الشّاهوق أو السّعال الديكيّ عند الأطفال (Pertussis or Whooping Cough)

إنتان جرثوميّ معدٍ بشدّة يصيب الأطفال من كافة الفئات العمريّة، ما هو السعال الديكي وما هي أعراضه وأسبابه وطرق علاجه
الكاتب:ميس كروم
تاريخ النشر: 07/10/2017
آخر تحديث: 07/10/2017
ما هو السعال الديكي ولماذا يصيب الأطفال

ينبغي التعامل مع الشاهوق (السعال الديكي) كونه حالة مرضية مهمّة تتطلب التدخل الإسعافي المباشر لدى الرضَّع تحت عمر ستة أشهر، ولا تتردد أبداً باستشارة أقرب مركز صحيّ أو طبيب مختصّ إذا ما لاحظتَ زرقة واضحة على طفلك.

أو إذا تقيأ خلال نوبة السعال أو بعدها، أو إذا واجه صعوبات واضحة في التقاط أنفاسه.

يحدث الشّاهوق أو السّعال الديكيّ لدى الأفراد من كافة الفئات العمريّة، لاسيّما الرضع منهم والأطفال بين عمرَي 11 و 15 عاماً، يطلق على هذا المرض في الصّين اسم "سعال المئة يوم".

وينجم عن خمج الطرق التنفسيّة والرئتين بجرثومة البوردتيلا الشّاهوقيّة (Bordetella pertussis)، وفي هذا المقال سنستعرض بشكل أكثر تفصيلاً الأعراض الخاصة بهذا الإنتان الجرثومي عند الأطفال مع كيفية تشخيصه وعلاجه في المراكز الصحية والعيادات الطبيّة.

1

العامل الجرثوميّ المسبب للشّاهوق (السّعال الديكيّ)

تعتبر جرثومة البوردتيلا الشاهوقيّة (Bordetella Pertussis) العامل الرئيسي والشائع الذي نعتبره مسؤولاً عن إحداث الشاهوق لدى الأطفال والبالغين على حد سواء.

يُشار إلى انتماء هذه الجرثومة إلى مجموعة الجراثيم المكوّرة سالبة الغرام (لا تتلوّن بصبغة الغرام المخبريّة)، لها شكل عصيّات صغيرة وغير قابلة للحركة، كما تمتاز بهشاشتها وعدم قدرتها على تحمّل البيئات الجافّة.

من جهة أخرى يمكن للبوردتيلا نظيرة الشاهوقيّة (Bordetella parapertussis) أن تسبّب مرضاً قريباً من السعال الديكيّ، إلا أن أعراضه ذات حدّة أقل، كما يستمر لفترة زمنيّة أقصر مما هي عليه في السعال الديكي المُحدَث بالبوردتيلا الشاهوقيّة.

2

كيفيّة حدوث العدوى ومدّة الحضانة الخاصّة بالمرض

تحدث العدوى بجرثومة البوردتيلا الشاهوقيّة عبر استنشاق الأطفال الأصحاء للقطيرات الهوائية (Droplets) المحمّلة بها، وذلك بعد خروجها من أنف المصاب أو فمه خلال الضحك أو السعال أو العطاس.

ليس هذا فحسب، بل يمكن لهذه القطيرات أيضاً أن تتوضع بعد خروجها من الطرق التنفسية على يد الفرد السّليم، لينقلها بحركة خاطئة إلى أنفه أو فمه، مما يؤمن السبيل أمام البوردتيلا الشاهوقيّة للوصول إلى البطانة التنفسية والتكاثر ضمنها وصولاً للأعداد الكافية لظهور الأعراض المرضيّة.

تمتد فترة الحضانة التي تفصل دخول العامل الممرض إلى جسد الإنسان السليم وحتى ظهور الأعراض المرضية ما بين 7 إلى 10 أيام في الأحوال العادية، بينما يمكن أن تصل في بعض الحالات الأخرى حتى 21 يوماً.

يُعدّ الفرد المخموج بجرثومة البوردتيلا الشاهوقيّة مُعدِياً لغيره بشدّة أثناء المراحل الباكرة المتعلقة بالمرض، ويبقى مصدر خطر لتفشّي العدوى في الوسط المحيط به حتى الأسبوعين التاليين تقريباً لظهور السّعال الشاهوقيّ.

3

الآلية الإمراضية لجرثومة البوردتيلا الشاهوقيّة

تصل جراثيم البوردتيلا الشاهوقيّة (Bordetella pertussis) إلى الطرق التنفسيّة في جسم الإنسان، لتلتصق بعدها ضمن الخلايا المبطّنة وتبدأ عملية التكاثر والنمو لزيادة أعدادها، ثمّ تقوم بإنتاج ذيفانات (مواد سامة) تعتبر العامل الرئيسي المسؤول عن ظهور الأعراض المرضيّة لدى الأطفال.

كما تخرّب الذيفانات بدورها وظائف الخلايا المبطّنة للسبيل التنفسي، لاسيّما قدرتها على طرد الأجسام الغريبة المتجهة نحو السبل التنفسية السفلية خارج الجسم عبر حركة أهدابها المستمرّة، لذلك فإن الشفاء من هذا المرض يعتمد بشكل مهمّ على تجدد الخلايا التنفسيّة واستعادتها لوظيفتها الطبيعيّة.

الفئات العمرية التي تحمل خطراً هاماً عند إصابتها بالسّعال الديكيّ

أشرنا في المقدّمة كيف يمكن لجرثومة البوردتيلا الشاهوقيّة أن تصيب كافة الأفراد من مختلف الفئات العمريّة، غير أن أشخاصاً وفئات عمريّة معيّنة لها بعض الخصوصيّة إذا ما أصيبت بالشاهوق، وذلك على مستوى ضرورة التشخيص والتدبير السريعين لها، نذكرها وفق التالي:

  • حديثو الولادة والرّضَّع والأطفال الصغار، لاسيّما أن القدرة المناعية لدى أفراد هذه الفئات العمريّة لاتزال ضعيفة نسبياً أمام مواجهة جرثومة الشاهوق، كما أن الرُّضَّع تحت عمر ستة أشهر يحملون خطراً عالياً لظهور المضاعفات التي تحدث في المراحل المتقدمة لمرض الشاهوق.
  • الأطفال الكبار والبالغون الذين لم يأخذوا اللقاح المضاد لجرثومة البوردتيلا الشاهوقيّة.
4

الأعراض والعلامات السريريّة الخاصّة بمرض الشّاهوق (Pertussis)

يستمرّ مرض الشاهوق (السعال الديكيّ) عند الأطفال المصابين عموماً بين 6 إلى 8 أسابيع، تختلف شدة الأعراض السريرية الظاهرة وفقاً لعمر الطفل المصاب وحالته المناعيّة، إضافة إلى إصابته المسبقة بمرض الشاهوق أو إذا كان ممنعاً ضده.

يقسم المرض بشكل أساسيّ إلى ثلاث مراحل لها أعراضها ومظاهرها السريرية الخاصة بها، نستعرضها وفق التالي:

1. المرحلة النزليّة (Catarrhal Phase)

تلازم هذه المرحلة مريض الشاهوق مدة زمنية تتراوح بين الأسبوع أو الأسبوعين، يشكو الطفل أثناءها من أعراض شبيهة بالزّكام كالاحتقان الأنفي والسيلان المستمرّ منه.

يضاف لها العطاس المستمرّ والسّعال الخفيف والدُّماع مع احتقان الملتحمة العينيّة، هذا ويمكن للحرارة أن ترتفع بشكل بسيط جداً أثناء هذه المرحلة، يعاني الرُّضَّع من سيلان أنفيّ غزير وكثيف جداً؛ مما يتسبب بحدوث انسداد لديهم يعيق عملية التنفس السليمة.

2. المرحلة النوبيّة الاشتداديّة (Paroxysmal Phase)

تستمر هذه المرحلة أسبوعين أو أربعة أسابيع وربّما أكثر، تشتد فيها نوبات السعال ويزداد تواتر ظهورها، حيث تظهر سلسلة متتابعة تتكوّن من 5 – 10 سعلات إجباريّة أثناء زفير واحد.

يعقبها مباشرة محاولة جهيدة كي يأخذ الطفل شهيقاً كبيراً ومفاجئاً، مما يعطي لهذا السّعال صفة الشهقة المميّزة (Whoop)، يبدو على وجه الطفل خلال نوبة السعال الشاهوقيّة احمرار أو ازرقاق واضح.

كما يلاحظ جحوظ عينيه وازدياد خروج اللعاب والدموع منه، إضافة إلى انتباج أوردته الرقبيّة، قد يغيب ارتفاع درجة حرارة الطفل أثناء هذه المرحلة أو قد يلاحظ ارتفاعها بشكل طفيف جداً.

يتحرّض حدوث الإقياء عند الطفل ما بعد نوبة السعال، وهي كافية بشدّة كي يتوجه الطبيب نحو الشكّ بالشاهوق والتحري عنه بالوسائل التشخيصيّة المكمّلة، تمتاز نوبات السعال الشاهوقيّ بكونها مرهقة ومتعبة جداً للطفل المصاب.

كما يمكن تحريضها بالتثاؤب أو العطاس أو الأكل والشرب وحتى إذا قام الطفل بأي جهد فيزيائيّ (الركض أو المشي السريع واللعب وغيرها).

3. مرحلة النقاهة (Convalescent Stage)

يلاحظ استمرارها حوالي أسبوع إلى أسبوعين لدى الأطفال، تتناقص فيها نوبات السعال الاشتداديّة والإقياء المحرَّض بعدها بشكل تدريجي، كما يمكن للسعال أن يستمر بعدها عدة أشهر.

5

تشخيص الشّاهوق أو السعال الديكيّ

يُقدِم الطبيب الفاحص على طرح أسئلة عديدة يستفسر عبرها عن الظروف التي أدت إلى حصول العدوى عند الطفل المريض، إضافة إلى استعراض أدق التفاصيل حول بداية المرض بمرحلته النزلية وأعراضها.

مع صفات السّعال المهمة أثناء المرحلة الثانية (نوبات اشتدادية تحرض الإقياء بعدها). قد يصعب على الطبيب أحياناً تحديد التشخيص بدقة أثناء أخذ القصة المرضية وإجراء الفحص السريري لدى الرّضع.

حيث تكون المرحلة النزلية قصيرة المدة والنقاهة طويلة نسبيّاً لديهم، كما تغيب الشهقة المميزة للسعال، وقد يحدث توقف التنفس وتظهر الزرقة بشكل واضح لديهم، أما لدى كبار الأطفال قد يفتقد السعال لميزته الاشتداديّة الهامّة، وقد تغيب الشهقة لديهم أحياناً.

يمكن للطبيب الفاحص أن يسمع بإصغاء الصّدر خراخر منتشرة في الساحتين الرئويتين، وقد يلاحظ أيضاً نمشات على وجه الطفل مع نزيف في ملتحمة عينه.

يعمد الطبيب إلى أخذ عيّنة دموية لفحصها مخبرياً، يلاحظ فيها كثرة واضحة لتعداد الكريات البيض على حساب اللمفاويّات، ويتمّ تأكيد التشخيص عبر أخذ مسحة من البلعوم الأنفي للطفل المريض وزرعها على الأوساط الجرثومية المناسبة في المختبر.

حيث يتم الكشف عن عصيات البوردتيلا الشاهوقية ضمن المسحة المأخوذة، تعتبر الاختبارات المصليّة مفيدة في المراحل المتأخرة من المرض، لاسيّما إن كانت نتائج الزروعات المخبريّة سلبيّة، حيث يتم الكشف عن الأضداد المناعيّة الجائلة في مصل الطفل المريض والموجهة ضد الذيفانات (السّموم) التي تفرزها البوردتيلا الشاهوقيّة.

6

المضاعفات التالية لحدوث الشاهوق عند الأطفال

يمكننا أن نجد واحداً من المضاعفات التي تحدث في المراحل المتقدمة عند بعض الأطفال المصابين بالشاهوق:

  1. ذات الرئة (Pneumonia) الجرثومية التي تحدث إثر إنتان جرثوميّ إضافيّ يتعرض له الطفل المريض بعد إصابته بالشاهوق، كأن يتعرض مثلاً للمستدمية النزلية أو العنقوديات المذهبة أو العقديات الرئوية.
  2. حدوث الانخماص الرئوي التالي لانسداد السبل التنفسية المستمر بالسّدادات المخاطية اللزجة.
  3. استنشاق الطفل للإقياء أو المخاط المتراكم في طرقه التنفسية ووصولهما إلى الأسناخ الرئويّة، مما يحرض على نموّ الجراثيم وحدوث ذات الرئة الاستنشاقيّة.
  4. حدوث استرواح الصدر (خروج الهواء من الرئتين إلى التجويف الصدري) كنتيجة تالية لتمزّق الأسناخ.
  5. التهاب الأذن الوسطى بالمكورات الرئوية.
  6. الرعاف ونفث الدمّ، أو حدوث التغوط الزفتي (براز ممزوج بالدمّ) والنزيف تحت الملتحمة أو النزيف ضمن القحف.
  7. حدوث بعض الاختلاطات العصبيّة التي تشكل خطراً كبيراً على صحة الطفل، كالاختلاجات أو السّبات.
7

علاج الشاهوق عند الأطفال

تقوم الأسس العلاجية المخصصة لمرضى الشاهوق بشكل رئيسي على تأمين الراحة التامة مع تعويض السوائل والشوارد التي فقدها الطفل نتيجة الإقياء، إضافة إلى إعطاء الأدوية الخافضة للحرارة (باراسيتامول Paracethamol) إذا ما لوحظ ارتفاعها بعد القياس.

يمكن للصادات الحيويّة (إريثرومايسين أو كلاريثرومايسين) أن تفيد في القضاء التام على الجراثيم الممرضة خلال 3 -4 أيام من الكورس العلاجيّ المحدّد من قبل الطبيب، خصوصاً إذا أعطيت في الأسبوعين الأوليين من ظهور المرض عند الطفل.

بينما تقتصر مهمة الصادات على تقليل فرصة انتشار العدوى وتفشيها بين الأفراد الذين يبقون على تماس مع الطفل المصاب دون تخفيف حدة الأعراض أو شدّتها إذا ما وصفت أثناء المرحلة النوبيّة الاشتداديّة.

لا يفيد إعطاء الصادات الحيوية في المرحلة الثالثة من المرض، لاسيّما أن الأعراض أثناءها تتراجع تدريجياً ويفقد الطفل قدرته تماماً على نقل العدوى لغيره.

تركّز الأسس العلاجية أيضاً على ضرورة رشف المخاط والمفرزات المتراكمة في السبل التنفسية منعاً من تشكل السدادات المخاطية اللزجة التي تعيق عملية التنفس لدى الطفل المريض.

كذلك رشف المواد الخارجة مع الإقياء كي لا يعاد استنشاقها مجدداً إلى السبيل التنفسي، يضاف إلى السابق أهميّة تجنب العوامل التي تثير سعال الطفل المريض مع تأمين التغذية الجيدة له درءاً لاحتمال حدوث نقص الوزن عنده.

ننصح الأمهات أيضاً بضرورة تأمين فترة مبرّرة يغيب فيها الطفل عن مدرسته، وذلك للحفاظ على صحة زملائه ومعلميه ومنع وصول العدوى إليهم.

8

اللقاح المضاد لجراثيم السعال الديكي (Vaccination)

يعطى اللقاح المضاد للشاهوق بالمشاركة مع لقاحي الكزاز والدفتيريا ضمن جرعة لقاحيّة واحدة (Diphteria – Tetanus – acellular Pertussis) أو (DtaP).

يشير موقع (CDC) إلى أهمية إعطاء هذا اللقاح وفق 5 جرعات عند الأطفال لتأمين الوقاية التامة والموجهة ضد الكزاز والدفتيريا والسعال الديكيّ معاً، هذا وتترتب الفترات الزمنية المخصصة لتزويد الطفل باللقاح وفق التالي:

  1. الجرعة الأولى بعمر شهرين.
  2. الجرعة الثانية بعمر 4 أشهر.
  3. الجرعة الثالثة بعمر 6 أشهر.
  4. الجرعة الرابعة بعمر 15-18 شهراً.
  5. الجرعة الخامسة بعمر 4-6 سنوات.

يُشار كذلك إلى إمكانية إعطاء لقاح (Tdap) للأفراد البالغين الذين لم يتلقوا تمنيعاً موجهاً للأمراض الثلاثة (ديفتيريا، كزاز، سعال ديكي) خلال طفولتهم.

إضافة إلى أهمية إعطائه للسيدات الحوامل في النصف الثاني من حملهم لتأمين الوقاية المناسبة للجنين تجاه هذه الأمراض. تجدر الإشارة إلى التشابه الكبير بين مكونات لقاحَي (DtaP) و(Tdap)، غير أن الأخير يحتوي على تراكيز مخففة جداً من ذيفان الكزاز والديفتريا.

في الختام. لطالما كان الشاهوق واحداً من الإنتانات التي تصيب الطرق التنفسية، فإن لاتباع قواعد الصحة العامة أهمية كبرى في الوقاية من مخاطر الإصابة بهذا المرض عند الأطفال والبالغين، نذكّرك بها ضمن التعدادات التالية:

  1. تغطية الأنف والفم بمنديل نظيف عند العطاس أو السعال مع ضرورة التخلص منه بعد استعماله.
  2. احجب أنفك أثناء العطاس بواسطة المرفق وليس كف اليد في حال لم تتوفر لديك المناديل الورقيّة.
  3. احرص على غسل اليدين الجيّد بالماء الفاتر والصابون دوماً.
  4. تعقيم السطوح المنزلية وألعاب الأطفال بشكل مستمرّ.
التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر