الماس.. بين الطبيعة والمخابر، ولماذا هو غالي الثمن!

ما هو الماس؟ ولماذا هو باهظ الثمن؟

الكاتب:
تاريخ النشر: 15/07/2016
آخر تحديث: 15/07/2016
يعتبر الاحتكار من الأسباب الرئيسية لارتفاع أسعار الالماس عالميا

لطالما كان يُنظر إلى الماس كحجر كريم ملكي، فمنذ العصور القديمة أذهل الكثيرين بقساوته التي لا تضاهى ولمعانه وشفافيته المميزين. وعلى مر العصور ارتبط الماس بالملوك والقوة والسلطة، حتى أن بعض الحضارات القديمة ربطت به أساطيراً وقوىً خارقة لشفاء الأمراض أو علاج الجنون.

يعتبر الماس اليوم أحد رموز الحب النقي والعميق، حيث أصبح مرتبطاً بخواتم الخطبة والهدايا التي يقدمها الرجال عادة للنساء تعبيراً عن حبهم ومكانتهم لديهم. وعلى الرغم من أن هذا التقليد مستمر بقوة منذ قرون، فالتاريخ يقول أن هذا التعبير والمعنى لم يقترن بالماس دائماً، فحتى القرن الخامس عشر، كان الماس رمزاً لسلطة وقوة الحكام بشكل أساسي، كما كان هناك معتقدات شائعة بأنه يطرد الأرواح الشريرة من الحضارات القديمة ويقال أن الفيلسوف العظيم أفلاطون كان يشارك هذه المعتقدات.

وعلى الرغم من أنّ الجميع يعرف الماس، إلا أن كثيرين لا يعلمون مصدره وأصله وسبب ثمنه الباهظ. لذلك نقدم لك عزيزي القارئ مقالنا التالي  في سبيل زيادة المعرفة بهذا الحجر الكريم.

ما هو الماس؟.. من باطن الأرض إلى التصنيع المخبري

إذا أردنا توصيفه كيميائياً، فالماس مكون من ذرات كربون متبلورة تحت ضغوط وحرارة عالية جداً (عادة في أعماق الأرض والبراكين) لمدة طويلة من الزمن. ظروف تشكله تجعل ذرات الكربون تصطف سوية بشكل شبه مثالي مما يعطيه طبيعته الشفافة وقساوته الكبيرة جداً، وعلى الرغم من أن اللون المألوف للماس هو الأبيض الشفاف فهناك العديد منه يحوي ظلالاً لألوان متعددة كالأزرق والوردي والأصفر والأخضر حسب الشوائب المتضمنة فيه عند تشكله.

يستخرج الماس عادة من مناجم كما الفلزات الأخرى (الفلز هو عنصر أو مركب كيميائي أو سبيكة موجود في القشرة الأرضية بشكل طبيعي وعادة ما تستخدم الكلمة للخلائط التي تحوي المعادن مثل السيليكات والأكاسيد وغيرها)، ولفترة طويلة فقد تربعت الهند على عرش المنتج الأكبر للماس لتأخذ البرازيل اللقب منها لاحقاً وينتقل بين عدة دول أفريقية وصولاً إلى "ليسوثو" وهي دولة صغيرة متضمنة جغرافياً ضمن جنوب أفريقيا التي تحيط بها من كل الجهات. لكن التطور العلمي والتقني خلق مصدراً جديداً للماس، حيث أصبح بالإمكان محاكاة ظروف تشكل الماس من حرارة وضغط مرتفعين جداً بشكل شبه تام في المخابر الحديثة، وبذلك من الممكن صنع ماس بدرجات نقاوة كبيرة تفوق الطبيعية وأحجام كبيرة كذلك ولا يمكن تمييزه أبداً عن الماس الطبيعي حتى من قبل الخبراء.

شكل الماس ولونه

يتميز الماس المعروف والمتداول بلون يميل للشفافية مع وجود بعض الشوائب التي قد تشوش شفافيته كما أنها تعطيه ظلالاً مختلفة تتراوح من الأزرق والأخضر وصولاً للأصفر والوردي. وعادة ما يكون للماس شكل مضلع ذو زوايا حادة وبارزة (وهو ما ساهم في جعله رمزاً للسلطان والقوة في الماضي) لكن الماس الخام قصة مختلفة تماماً. فالماس الخام يأتي بأشكال غير منتظمة وغريبة كما أنه لا يكون شفافاً ولامعاً بشدة، لذلك يتم معالجته وتصنيعه ونحته بشكل مكثف لجعل شكله متجانساً وجميلاً قدر الإمكان ليصبح صالحاً للاستخدام التجاري.

عادة ما يكون الماس الصناعي أكثر نقاوة من الآخر الطبيعي كما أنه نادراً ما يمتلك ظلالاً بألوان أخرى. من الجدير بالذكر أيضاً أن الماس الطبيعي الذي يتم استخراجه غالباً ما يكون اصغر من أن يتم استخدامه في الحلي (لكن ذلك لا يمنع استخدامه صناعياً) كما أن نسبة منه لا تتمتع بمواصفات جيدة كفاية للتصنيع كأن يكون كثير الشوائب وقليل الشفافية مثلاً.

استخدامات الماس

تشكل الحلي وبالتحديد (الخواتم) الاستخدام الأساسي للماس في عصرنا الراهن، لكن ذلك ليس الاستخدام الوحيد حيث تعطيه قساوته الكبيرة (كونه أقسى مادة طبيعية معروفة) أهمية في التطبيقات الصناعية بشكل عام والصناعات الحربية بشكل خاص.

أما في الماضي فقد كان يستخدم لعلاج المرضى أو إعطاء قوى خارقة أو في العبادات وطرد الأرواح الشريرة لدى الحضارات القديمة، لتنتقل دلالته كرمز للسلطة والقوة والحكم بشكل رئيسي في أوروبا العصور الوسطى؛ كما تشير بعض الأدلة التاريخية إلى استخدام عائلة ميديتشي الشهيرة (عائلة حكمت جمهورية فلورنسا في ذروة نفوذها وتعد مسؤولة عن تطوير النظام المصرفي ورعاية الفنانين والمبدعين مثل دافنشي ورافاييل وغيرهم) لمسحوق الماس كمادة سامة لاغتيال أعدائها.

لماذا الماس باهظ الثمن؟

قديماً، كان الماس كما المعادن الثمينة والأحجار الكريمة الأخرى، قليل الإنتاج ويتمتع بطلب شديدٍ نظراً لعدم تأثره بالعوامل الخارجية وقدرته على المحافظة على شكله وخصائصه، هذا بطبيعة الحال جعله مرتفع الثمن للغاية وفق القاعدة الاقتصادية التي تقول (الطلب مرتفع والعرض محدود للغاية) بالتالي الثمن باهظ.

تغير الأمر في القرنين الماضيين مع اكتشاف المزيد من مناجم الماس في الدول الأفريقية، بحيث من الممكن العثور عليه في الطمي على ضفاف الأنهار أحياناً. هذا الازدياد في الإنتاج مقابل الطلب أدى لهبوط أسعار الماس عالمياً مع ازدياد المنافسة بين الشركات المسوقة له، بالتالي أدى هذا الانخفاض في السعر إلى إضعاف الشركات المسوقة للماس مما دفعها للاتحاد معاً تحت راية شركة De Peers عام 1926 لتشكل منظومة احتكار كبرى للماس، وأصبحت الشركة تسيطر على معظم مناجم الماس (وصلت سيطرة الشركة حتى 90% من سوق الماس العالمية في ذروة احتكارها) واعتمد الاحتكار على شراء جميع الماس من المصدر وتسويقه بشكل حصري بحيث تم ضبط الكمية المعروضة للبيع وتخزين الفائض لإعادة رفع سعر الماس والتحكم به من جديد.

في منتصف القرن العشرين بدأت النزاعات المسلحة في الدول الأفريقية ولعب الماس دوراً أساسياً في تغذية هذه النزاعات، حيث انتشرت حالات عمالة الأطفال أو الاستعباد القسري بغرض جمع الماس ليتم مقايضته لاحقاً مقابل أسلحة تستخدم في الحروب الأهلية مثل حال دولتي أنجولا وسيراليون. اشتهر هذا الماس باسم "الماس الدموي" كونه نتيجة نزاعات مسلحة ومجازر عرقية وقبلية في أفريقيا.

السمعة السيئة لـ"الماس الدموي" أدت لانخفاض مبيعات الماس بمقدار 20% تقريباً بحلول عام 2004 مما أجبر الشركات المسوقة على التصريح بتغيير سياساتها الاحتكارية ومقاطعة "الماس الدموي". لكن يبقى الكثيرون يشككون بمصداقية هذا الاتجاه خصوصاً أن الصراعات وعمالة الأطفال ما تزال مستمرة وبطريقة ما بقيَ الماس الدموي يجد طريقه للأسواق العالمية.

هل يجب عليك شراء الماس؟

جوابك هنا يأتي تبعاً لتفضيلاتك الشخصية بشكل أساسي، فالشراء والمقاطعة، ازدياد الطلب أو انخفاضه يتنافسان بالحجج المتقابلة.  

  • الرأي الأول يدعمه حب البشر للماس منذ بداية التاريخ وهذا الانجذاب نحوه لن ينخفض الآن، كما أن الطلب على الماس يتوقع أن يتزايد مستقبلاً نتيجة نهوض الطبقة الوسطى في كل من الصين والهند (اللتين تحتويان ثلث سكان العالم) مما سيرفع السعر المستقبلي للماس ويجعل شرائه صفقة مربحة للمستقبل.
  • أما الرأي الثاني الداعي للمقاطعة أو خفض الطلب عليه، فيستند في حججه إلى أن الكثير من الماس حتى الآن يأتي من مناطق نزاعات مسلحة وشرائه من الممكن أن يدعم المزيد من إراقة الدماء في القارة السمراء، إضافة لذلك فالماس الصناعي يجد ازدياداً في المبيعات والتصنيع مع الوقت مما يزيل هالة التفرد التي يعطيها الماس الطبيعي المستخرج من عمق الأرض والمتشكل منذ ملايين السنين.

في النهاية... فمن المهم التنويه إلى أن الماس المستخرج من المناجم دائماً ما يرفق بوثيقة تحدد خصائصه ومصدره وتاريخ استخراجه والشركة المسوقة له، وعلى الرغم من أن هذه الوثيقة لا تنفي قطعياً كون الماس نتيجة نزاع مسلح أو مصنعاً في مختبر، فهي تزيد من موثوقيته على الأقل وتضمن القدرة على إعادة بيعه لاحقاً والحفاظ على قيمته.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر