العلاج بالتعرّض (ET)، يُنصح بالعلاج بالتعرض، لأنه يشمل تعريض المصابين للحالات التي تحفز ظهور رهاب الثقوب لديهم، وهذا ربما يمنح عقولهم فرصة للتكيف مع المحفزات مرة تلو الأخرى، بالتالي يخلق حالة من التعود، القوة، والتغلب على المخاوف أكثر في كل مرة.

العلاج الدوائي

طبعًا بناءً على حالة الفرد، قد لا تنفع معه إحدى العلاجات السابقة، والأمر يُصبح متروكًا للأدوية، أو ربما يثابر المريض بالمعالجة النفسية إلى جانب الأدوية المخففة. تساعد البنزوديازيبينات (Benzodiazepines)، مثل اللورازيبام (lorazepam) أو الكلونازيبام (clonazepam)، أو أي دواء آخر مضاد للقلق، في تقليل أعراض القلق ونوبات الهلع، بحسب درجة حدة الرهاب لدى كل مريض.

تساعد أيضًا حاصرات بيتا مثل البروبرانولول (propranolol)، في تخفيف الأعراض الجسدية المرتبطة بالخوف، مثل الزيادة في معدل ضربات القلب والتعرق والدوخة. قد يصف الطبيب أي نوع من المهدئات للمساعدة على الاسترخاء. [2]

تابعونا على قناتنا على واتس آب لنصائح الصحة والرشاقة لكم وللعائلة!