العمل التطوعي (Voluntary Work) حاجة شخصية أم مجتمعية

هل يحدث تطوعك فرقاً؟ هل يُرضي ذاتك أم مجتمعك؟ لماذا أصبح التطوع حاجة ملحة للمجتمعات العربية؟

الكاتب:
تاريخ النشر: 25/06/2016
آخر تحديث: 25/06/2016

يبدو أن الأعمال التطوعية في البلاد العربية بدأت بالنمو والتطور؛  بعد تبني بعض الحكومات العربية لسياسة دعم الفعاليات التطوعية وتنشيط فعالية المجتمع المدني التي من المؤكد تنعكس إيجابياً في مساعدة الدول على نماء وازدهار مجتمعاتها، فاعترفت العديد من المؤسسات الحكومية والرسمية؛ بأهمية الجهد والعمل الذي تبذله الفرق والمبادرات التطوعية في خدمة المجتمعات المحلية، لاسيما في تعزيز روح التعاون ومفهوم المواطنة بين أفراد المجتمع. كما أمسى العدد المتزايد للأفراد المنخرطين في الأعمال التطوعية دليل هام على صحة المجتمع، و قدرة أفراده  على تحمل المسؤولية والأخلاق الضرورية للنهوض ببلادهم.

إذا كنت ممن يعتقدون بأن التطوع هو العمل دون مقابل أو أجر مادي، فإن الوقت قد حان لتغيير وجهة نظرك والتعرف أكثر عن أهمية تطوعك وآليته عبر مرافقتنا في المقال التالي، هيئ نفسك لمعرفة الوجه الآخر للفعاليات التطوعية، وأهميتها  في تطوير ذاتك، بما يساهم في  تحقيق تنمية المجتمع من حولك، ولتعلم جيداً أن المؤسسات والمنظمات التطوعية لا تهدف إلى إضاعة وقتك وجهدك دون فائدة بل على العكس، ستُدرك لاحقاً أن من واجبك دعم هذه المنظمات لبناء المجتمع الذي تحلم بالعيش به.

نظرة الأمم المتحدة في التطوع

عرّفت منظمة الأمم المتحدة العمل التطوعي في تقريرها الصادر عام 2011 باسم البيان العالمي للتطوع بأنه: "كل عمل غير ربحي لا يقدم نظيره أجراً معلوماً تعبيراً عن انخراط والتزام الأفراد في مجتمعاتهم بالمشاركة وتبادل المسؤولية، التي من شأنها تعزيز القيم الأخلاقية لدى السلطة وشعور المواطنة لدى الشعب، كما يعتبر خط الدفاع الأول ضد سلبيات العولمة وتفكك المجتمع، حيث بات ضرورة ملحة في أيامنا هذه، وواجب علينا إظهار الاهتمام تجاه مجتمعنا والمشاركة في التنمية".

أما المتطوع فهو "كل شخص يتمتع بمهارة أو خبرة معينة أو قدرة مالية ما؛ ويؤدي واجباً اجتماعياً بكامل حريته واختياره، بحيث لا يعود عليه جهده المبذول بأي مردود مادي، لكن يمكن حصوله على مبالغ مالية صغيرة لتغطية نفقات معينة؛ كأجر المواصلات مثلاً أو تكريماً لمساهمته الخيرية".

لا تنسَ إدراج اسمك في نشاط تطوعي

هل تدرك أن تطوعك في أحد الأنشطة قد يكون عاملاً محفزاً لقبولك في الوظيفة عند تقديمك لسيرتك الذاتية في عمل ما، فقد وجد مجموعة من الشباب وسيلة جديدة للإجابة عن سؤال "ما الخبرة التي لديك؟!" عند ذهابهم إلى مقابلة عمل، من خلال تقديمهم عرضاً للأعمال التطوعية التي قاموا بها و الفعاليات التطوعية التي انخرطوا ضمنها؛ مما يعكس صورتهم كشباب واع ومسؤول لدى أرباب العمل الذين ينجذبون للأشخاص ذوي المسؤولية والقدرة على العمل بهدف الإنتاج والجودة وليس بهدف الربح فقط، إضافة لما يتركه العمل التطوعي من انطباع عاطفي وإنساني لدى الأفراد، بذلك لن ينتظروا بعد اليوم من يمنحهم فرصة لإثبات ذواتهم بل سيصنعون فرصهم الأولى بأنفسهم حتى لو تطلب الأمر البدء بالعمل مجاناً.

ولو تمعنت قليلاً بالفوائد التي يمنحك إياها التطوع، لما قلت أن العمل التطوعي مجاني، فبقدر ما تعطي وتمنح بإرادتك فإنك تكتسب وتضيف لشخصيتك الكثير ومن ذلك:

  • تطوير نفسك من خلال خبرات ومهارات جديدة.
  • فتح آفاق جديدة أمامك، وكشف النقاب عن مهارات واهتمامات لم تكن تعلم بوجودها سابقاً، حيث كنت ستقبل العمل مجاناً في إحدى الشركات لتكتسب هذه المهارات، أما الآن فتأتي بنفسها إليك من خلال تطوعك وعملك الإنساني.
  • الحفاظ على صحتك الجسدية والفكرية.
  • انتشار روح التعاون، وثقافة العمل ضمن الفريق.
  • خدمة المجتمع لتجعل من محيطك مكاناً أفضل للعيش فيه.
  • بناء شبكة من العلاقات العامة، ومعرفة الكثير من الأشخاص، مما يفتح لك أبواباً جديدة لإيجاد فرص العمل واكتساب الخبرات.
  • تحقيق شعور الرضا عن الذات؛ وما يعكسه العمل الإنساني من هدوء في النفس وتفاؤل بانعكاس العمل التطوعي على حياتك بالنجاح والتقدم.

فهل تفكر بالتطوع هذا الصيف؟

ماذا ستفعل خلال فصل الصيف إلى جانب قضاء الأوقات مع الأصدقاء والأهل، أو السفر السياحي أو القراءة أو لعب كرة القدم حتى؛ رغم كل ذلك مازال هنالك الكثير من الوقت لديك، فماذا ستفعل به؟! وكيف ستستثمر أوقات فراغك بالفائدة؟ عزيزي القارئ يمكنك أن تجعل من هذا الوقت فرصة لتطوير ذاتك، فالتطوع خير وسيلة لتحقيق ذلك حيث:

  • يساعدك تخصيص بعض وقتك للأعمال التطوعية، على قضاء مزيد من الوقت مع الأصدقاء إلى جانب التعرف على أشخاص جدد؛ الأمر الذي يوسع مداركك وفهمك للحياة وللآخرين
  •  يغير عملك التطوعي من نظرة أهلك نحوك، فيلاحظوا أن طفلهم الصغير بدأ يخط طريقه نحو النضوج.

التطوع.. وجه معاصر من أوجه التكافل الاجتماعي في الموروث الثقافي والاجتماعي العربي

لم يعد العمل التطوعي نشاطاً مجانياً للمتعة وملئ وقت الفراغ بل أصبح ضرورة مجتمعية لتحقيق التنمية الشاملة في البلاد العربية، التي يتطلب تحقيقها تكاتف الأفراد جنباً إلى جنب لبناء وتطوير مجتمعاتهم وإعداد المكان الأفضل للأجيال القادمة. حيث شهد الوطن العربي مؤخراً العديد من المبادرات والفرق التطوعية الهامة الجديرة بالذكر والاحترام:

فريق (فرسان الطرق) في المملكة العربية السعودية

 ومهمة أعضاء الفريق الانتشار على طول الطريق السريع بين جدة والطائف لتقديم كل مساعدة ممكنة للسيارات المتوقفة على جانبي الطريق أو بسبب حوادث السير، حيث كانت البداية بمبادرة شخصية من شاب سعودي يُدعى (عبد الرؤوف ناشد) وما لبثت أن تحولت مبادرته بعد خمس سنوات إلى فريق مؤلف من (400) متطوع يحملون اسم فرسان الطرق، دلالة على الخدمة النبيلة التي يقدمونها للسائقين.

فريق الدروع الحامية في مصر

حيث تشهد مصر نوعاً جديداً من التبني ابتكره فريق تطوعي يحمل اسم (تروس) أي الدروع الحامية؛ حيث يختار أعضاء الفريق في كل مرة أحد أرصفة العاصمة ليكفلوه بالتنظيف والترميم اللازمين لإعادته إلى الخدمة، فيعود رصيفاً آمناً وصالحاً للمشاة.

مشاكل قد تحول تطوعك إلى جهد ضائع

أهم ميزات العمل التطوعي أنه يهدف إلى استثمار أفضل ما لديك ولدى الآخرين، الأمر الذي يحتاج منك الإخلاص في العمل إلى جانب تقديرك لما يظهره الآخرين من جهود في محاولةٍ للقيام بالعمل على أكمل وجه؛ لكن من جهة أخرى ترتكب بعض المبادرات التطوعية أخطاءً تنعكس سلباً على اسمها في المستقبل، ومن أكبر الأخطاء التي تواجه المبادرات التطوعية في البلاد العربية؛ أن البعض يطلقها بهدف إبراز أنفسهم على الخارطة الاجتماعية، كذلك تلميع صورتهم الشخصية أمام الرأي العام والإعلام.

 فمثلاً نتيجة التركيز على بعض  الأهداف الضيقة يبدأ مؤسس العمل أو المبادرة التطوعية في التراجع خطوة للوراء عن باقي أفراد مجموعته، في محاولة منه للعب دور قائد الفريق أو المسؤول، كما ينفرد بنفسه أمام الكاميرات متناسياً أن فكرته ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه دون تفاني وإخلاص الكثيرين غيره في العمل؛ فيحفر بذلك قبر مبادرته قبل أن تولد، وربما هذه تعد المشكلة الأكبر التي تعاني منها الأعمال التطوعية العربية، إلى جانب أسباب أخرى تساهم بتدمير الحركة التطوعية: كالانفراد بالرأي، والخلافات الشخصية، واختلاف النوايا والأهداف، وفي خضم هذه الأسباب تضيع جهود المتطوعين وتذهب هباءً وبدل أن تكون طاقة منتجة خدمية تساهم في بناء المحيط تصبح طاقة مهدَرة وضائعة في غياهب الخلافات الشخصية وتفتت الفريق.

اليوم العالمي للتطوع (IVD)

اليوم الدولي للمتطوعين (International Voluntary Day) هو احتفال عالمي دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ دولها الأعضاء للاحتفال فيه، حيث صدر القرار رقم (40/212 المؤرخ 17 كانون الأول/يناير في عام 1985) الذي ينص على اعتبار الخامس من شهر كانون الأول/يناير من كل عام مناسبة دولية للاحتفال بالمتطوعين إلا أنه لا يعتبر كيوم عطلة رسمي في هذه الدول.

حيث تحتفل الأمم المتحدة سنوياً  من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، الذي يعرف أيضاً باسم _اليوم الدولي للمتطوعين (IVD)_ فيُعطى المتطوعون فرصة من خلال هذا الاحتفال للعمل في مشاريع وحملات تساهم في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المستويات المحلية والوطنية والدولية.

كما يعتبر هذا اليوم فرصة فريدة للأشخاص والمنظمات المهتمين بالعمل التطوعي للعمل مع الوكالات غير الحكومية والمؤسسات غير الهادفة للربح، والجماعات المحلية، والأوساط الأكاديمية، والقطاع الخاص لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة.

وعلى مر السنين ركزت العديد من البلدان على استثمار جهود ومساهمات المتطوعين في يومهم العالمي لتحقيق خططها الإنمائية (هي مجموعة من الأهداف المحددة زمنياً لمكافحة الفقر والجوع والمرض والأمية والتدهور البيئي والتمييز ضد المرأة).

فتنظيم اليوم العالمي للمتطوعين هو نتاج شراكة بين منظمة الأمم المتحدة والحكومات مع المنظمات التطوعية والأفراد الملتزمين، حيث غالباً ما يشارك ممثلين عن وسائل الإعلام أو الأوساط الأكاديمية في هذا الاحتفال إلى جانب عدد من المؤسسات والقطاع الخاص، والجماعات الدينية، والمنظمات الرياضية والترفيهية أيضاً.

كما لا يقتصر اليوم العالمي للتطوع على الاحتفال بالعمل التطوعي بمختلف أشكاله؛ لكنه يوجه تحية خاصة للمتطوعين الذين يعملون على تنفيذ الأهداف العالمية الجديدة أيضا؛ فمن خلال العمل التطوعي يمكن لكل شخص أن يؤثر على جدول أعمال التنمية المستدامة، من خلال  تعبئة جهود جميع الأفراد وإشراك الحكومات والمجتمعات المحلية لتحويل العالم إلى مكان أفضل.

الصليب والهلال أكبر حركة تطوعية في العالم

الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر (International Committee of the Red Cross) هي أكبر شبكة إنسانية في العالم مهتمة بالتخفيف من حدة المعاناة الإنسانية والعمل على حماية أرواح البشر وصحتهم؛ إلى جانب ضمان الحفاظ على كرامة الإنسان واحترامه خصوصاً أثناء النزاعات المسلحة؛ وفي حالات الطوارئ الأخرى كالكوارث الطبيعية والحروب.. ويحظى عمل هذه الحركة بدعم ملايين المتطوعين حول العالم؛ كما تعمل الحركة أيضاً بالتعاون مع الحكومات والجهات المانحة ومنظمات الإغاثة الأخرى لمساعدة المستضعفين أينما وجدوا على سطح الكرة الأرضية.

يذكر أن بداية عمل هذه الحركة كان مع تأسيس المواطن السويسري (هنري دونان - Henry Dunant) (للمنظمة الدولية لإغاثة الجرحى في الميدان) بعد تمكنه عبر شهادته التي قدمها حول معركة (سولفرينو - Solferino) الشهيرة بين النمساويين والفرنسيين من صدمة الرأي العام الغربي بهول الأثر الذي تخلفه الحرب الحديثة على البشرية، كما لم يكتف دونان بوصف المعركة وإنما قدم اقتراحات صبت في اتجاهين رئيسيين هما:

  • إنشاء جمعيات تطوعية للإغاثة في جميع البلاد.
  •  صياغة مبدأ دولي تعاقدي ومقدس يكون أساساً وسنداً لجمعيات الإغاثة.

وفعلاً مع حلول عام 1862 وبدعوة من مجموعة الخمسة، التي آمنت بمطالب دونان طالب الاتحاد السويسري بعقد مؤتمر جنيف الدبلوماسي، الذي شارك فيه مندوبون من 16 بلداً وصاغوا اتفاقية جنيف الخاصة بتحسين حالة الجرحى العسكريين في الميدان؛ الذي تمخضت عنه منظمة دولية لإغاثة الجرحى في الميدان التي عرفت فيما بعد بجمعية الصليب الأحمر.

وتجلى الانتشار العالمي لحركة الصليب الأحمر بنموها في إنشاء جمعيات الهلال الأحمر، وهي الجمعيات التي اتخذت من الهلال الأحمر على خلفية بيضاء راية لها، بحيث تتميز عن العلم التركي كما هو الحال مع راية الصليب الأحمر على خلفية بيضاء تمييزاً له عن العلم السويسري، بذلك تمكنت هذه المنظمة العالمية من ممارسة نشاطها الإنساني داخل الدول الإسلامية التي امتنعت عن الانضمام إلى حركة الصليب الأحمر كونها تحمل شعار الصليب، ومع حلول عام 1919 اتحدت الجمعيات الوطنية للهلال الأحمر والصليب الأحمر في اتحاد عالمي هو (رابطة جمعيات الهلال والصليب الأحمر).

يذكر أن (هنري دونان - Henry Dunant) كان أول من حصل على جائزة نوبل للسلام بالتقاسم مع الاقتصادي (فريدريك باسي - Frédéric Passy) صاحب كتاب (تاريخ العمل) حيث تم إرسال الجائزة والوسام إلى مقر إقامته في مدينة (هايدن) لتعذر قدومه إلى (كريستيانا) لاستلامها بسبب ضعفه، وأرفقت الجائزتين برسالة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر كتب فيها: "من دونك لم يكن من الممكن أن يتحقق ذلك الإنجاز الإنساني العظيم".

تقوم الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر إلى يومنا هذا بعمل جبار لحماية المستضعفين وعلاج المتضررين من الحروب، إضافة إلى دورها الإغاثي خلال الكوارث الطبيعية والمشاكل الصحية دون تمييز بين مسلم ومسيحي فالجميع أخوة في دين الإنسانية.

في النهاية.. لابد أنك الآن تدرك أهمية المساهمة بتحقيق التنمية الشاملة..  فالتنمية الحقيقية التي تحتاجها بلادنا العربية يمكن أن تصبح أسرع وأكثر فعالية عندما نبدأ التغيير من داخلنا؛ فلا تنتظر مقابلاً ما..  ابدأ من أبسط الأمور انطلاقاً من المشاركة في أعمال التنظيف أمام منزلك أو في الحي الذي تسكنه إلى مساعدة أصدقاءك عبر الإنترنت، أو التبرع بأشياء لم تعد تستخدمها لصالح من فقدوا منازلهم أو لأشياء أكبر وأكثر إنسانية، فإنك بذلك تساهم بتحقيق أهداف الألفية من خلال عملك التطوعي.

أخيراً.. تغلب على الصوت الذي يقول في داخلك: "من المستحيل أن يُحدث تطوعي فرقاً"، لأنك قادر على التغيير نحو الأفضل، فكل عمل صغُر أم كبر شأنه له أثر جليل؛ كبذرة زرعتها في الأرض لن تراها اليوم، لكنها ستثمر غداً.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر