عيد الاستقلال التونسي.. ذاكرة حافلة بالنضال

جهود سياسية ومقاومة شعبية.. أثمرت "الاستقلال"

الكاتب:
تاريخ النشر: 02/07/2016
آخر تحديث: 02/07/2016
يحتفل التونسيون في العشرين من آذار/ مارس من كل عام، بذكرى استقلالهم عن المستعمر الفرنسي

انتقلت من الاحتلال إلى الاستقلال، ومن الملكية إلى الجمهورية، من التغيير بالانقلابات العسكرية، إلى التغيير بصناديق الاقتراع، بين موجات الانتقال ثابت وحيد وعيد وطني فريد إنه عيد الاستقلال.

تعد دولة تونس من أصغر الدول في القارة الإفريقية، إلا أن ذلك لم يمنع فرنسا من احتلالها واستغلال ثرواتها، واستهداف سكانها، فكانت المقاومة بالسلاح وبالسياسة هي الحل، والاستقلال هو المكافأة.

احتفالات تونس بعيد الاستقلال

يحتفل التونسيون في العشرين من آذار/ مارس من كل عام، بذكرى استقلالهم عن المستعمر الفرنسي، حيث يستذكرون نضالاتهم وتضحياتهم الكبيرة من أجل نيل الاستقلال، فترفع الأعلام في الشوارع والنوافذ والبيوت، كما تزين السيارات بألوان العلم الوطني، وتقام الاحتفالات والسهرات الفلكلورية، كما يقوم التونسيون بزيارة المتاحف التي تحوي وثائق هامة عن مرحلة الاستقلال، وتقوم وسائل الإعلام بتخليد هذا اليوم من خلال عرض الأفلام الوثائقية التي تتحدث عن هذه المرحلة، ووصف الساعات الأخيرة من الاحتلال، والساعات الأولى من نيل الاستقلال.

العلم الوطني التونسي

العلم الوطني التونسي الحالي مستوحى من علم البحرية للإمبراطورية العثمانية الأحمر، فنتيجةً لتدمير الأسطول البحري التونسي في معركة نفارين (Navarin) في 20 تشرين الأول/أكتوبر من عام 1827، قرر باي تونس حسين الثاني إنشاء علم خاص بالأسطول التونسي، لتمييزه عن أساطيل أخرى، حيث أضافوا قرصاً أبيضاً للعلم الأحمر إضافة لهلال ونجم، وتم اعتماده عام 1837، ثم استمر مع الاحتلال الفرنسي، واُعتمد علماً للجمهورية التونسية بعد الاستقلال، حيث عرّفت المادة الرابعة من الدستور التونسي المعتمد في الأول من شهر حزيران/يونيو من عام 1959 العلم التونسي على النحو التالي:

(إن علم الجمهورية التونسية أحمر، ويضم، وفقا للشروط التي يحددها القانون، في الوسط، قرص أبيض يحتوي على نجمة خماسية محاطة بهلال أحمر)، طرأ على هذه المادة تعديل طفيف في دستور 10 شباط/فبراير من عام 2014 على النحو التالي: (إن علم الجمهورية التونسية أحمر، في منتصفه قرص أبيض يحتوي نجمة خماسية حمراء يحيط بها هلال أحمر كما هو محدد بالقانون).

ولألوان العلم التونسي دلالات، حيث يرمز اللون الأحمر لدم الشهداء، بينما يرمز اللون الأبيض للسلام، كما يشير الهلال إلى الأغلبية المسلمة في تونس، فيما تشير النجمة الخماسية إلى أركان الإسلام الخمس، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، صوم رمضان، والحج من استطاع إليه سبيلا.

ويُرفع العلم التونسي في المباني الحكومية ومباني السفارات، كما يرفع خلال الاحتفال بالأعياد الرسمية، كعيد الثورة في الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير من عام 2011، التي أدت لتخلي الرئيس التونسي زين العابدين بن علي عن السلطة، و يُرفع العلم في الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر، ذكرى إخلاء القوات الفرنسية من قاعدة بنزرت عام 1963، كذلك يُرفع خلال الاحتفال بعيد الجمهورية في الخامس والعشرين من شهر تموز /يوليو، نسبة لإعلان الجمهورية في عام 1957، وفي 20 آذار/ مارس من عام 1956 عيد الاستقلال، كما يُرفع العلم بمناسبة يوم الشهداء في التاسع من أبريل، نسبة للضحايا الذين سقطوا نتيجة قمع الفرنسيين للمظاهرات التونسية في عام 1938. .

النشيد الوطني التونسي

سعت تونس كغيرها من الدول المستقلة لصياغة نشيد وطني يجمع التونسيين، ليصبح رمزاً جديداً يضاف إلى رموز هذا البلد، حيث ألّف كلماته الشاعر السوري الأصل، مصري الولادة مصطفى صادق الرفاعي في عام 1930، لتضاف في آخر النشيد أبياتاً من قصيدة أبو القاسم الشابي التي حملت عنوان /الرغبة في العيش/ وذلك في عام 1955، حيث لحّن كلمات النشيد أحمد خير الدين، ثم اُعتمد النشيد في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1987، ثم أُدرج رسمياً في المادة الرابعة من الدستور التونسي المقر في العاشر من شباط/ فبراير من عام 2014، وهذه كلمات النشيد:

حماة الحمى يا حماة الحمى         هلموا هلموا لمجد الزمن

لقد صرخت في عروقنا الدماء     نموت نموت ويحيا الوطن

لتدو السماوات برعدها                لترم الصواعق نيرانها

إلى عز تونس إلى مجدها              رجال البلاد وشبانها

فلا عاش في تونس من خانها      ولا عاش من ليس من جندها

نموت ونحيا على عهدها            حياة الكرام وموت العظام

ورثنا السواعد بين الأمم           صخوراً صخوراً كهذا البناء

سواعد يهتز فوقها العلم             نباهي به ويباهي بنا

وفيها كفا للعلى والهمم               وفيها ضمان لنيل المنى

وفيها لأعداء تونس نقم             وفيها لمن سالمونا السلام

إذا الشعب يوما أراد الحياة      فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي                ولا بد للقيد أن ينكسر

وإن النشيد الوطني المعتمد حالياً لم يكن الوحيد، حيث كان هناك نشيداً قبله، اختارته وزارة التربية والتعليم في عام 1958، نتيجة مسابقة أجرتها الوزارة لهذه الغاية، حيث شارك فيها 35 شاعراً، و23 موسيقياً، وبعد فرز المشاركات اختارت الوزارة قصيدة الشاعر جلال الدين النقاش، ولحن صالح المهدي، ثم اعتمده الرئيس التونسي آنذاك الحبيب بورقيبة، ليصبح النشيد الوطني لتونس ابتداءً من 20 آذار/مارس من عام 1985، ولأن هذا النشيد يشير صراحةً إلى شخص الرئيس الحبيب بورقية لذلك تم تغييره بعد عزل الحبيب بورقيبة بانقلاب عسكري في 7 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1987، وإليكم كلمات النشيد الوطني السابق:

ألا خلّدي يا دمانا الغوالـي جهـاد الوطن

لتحرير خضـرائنا لا نبالـي بأقسى المِحن

جهـاد تــحــلّى بنصــر مبين

على الـغاصبين على الحاسدين طغاة الزمن

نـخـوض اللهيـب بروح الـحبيب زعيـم الوطن

أرى الحكم للشعب فابنوا لنا من المجد أعلى صروح تشاد

أجيبوا أجيبوا لأوطاننا نـداء الأخـوة والاتـحـاد

وذودوا العدى عن حمى أرضنا وكونوا أسودا ليوم الجلاد

ورثنا الجلاد ومجد النضال وفي أرضنا مصرع الغاصبين

وصالت أساطيلنا في النزال تـموج بأبطالنا الفاتحين

لواء الكفاح بهذا الشمال رفعناه يوم الفدى باليمين

شباب العلى عزّنا بالحمى وعزّ الحمى بالشباب العتيد

لنا همّة طالت الأنجما تعيد المعالي وتبني الجديد

فحيّوا اللّوا خافقا في السّمـا بعزّ وفخر ونصر مـجـيد

أربعة رؤساء منذ الاستقلال حتى اليوم

حكم تونس منذ الاستقلال حتى عام 2016 أربعة رؤساء فقط هم:

  • الحبيب بو رقيبة: أول رئيس للجمهورية التونسية بعد الاستقلال حكم بين الخامس والعشرين من شهر تموز/ يوليو  عام 1957 حتى السابع من شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1987، حيث عُزل من منصبه بعد انقلاب نفّذه زين العابدين بن علي، كان من أهم أعمال بورقيبة إسقاط الملكية ومعها آخر ملك تونسي هو محمد الأمين باي وإعلان الجمهورية.
  • زين العابدين بن علي: ثاني رئيس للجمهورية التونسية حكم بين السابع من شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1987 إلى الرابع عشر من شهر كانون الثاني/يناير عام 2011 إثر مظاهرات شعبية انتشرت في الشوارع التونسية أدت إلى تنازله عن الحكم.
  • المنصف المرزوقي: ثالث رئيس للجمهورية التونسية بعد الاستقلال، وأول رئيس لتونس بعد ثورة 2011، استلم السلطة من خلال الانتخابات بين عامي 2011 - 2014.
  • الباجي القايد السبسي: رابع رئيس للجمهورية التونسية، والرئيس الثاني لتونس بعد ثورة 2011، استلم السلطة عن طريق الانتخابات عام 2014، ما يزال حتى عام 2016.

تونس من العثمانيين إلى الاستعمار الفرنسي

بقيت تونس تحت سيادة الإمبراطورية البيزنطية حتى عام 650 حيث دخلتها القوات العربية المسلمة، خضعت للحكم الراشدي فالأموي فالعباسي، وفي القرن السادس عشر احتلتها الدولة العثمانية وصارت جزءاً من أراضيها، لكنها بقيت تتمتع باستقلالها الداخلي وتحت السيادة العثمانية حتى عام 1881، حيث سعت فرنسا بعد احتلالها الجزائر لتوسيع نفوذها الاستعماري في العالم، فقامت بتوقيع اتفاقية مع الباي التونسي محمد الصادق في الثاني عشر من شهر أيار/مايو من عام 1881، بموجبها فرضت فرنسا حمايتها على تونس.

لم تكتفِ فرنسا بهذه المعاهدة، بل وقعّت معاهدة أخرى مع الباي محمد الصادق في الثامن من شهر حزيران/يونيو من عام 1883، حملت اسم اتفاقية المرسى، وبموجب المعاهدة الجديدة أصبحت فرنسا مسؤولة عن إدارة الشؤون الداخلية لتونس، وتتمتع بموجبها فرنسا بالسلطة المطلقة في تونس.

المقاومة طريق الاستقلال

لم يستسلم التونسيون للاحتلال الفرنسي الذي فرض عليهم لغته وعاداته وتقاليده، فقاوموه بكل الوسائل ودون كلل أو ملل حتى امتدت الحركة الوطنية خلال فترة الاحتلال الفرنسي إلى ثلاث مراحل:

  • المرحلة الأولى، "حركة الشباب التونسي" امتدت بين عامي 1907- 1918، حيث عقدت الحركة مؤتمراً طالبوا فيه بإدراج قضية استقلال تونس في برنامج  الحزب، كما طالبوا بتصعيد مواقف الحزب أمام تعنّت الحكومة الموالية لفرنسا.
  • المرحلة الثانية، "الحزب الدستوري الحر" امتدت بين عامي 1919- 1952، حيث نظّم الحزب مظاهرات أمام قصر العدل في التاسع من نيسان/أبريل من عام 1938، وذلك احتجاجاً على محاكمة المناضل علي البهلوان، فقامت القوات الفرنسية بإطلاق النار على المتظاهرين، مما أدى إلى استشهاد عدد منهم وإصابة آخرين، كما اعتقل الفرنسيون عدداً من المتظاهرين وعلى رأسهم الحبيب بورقيبة.
  • المرحلة الثالثة، "النضال من أجل السيادة والاستقلال" بين عامي 1952- 1956، بدأت معركة التحرير في الخامس من كانون الأول/ديسمبر من عام 1952،  واعتمدت هذه المعركة على النضال السياسي والمقاومة المسلحة، حيث أرسلت المنظمات الوطنية كالحزب الدستوري الحر برقية احتجاج إلى الحكومة الفرنسية على ممارساتها بحق التونسيين في السادس عشر من كانون الأول/ديسمبر  عام 1951، ولكن السلطات الفرنسية قامت باستهداف المظاهرات وقمعها، مما أدى إلى لجوء التونسيين إلى الكفاح المسلح، وانتشرت أعمال المقاومة كل المدن التونسية.

نتيجة هذه التطورات اتخذت الحكومة الفرنسية مجموعة من القرارات في نطاق ما سمته بسياسة التهدئة، من بينها استرجاع السلطة الأمنية للشرطة وإلغاء الرقابة والمضايقات بالساحل والإفراج عن عدد من المبعدين والمساجين وذلك في 28 تشرين الأول/أكتوبر من عام 1953، فخمد لهيب الكفاح في هذه الفترة، لكن الحركة الوطنية اعتمدت خطة الصمود وجندت قواها لاستئناف الكفاح بعد تفطن الجميع إلى أن مشروع السلطات الفرنسية الجديد يقود إلى طريق مسدود ويضحي بمطالب الشعب من أجل استرجاع سيادته.

وعادت حركة المقاومة للنشاط وتواصلت عمليات المقاومة خلال شهر حزيران من عام 1954، فأرعبت المستعمرين الفرنسيين، الذين طالبوا بإجراء مفاوضات مع التونسيين أثمرت بعد مماطلة فرنسية عن توقيع اتفاقية استقلال تونس، لكن الحكومة الفرنسية احتفظت بقاعدة عسكرية في بنزرت حتى الخامس عشر من شهر تشرين الأول/أكتوبر من عام 1963، حيث خرجت منها بعد خلافها مع الحكومة التونسية.

وهكذا نرى أنه لطالما شكل عيد الاستقلال يوماً مميزاً بتاريخ كل الشعوب التي عانت ويلات الاحتلال، فهذا حال تونس التي قاومت وصبرت فكان الاستقلال نصيبها، والاحتفالات بعيد الاستقلال من حقها وحق شعبها.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر