الشاعر الفرنسي شارل بودلير (Charles Baudelaire)

رائد المذهب الرمزي في الشعر.. تأمل مثل "نرسيس" وأبحر في عوالمه الداخلية

تاريخ النشر: 27/11/2016
آخر تحديث: 27/11/2016
صورة للشاعر الفرنسي شارل بودلير

لم يكن لدى شارل بودلير شعورٌ مباشرٌ لا تخترقه نظرةٌ مرهفةٌ، كما أنه لم ينسَ نفسه أبداً، فكان يتأمل نفسه عندما يتأمل الأشياء، ويصف شارل نفسه قائلاً: "أنا غرفة انتظارٍ عتيقةٌ مليئةٌ بالورود الذابلة، يملأها خليطٌ عجيبٌ من أزياءٍ فات زمانها، ولا تتنفس فيها إلا الرسوم النائحة ولوحات "بوشيه" الشاحبة".

تأمل مثل "نرسيس" الأسطورة، لكنه لم يغرق في ذاته حتى الموت، وإنما أبحر في عوالمه الداخلية، فصنع من اللاوعي وعياً فاض برموزٍ أضاء بها سماء قصيدته، الشاعر الفرنسي شارل بولدير الذي حلق قطرساً في فضاء قصيدته، رسم نهجاً جديداً في الشعر الفرنسي بثورته على الموروث، كما أسس لمذهب الحداثة في الأدب. تتراسل الحواس عند بودلير لتصبح الأذن عيناً والعين أذناً، إذ منح لحواسه بعداً آخر تخطى سطور القصيدة، وقطع المسافة الفاصلة بين وعي الإنسان وعقله الباطن، لذلك يمكن لمن يقرأ شعر بودلير أن يشتّم الموسيقى ويسمع العطر ويرى ما لا يرى.

بودلير، بداية ماجنة ومحاولة انتحار

ولد الشاعر الفرنسي شارل بودلير في باريس عام 1821، وعُمّد بعد شهرين في كنيسة سان سولبيس الكاثوليكية الرومانية. والده فرانسوا بودلير (François Baudelaire)، أحد كبار موظفي الخدمة المدنية وكان يكبر والدة بودلير"كارولين (Caroline) بأربعةٍ وثلاثين عاماً.

توفي والده فرانسوا عام 1827، وبعدها بعامٍ تزوجت والدة بودلير من السفير الفرنسي ليوتينانت كولونيل جاك (Lieutenant Colonel Jacques). أصبح قلب الأم مقسماً بين طفلها وزوجها الجديد، فعانى بودلير من إهمال والدته، ما أثر على حياته الشخصية فيما بعد وسبب له صدماتٍ نفسيةٍ وأدى إلى حدوث العديد من التجاوزات غير السوية في نمط حياته، كما ظهرت طبيعة علاقة بودلير مع والدته من خلال الرسائل التي كان يكتبها لها، حيث يقول في إحدى الرسائل: "لم تكن فترة طفولتي بالنسبة لك إلا مرحلة حبٍّ كنت تعيشينها مع زوجك الجديد".

بدأ يرتاد الحانات خلال دراسته القانون في باريس، كما كثرت ديونه، وأحب فتاةً تدعى "جين دوفال" (Jeanne Duval) لكن علاقة الحب قوبلت بالرفض من قبل أمه، فحاول بودلير الانتحار إثر ذلك.

أدب بودلير والدخول في عوالم اللاوعي

انعكست حياة بودلير الشخصية وطفولته التي عاشها يتيم الأب والعاطفة على الطريقة التي كتب بها الشعر، حيث لم توليه والدته العناية الكافية، فتعرض إثر ذلك لصدماتٍ نفسيةٍ، خلقت منه ذلك الشاعر الذي يغوص في أعماق عقله الباطن ويدخل لا وعيه وينضح من أحاسيسه صوراً لا يجسدها كما هي حقيقةً _حتى لا يقتل حقيقة إحساسه_ وإنما يرسمها رموزاً وإيحاءاتٍ يثيرها دون أن يسميها أو يصفها.

بالإضافة إلى أن بودلير اعتبر أن الغموض هو جوهر الشعر وأساسه، واضعاً بذلك حجر الأساس لمذهبٍ جديدٍ في الأدب الفرنسي هو المذهب الرمزي، كما كان من مؤسسي مذهب الحداثة في الأدب (هي مذهبٌ أدبيٌّ ساد منذ منتصف القرن التاسع عشر في الأدب الفرنسي، ويقوم على التمرد على الواقع وتغيير الموروث بكل أشكاله). رصفت رمزية بودلير والعوالم الداخلية التي فتح أبوابها أمام القصيدة؛ الطريق للعديد من الشعراء الذين تأثروا بأفكاره ورمزيته وطوروا بها، كما فعل كل من الشاعرين الفرنسيين مالارميه (1842-1898) وبول فرلين (1844-1896)، ويرى كلٌّ من الشاعرين بأن بولدير كان رائد المذهب الرمزي في الشعر.

يظهر بودلير في شعره رفضاً لتفوق قوى الطبيعة والخير المطلق في الإنسان وهي أفكارٌ اعتنقها شارل، لتأثره بالمذهب الرومانسي في الشعر الفرنسي (وهو مذهبٌ ظهر خلال القرن الثامن عشر في فرنسا، كردّ فعل على الثورة الصناعية وعصر التنوير).

بودلير النظير الفرنسي للشاعر الأمريكي إدغار بو

تعمق بودلير في عام 1847 بأعمال إدغار آلا ن بو (Edgar Allan Poe) (شاعر أمريكي تأثر بالحركة الرومانسية الأدبية عاش أربعين عاماً من عام 1809 إلى عام 1849)، فوجد في أعماله حكاياتٍ وقصائد تشبه ما كان يفكر فيه بودلير. كان هناك الكثير من القواسم المشتركة بين بودلير وبو؛ سواء من حيث أحاسيسهم تجاه قوى الطبيعة والموت وتأثير كليهما على العقل، أو من حيث صراعهم المتشابه مع الحزن والفقر والمرض، ونظرتهم تجاه الخطيئة الأصلية والخير الطبيعي في الناس، ورفض كل منهما للأرستقراطية، لذلك أحب بودلير أن يكون النظير الفرنسي لبو فترجم معظم أعماله إلى الفرنسية ما أعطاها شهرةً كبيرةً في أوروبا، إذ تميزت ترجمات بودلير بأنها كانت من أفضل ما ترجم من أشعار إدغار آلان بو، لأنه فهم أفكاره وشخصيته كما فهم قصائده.

أزهار الشر ديوانٌ وضع بودلير على ضفتين

أصدر بودلير ديوان "أزهار الشر" في عام 1857، وهو الديوان الذي وضع بودلير على ضفتين، ضفة الشهرة كشاعرٍ تفوق برموزه وتجديده، وضفة المحاكمة وإثارة الجدل بين النقاد، وكان قد نشر عدة قصائد من "أزهار الشر" عام 1855 في صحيفة (دوكس موند) الفرنسية، لكن ديوانه لم يشتهر إلا بعد عام 1857، بل وأصبح من أشهر مجموعاته الشعرية، كما أثار جدلاً بين النقاد وعلى إثره تعرض بودلير للمحاكمة والغرامة بتهمة الإخلال بالآداب العامة، لطرحه مواضيع عن الجنس، واستخدامه كلماتٍ ورموزٍ جديدة على الشعر الفرنسي.

بيد أن بعض الأدباء رأوا في ديوان أزهار الشر تجديداً وتجلياتٍ لشجاعة بودلير ومنهم الأديب الفرنسي فيكتور هيغو الذي قال في إحدى رسائله لبودلير: "تألق عملك ديوان أزهار الشر تألق النجوم، أحيي روحك الشجاعة وكل ما أوتيته من قوة". جمع بودلير في ديوان (أزهار الشر) بين سأمه وضجره وكبريائه ووضوحه، وهي أشياءٌ لم يسلخها من متن كل قصائده ومن أشهر قصائد ديوان أزهار الشر "الموسيقى"، المنارات، "القطرس"، "والحسناء" وفي هذه القصائد تتجلى رمزية بودلير وعوالمه الداخلية التي نهل منها؛ فقلب الأحاسيس والمشاعر معبراً عما هو أعمق من ظاهر النص.

مقتطفات من قصيدة "الحسناء" (La Beaute) من ديوان أزهار الشر

يا أيها الناس الفانون .. أنا جميلةٌ جمال حلمٍ من حجر

إني أجلس على عرش السماء .. كأبي هولٍ غامضٍ

وأجمع إلى جانب بياض الإوزة قلباً كالجليد

ولا أعرف مطلقاً الضحك ولا البكاء

مقتطفات من قصيدة الموسيقى (La Musique)

غالباً ما تحملني الموسيقى كما يحملني موج البحر .. نحو نجمي الشاحب

وتحت سقفٍ من الضباب أو في أثيرٍ واسعٍ .. أبحر

فأتسلق متن الأمواج المتراكمة التي يحجبها عني الليل

إني لأشعر في داخلي انفعالات كل مركبٍ مشرفٍ على الغرق

وأشعر بالريح المواتية وبالعاصفة واختلاجاتها .. تهدهدني فوق اللجة المترامية

بودلير يقرأ ذاته في قصيدة "القطرس"

يشبه بودلير نفسه بطائر القطرس في إحدى قصائده التي ضمّها ديوان "أزهار الشر" وهي قصيدة القطرس (La'AL Batros)، ويظهر المقاربات بينه وبين طائر القطرس وهو أحد الطيور التي ترافق السفن في البحر وتستطيع التحليق عالياً وتتميز بقوتها في الجو، حيث يرسم بودلير من خلال الطائر صورة الشاعر في عالمين، العالم الأول؛ ويتمثل بوجوده بين الناس بأشعاره ومعانيه وعدم حصوله على ما يستحق من الاحترام، وكان بودلير قد عانى من رفض مجتمعه وعدم تفهم الناس لحقيقة ما يكتب وبشكلٍ خاصٍّ بعد طرقه أبواباً جديدةً في الشعر، أما العالم الثاني؛ فيتمثل بتحليق الشاعر في فضاء قصيدته التي تجعله بين النخبة وفي هذا العالم تكمن القيمة الحقيقية للشاعر.

يصف بودلير طائر القطرس الذي يحلق عالياً بأنه ينظر بقوة إلى الناس ويرتاد العواصف ويقهر الرماة، بيد أنه وإذ يهبط إلى أرض السفينة يدخل المنفى وعالم الفوضى والغوغاء، فيفقد قيمته ويصبح مدعاةً للسخرية والتسلية، وبهذه القصيدة تتجسد رمزية شارل بودلير، إذ يسقط ما لاقاه من ظلمٍ في مجتمعه، على ما يعانيه طائر القطرس عندما يصبح على أرض السفينة بين البحارة.

مقتطفات من قصيدة القطرس

وما أن يضع البحارة ملك الفضاء هذا على ألواح السفينة

حتى يتحول إلى أخرقٍ خجلٍ .. يترك جناحيه الكبيرين الناصعين

يجرجران بجانبه كالمجاديف .. بصورةٍ تدعو إلى الرثاء

يا له من أخرق تافهٍ وبشعٍ .. هذا المسافر الذي كان في غاية الجمال

وفاة بودلير صراعٌ مع المرض والإدمان

تزايدت أمراض بودلير بدءاً من عام 1859، وكان إدمانه على الكحول والأفيون سبباً في اعتلال صحته، وإصابته بجلطة دماغية أدت إلى شلله عام 1866 ثم فقدانه القدرة على الكلام واستمر كذلك حتى وافته المنية عام 1867.

أخيراً.. على الرغم من الحياة التي عاشها الشاعر الفرنسي بودلير والتي تميزت بالصراع مع الحزن والمرض والفقر، إلا أنه رسم نهجاً مختلفاً في الأدب والشعر الفرنسي، متأثراً بمعاناته التي انعكست على أسلوبه الأدبي وأفكاره، فاندفع يفتش في عقله الباطن ولا وعيه عن صورٍ تجسد حقيقة أحاسيسه، جاعلاً من الغموض جوهر قصائده، فحلق في فضاء الشعر الرمزي وفرش الطريق أمام أجيالٍ من الشعراء من أمثال الفرنسيين مالارميه وفرلين.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر