تداعيات وأسباب انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي

انقسمت آراء البريطانيين بين مؤيد ومعارض لعملية الانفصال، نناقش هنا اسباب وتبعات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

الكاتب:
تاريخ النشر: 15/07/2016
آخر تحديث: 15/07/2016
صوت البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بتاريخ 23-يونيو-2016 وبنسبة قاربت 52% من إجمالي الأصوات

بشكل مثير للاستغراب لاسيما عند غير المتابعين عن قرب للاقتصادات الأوروبية، أسفر الاستفتاء الأخير في بريطانيا عن قرار انفصالها عن الاتحاد الأوروبي؛ حيث أظهرت النتائج أن 51.9 من المصوتين أيدوا الانفصال فيما عارضه 48.1% منهم. وعلى الرغم من أن الانفصال أتى بمثابة الصدمة لكثيرين، فقد كان متوقعاً من قبل متابعي الوضع الاجتماعي البريطاني وطبيعة العلاقات التجارية بين بريطانيا ودول الاتحاد.

يعتبر الاتحاد الأوروبي القوة الاقتصادية الأكبر عالمياً في وقتنا الراهن، حيث يشكل حوالي 26% من القوة الاقتصادية العالمية، وعلى الرغم من كون الاتحاد الأوروبي مكوناً من 28 دولةً، فالدول الأربع الكبرى فيه مسؤولة عن أكثر من نصف قوته الاقتصادية.

قد يرى البعض أن انفصال بريطانيا لن يترك أثراً على اتحاد يحوي 27 بلداً غيرها، لكن كونها خامس أكبر اقتصاد عالمي والثانية أوروبياً بالإضافة لوجود ثاني أكبر سوق تداول في العالم فيها (لندن) يجعل انفصالها ذا أثر بالغ على الاتحاد الأوروبي والمشهد الاقتصادي العالمي بالمجمل.

عزيزي القارئ سنحاول في هذا المقال تسليط الضوء لك على الأسباب الكامنة خلف هذا الانفصال مع مناقشة التبعات الممكنة له على الاقتصاد البريطاني والأوروبي والعالمي.

انضمام بريطانيا للاتحاد الأوروبي

تشكل الاتحاد الأوروبي بصيغته الأولية باتفاقية روما عام 1957، حيث وقعتها كل من بلجيكا وفرنسا وإيطاليا ولكسمبورغ وهولندا وألمانيا الغربية لتشكل ما كان يعرف بالاتحاد الاقتصادي الأوروبي EEC. لم تكن بريطانيا من الدول المؤسسة للاتحاد، وقُوبلت محاولات انضمامها بـ"فيتو" فرنسي من الرئيس الفرنسي حينها شارل ديجول، بعد محاولتين فاشلتين في عامي 1963 و1967، تمكنت المملكة المتحدة أخيراً من الانضمام للاتحاد عام 1973. لاقى هذا الانضمام رفضاً من أقلية شعبية في بريطانيا أدى لإجراء استفتاء عام 1975 أظهر موافقة 67.2% من المصوتين على الانضمام مقابل معارضة 32.8% منهم له.

مع مرور الوقت نمت التيارات المعارضة والرافضة اعتبار بريطانيا جزءاً من الاتحاد؛ وتبلور هذا الرفض بعدم تبني بريطانيا للعملة الموحدة (اليورو) وبقائها على عملتها الأصلية (الجنيه الإسترليني). ابتداء من تسعينات القرن الماضي ازداد نفوذ التيار المعارض للاتحاد ضمن حزب المحافظين (أحد الحزبين الرئيسيين في بريطانيا، والآخر هو حزب العمال) كما ازداد ظهور حزب استقلال المملكة المتحدة UKIP على الساحة السياسية. أدى ذلك لتصاعد حدة التوتر في المملكة المتحدة مما أجبر رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون على إجراء استفتاء شعبي لتحديد العلاقة مع الاتحاد الأوروبي؛ وانتهى الاستفتاء بتصويت الأغلبية على الانفصال.

أسباب انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد

كون المملكة المتحدة من الدول الأقوى اقتصادياً في الاتحاد، فهي تدفع ما يقارب 260 مليون دولار أمريكي أسبوعياً كمساهمات مالية، وعلى الرغم من كون المبلغ كبيراً فالمملكة المتحدة ستضطر لدفعه على أي حال للوصول للسوق المشتركة في حال انفصالها التام عن الاتحاد الأوروبي. إضافة لذلك فالاتحاد الأوروبي يفرض الكثير من القيود والتشريعات الاقتصادية والصناعية على الكثير من الأشياء بسبب طبيعته البيروقراطية، وعلى الرغم من كون الشركات البريطانية الراغبة باستمرار تعاملاتها التجارية ملزمة بهذه القيود والتشريعات بكل الأحوال، فقد تمكنت التيارات المؤيدة للانفصال من استغلال هذا الأمر لصالحها شعبياً بالتركيز على المبالغ المدفوعة للاتحاد والقيود التي يفرضها دون ذكر أن هذه الأشياء لن تتغير حتى مع الانفصال.

الأمر الآخر الذي لعب دوراً كبيراً في تأييد استفتاء الانفصال هو الاتجاه ضد العمالة الأوروبية المهاجرة لبريطانيا (حيث يتيح الاتحاد الأوروبي حرية تنقل العمالة في أراضيه) ويرافقه اتجاه بعض البريطانيين ضد اللاجئين. قاد هذا التوجه حزب استقلال المملكة المتحدة بالإضافة لتيار كبير من حزب المحافظين.

مؤيدو الانفصال ومعارضوه

يشكل حزب استقلال المملكة المتحدة ذو النزعة العنصرية (حيث صرحت قيادات وكوادر أساسية فيه مراراً ضد السود والآسيويين) بالإضافة للتيارات اليمينية من حزب المحافظين وبعض الأحزاب الأوروبية المناهضة للاتحاد، أبرز دعاة ومؤيدي الانفصال عن الاتحاد.

على الجانب الآخر، يؤيد التيار المعتدل من حزب المحافظين، إضافة لحزب العمال والحزب الليبرالي الديموقراطي والحزب الوطني الاسكتلندي البقاء تحت مظلة الاتحاد، وينضم إليهم رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون (المنتمي لحزب العمال)، وتوجهات دولية تتضمن الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي نفسه تؤيد بقاء بريطانيا ضمن منظومة الاتحاد. كما أظهرت الإحصائيات والاقتراعات غير الرسمية ميل الشباب لجهة البقاء مع الاتحاد مقابل رغبة أكبر بالانفصال لدى الفئات العمرية الأكبر.

بقاء بريطانيا في السوق المشتركة لتقليل أضرار الانفصال

على الرغم من أن التصويت يعتبر نهائياً، فهناك عريضة وقع عليها أكثر من ثلاث ملايين بريطاني تطالب بإعادة التصويت على الانفصال، على أي حال، فما يزال التصويت يحتاج لأن يتم تصديقه من قبل البرلمان أولاً، وبعد إقراره تماماً تدخل المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في مفاوضات قد تستمر لما يقارب العامين من الآن لتحديد شروط الانفصال، وتحديد بقاء بريطانيا ضمن السوق المشتركة من عدمه، بالإضافة للوضع الذي ستصبح عليه اتفاقية الحركة الحرة للعمالة. فعلى الرغم من الانفصال من الممكن أن تبقى المملكة المتحدة جزءاً من السوق المشتركة والاتفاقيات الأخرى لتقليل الآثار السلبية الممكنة للانفصال.

ردود الفعل تجاه الانفصال

تباينت ردود الفعل تجاه الانفصال البريطاني بشكل كبير، حيث انقسم الشارع الفرنسي بين ردود فعل سلبية ترى الانفصال كخطأ كبير وردود فعل مرحبة به وداعية لانحلال الاتحاد ككل من التيارات القومية واليمينية في فرنسا، أما في ألمانيا فقد كان الموقف موحداً نوعاً ما وخائب الأمل بالانفصال مع دعوات من السياسيين ومنهم المستشارة أنجيلا ميركل إلى الحفاظ على الاتحاد وتقويته بشكل أكبر.

على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، كان الموقف الأمريكي واضحاً بمعارضة الانفصال. فحسب تعبير الساسة الأمريكيين، الولايات المتحدة تحتاج حليفها البريطاني بشكل كبير، لكنها تحتاجه كقوة ضمن أوروبا لا خارج الاتحاد، حيث وضحت التصريحات أن الولايات المتحدة لن تأخذ على عاتقها عقد صفقات تجارية مع بريطانيا لتعويضها عن الخسائر المحتملة لمغادرة الاتحاد.

أما عربياً، فعلى الرغم من عدم وجود تصريحات رسمية، رحب الكثير من رجال الأعمال الخليجيين بالانفصال كونه "سيخفض أسعار العقارات في لندن ويسمح بتمدد خليجي أكبر هناك". ردود الفعل الأخرى كانت في معظمها ساخرة من الانفصال أو معترضة على الواقع المشترك بين بريطانيا والعالم العربي حيث يتحكم كبار السن بالقرار مع تهميش رأي الشباب حتى فب الأمور المصيرية.

نتائج انفصال أقوى مراكز المال في أوروبا

كون الشروط ما تزال قيد التفاوض فالنتائج الممكنة للانفصال تبقى قيد التوقعات لا أكثر، حيث أن شروط الانفصال هي التي ستحدد النتائج المترتبة عليه.

  • ظهرت النتائج الأولى للتصويت باستقالة رئيس وزراء المملكة المتحدة ديفيد كاميرون، حيث أن حزبه (حزب العمال) يُعتبر أبرز مؤيدي البقاء مع الاتحاد الأوروبي. النتائج الأخرى قد تتضمن إضعاف اتصالات لندن وموقعها الأساسي كأقوى مركز مالي أوروبي وكمنافس لبورصة وول ستريت (الموجودة في نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية). كما يرجح الخبراء إمكانية انخفاض معدلات النمو والناتج المحلي الإجمالي على المدى القصير، مقابل تحسن مستقبلي وصولاً لعام 2030. فقد ظهرت النتائج الأولى بفقدان الجنية الإسترليني لحوالي 9% من قيمته الشرائية وانخفاض مؤشر البورصة بحوالي 3%.
  • من النتائج الأخرى الممكنة، ازدياد قوة التيار الداعي لانفصال اسكوتلندا عن المملكة المتحدة؛ حيث كانت انتخابات 2014 قد أظهرت رغبة 45% من الاسكتلنديين بالانفصال عن المملكة المتحدة، مع وجود أغلبية من الناخبين الراغبين بإعادة الانضمام للاتحاد الأوروبي كدولة مستقلة لا كجزء من المملكة المتحدة؛ هذه الحالة مشتركة مع إيرلندا الشمالية حيث تزداد شعبية الانفصال عن المملكة المتحدة والاتحاد مع جمهورية إيرلندا لتستقل الجزيرة الإيرلندية عن الهيمنة البريطانية. وفي النصف الآخر من العالم، دعم الانفصال البريطاني التيارات الأسترالية الراغبة بتحويل الدولة إلى الجمهورية والتخلص من التبعية (الإسمية فقط) للتاج البريطاني.
  • على الصعيد العالمي فالأمور تبدو مبهمة إلى حد كبير، حيث أن آراء الخبراء تتفاوت بين من يرجح تداعيات كبرى تؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي، وآخرين يرون أن الانفصال قد يزيد معدل التبادل التجاري بين المملكة المتحدة ودول اتحاد الكومونوِلث (وهو اتحاد اقتصادي يتضمن المستعمرات السابقة لبريطانيا مثل كندا وأستراليا والهند) وحتى دول منطقة الخليج.

في النهاية... الشيء الأساسي الذي يجمع عليه الخبراء، هو أن انفصالاً من هذا المستوى سيترك آثاراً كبيرة على شكل النمو الاقتصادي العالمي؛ وهذه الآثار ستبدأ بالظهور مع تطور مفاوضات الانفصال وتوضيح الشروط الخاصة به خلال الأشهر القادمة.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر