الثورة الإيرانية (The Iranian Revolution)

تعرف على الثورة التي نقلت إيران من حكم الشاه إلى النظام الجمهوري
الكاتب:منارة دمشق
تاريخ النشر: 16/09/2017
آخر تحديث: 16/09/2017
صورة من الثورة الإيرانية

حدثت الثورة الإسلامية الإيرانية بين عامي 1977 و 1979، أفضت هذه الثورة إلى إسقاط نظام الشاه وإعلان النظام الجمهوري، في هذه الثورة تحول المنفيون لحكام والحكام لمنفيين.

مع هذه الثورة تغيرت السياسة الإيرانية من دولة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية في سياستها إلى دولة مستقلة تميل في سياستها الخارجية نحو الاتحاد السوفيتي.

بدأت المظاهرات ضد شاه إيران محمد رضا بهلوي في شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1977، وتطورت إلى حملة مقاومة مدنية تضم عناصر علمانية ودينية، بعد ذلك تكثفت في شهر كانون الثاني/ يناير 1978.

وفي الفترة الواقعة بين شهري آب/ أغسطس وكانون الأول/ ديسمبر عام 1978 عمت الاضرابات والمظاهرات أنحاء إيران، وغادر الشاه إلى المنفى في السادس عشر من شهر كانون الثاني/ يناير عام 1979 تاركاً مكانه للمعارضة التي استلمت السلطة.. المزيد عن الثورة الإيرانية وتطور أحداثها ونتائجها نتناولها في هذه المقالة.

1

أسباب الثورة الإيرانية ضد حكم الشاه

هناك عدة أسباب دفعت الإيرانيين لإعلان الثورة، من هذه الأسباب:

  1. فقدان عائدات النفط نتيجة أزمة النفط التي حصلت إثر حرب أكتوبر في عام 1973.
  2. الانكماش الاقتصادي الحاد في الفترة ما بين عامي 1977 و1978.
  3. عندما سن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر سياسة حقوق الإنسان التي قالت إن البلدان المذنبة بانتهاكات حقوق الإنسان ستحرم من الأسلحة أو المساعدات الأمريكية، فقد ساعد ذلك على إعطاء بعض الإيرانيين الشجاعة لنشر الرسائل والالتماسات المفتوحة على أمل أن يكون القمع من جانب الحكومة قد توقف.
  4. رفض سياسة الشاه المرتبطة بالغرب.
2

مقدمات الثورة الإيرانية

كان لعلماء الدين تأثير كبير على المجتمع الإيراني، حيث كانوا يشكلون قوة سياسية لا يستهان بها في المعارضة لنظام الشاه؛ بسبب المظاهرات التي قام بها عمال التبغ في عام 1891، وذلك احتجاجاً على سماح الشاه للمدعو ج. تالبوت باحتكار كامل لإنتاج التبغ وبيعه وتصديره لمدة خمسين عاماً.

في الوقت الذي كانت فيه صناعة التبغ الفارسية تستخدم أكثر من مئتي ألف شخص، بالتالي كان هذا الامتياز يمثل ضربة قوية للمزارعين الذين تعتمد سبل معيشتهم بشكل كبير على تجارة التبغ المربحة.

حيث كانت المقاطعات والاحتجاجات ضده واسعة الانتشار، وأخيراً وجد الشاه ناصر الدين نفسه عاجزاً عن وقف الحركة الشعبية وإلغاء الامتياز، فكان احتجاج التبغ أول مقاومة إيرانية كبيرة ضد الشاه والمصالح الأجنبية؛ كشف عن قوة الشعب وتأثير علماء الدين بين أفراده.

الثورة الدستورية الفارسية

استمر الاستياء المتزايد حتى الثورة الدستورية التي حصلت بين عامي 1905 و1911، حيث أدت تلك الثورة إلى إنشاء برلمان والموافقة على الدستور الأول، وعلى الرغم من نجاح الثورة الدستورية في إضعاف الحكم الاستبدادي لنظام الشاه إلا أنها فشلت في توفير حكومة بديلة قوية.

وكنتيجة لذلك وفي غضون العقود التي تلت إنشاء البرلمان الجديد وقع عدد من الأحداث الخطيرة، يمكن النظر إلى العديد منها على أنها استمرار للنضال بين الدستوريين وشاه بلاد فارس، مع التدخل الخارجي في الشؤون الإيرانية.

ايران في عصر الشاه رضا

أدى انعدام الأمن والفوضى بعد الثورة الدستورية إلى ظهور الجنرال رضا شاه قائد لواء النخبة الفارسي الذي استولى على السلطة في انقلاب شهر شباط/ فبراير عام 1921، حيث أسس الملكية الدستورية وأزاح حاكم القاجار شاه من السلطة في عام 1925.

وأدخل العديد من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خلال فترة حكمه، وأدى عدد من هذه الإصلاحات إلى السخط العام الذي وفّر الظروف للثورة الإيرانية، فقام الشاه رضا باعتماد القوانين الأوروبية مكان الشريعة الإسلامية.

فمثلاً منع الملابس الإسلامية التقليدية، لدرجة تدخل الشرطة ضد النساء اللواتي قاومن حظر الحجاب، وفي عام 1935 قتل العشرات وجرح المئات في تمرد مسجد غوهارشاد على هذه الإجراءات التعسفية.

من ناحية أخرى وفي فترة مبكرة من حكم رضا شاه أسس رجل الدين عبد الكريم حريري يزدي؛ مدرسة دينية في مدينة قم (مدرسة قم) حيث لم يتدخل في السياسية وتبعه في ذلك رجال دين آخرين.

ورغم ذلك لم يتم تنظيم احتجاجات مناهضة للحكومة من قبل رجال الدين خلال حكم رضا شاه، ونذكر أن آية الله الخميني (قائد الثورة الإيرانية) كان طالباً عند الشيخ عبد الكريم حائري في تلك الفترة.

شركة النفط الأنجلو إيرانية

منذ عام 1901 كانت شركة النفط الأنجلو- فارسية (التي أعيدت تسميتها إلى شركة النفط الأنجلو- إيرانية في عام 1931)؛ شركة نفط بريطانية تحتكر بيع النفط الإيراني وإنتاجه، وكانت الشركة البريطانية الأكثر ربحية في العالم.

في حين أن معظم الإيرانيين كانوا يعيشون في فقر بينما كانت الثروة المتولدة من النفط الإيراني تلعب دوراً حاسماً في الحفاظ على موقع بريطانيا العالمي، وفي عام 1951 تعهد رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق بإلغاء الشركة من إيران واستعادة احتياطيات النفط وتحرير إيران من القوى الأجنبية.

حيث قام محمد مصدق بتأميم شركة النفط الأنجلو- إيرانية وأصبح بطلاً قومياً في إيران، لكن البريطانيين كانوا غاضبين واتهموه بالسرقة، وطالبوا بمعاقبته ومحاكمته وطالبوا الأمم المتحدة بإرسال سفن حربية إلى الخليج الفارسي وفرضوا أخيراً حظراً على إيران.

لم يتأثر محمد مصدق بهذا الحصار، ثم حصل انقلاب ضده أخرجه من السلطة في عام 1953، حين كان يحكم الشاه محمد رضا بهلوي - ابن رضا شاه. وكان الشاه الابن على علاقة وثيقة مع الحكومة الأمريكية، إذ أن كلتا الدولتين (إيران والولايات المتحدة الأمريكية) تتقاسمان معارضة توسع الاتحاد السوفيتي الجارة الشمالية القوية لإيران، وكان شاه إيران مستبداً يركز على تقليد الغرب ويتجاهل التقاليد.

الثورة البيضاء في إيران

الثورة البيضاء كانت سلسلة بعيدة المدى من الإصلاحات في إيران أطلقها في عام 1963 الشاه محمد رضا بهلوي واستمرت حتى عام 1978، حيث تم بناء برنامج الإصلاح لإضعاف تلك الطبقات التي تدعم النظام التقليدي.

وشملت ثورة الشاه عدة عناصر منها:

  1. الإصلاح الزراعي، حيث تم تخصيص جزءٍ من مبيعات بعض المصانع المملوكة للدولة لتمويل الإصلاح الزراعي.
  2. كما دعم حق المرأة في التصويت.
  3. أمّم الغابات والمراعي.
  4. شكّل هيئة محو الأمية.
  5. وضع خططاً لتقاسم الأرباح للعاملين في الصناعة.

وكانت هذه الثورة البيضاء بهدف التقرب من الغرب أكثر والتخلص من نفوذ الملَّاك وخلق قاعدة جديدة من الدعم بين الفلاحين والطبقة العاملة، لكن هذه الثورة أدت إلى توترات اجتماعية جديدة ساعدت في خلق العديد من المشاكل التي كان الشاه يحاول تجنبها.

حيث أدت الإصلاحات التي قام بها الشاه إلى مضاعفة الحجم الإجمالي للفئتين اللتين شكلتا أكبر التحديات التي واجهتها الملكية في الماضي - أي المثقفين والطبقة العاملة (الموظفين في المدن والفلاحين في الأرياف) - أكثر من أربعة أضعاف.

كما ازداد استياؤهم من الشاه منذ أن تم تجريدهم من المنظمات التي مثلتهم في الماضي، مثل الأحزاب السياسية والجمعيات المهنية والنقابات والصحف المستقلة. وأدى إصلاح الأراضي بدلاً من تحريك الفلاحين مع الحكومة إلى إنتاج أعداد كبيرة من المزارعين المستقلين والعمال المعدمين الذين أصبحوا قوة سياسية لا تحمل الولاء للشاه.

وقد شعر العديد من الجماهير بالاستياء إزاء الحكومة الفاسدة على نحو متزايد؛ في حين كان ولاءهم لرجال الدين؛ الذين يُنظر إليهم على أنهم أكثر اهتماماً بمصير السكان ظلَّ ثابتاً وتزايد عند أفراد الشعب.

صعود آية الله الخميني

وقد جاء زعيم ما بعد الثورة - رجل الدين آية الله روح الله الخميني - لأول مرة إلى مكانة سياسية في عام 1963 عندما قاد المعارضة للشاه وثورته البيضاء، فاعتُقل الخميني في عام 1963، وبعد ثلاثة أيام من أعمال الشغب الرئيسية في جميع أنحاء إيران أطلق سراح الخميني ووضع ثمانية أشهر تحت الإقامة الجبرية.

واستمر في التحريض على الشاه وأدان التعاون الإيراني الوثيق مع إسرائيل وتمديد الحصانة الدبلوماسية لموظفي الحكومة الأمريكية في إيران. وفي شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1964 أُعيد اعتقال الخميني وأُرسل إلى المنفى في النجف في العراق ثم إلى فرنسا حيث ظل لمدة 15 عاماً حتى نجاح الثورة.

إيديولوجية الثورة الإيرانية

في هذه الفترة الانتقالية من "الهدوء الساخط" بدأت النهضة الإيرانية الناشئة تقوض فكرة الغرب باعتبارها تقدماً كما كان أساس حكم الشاه العلماني، كما بدأت بتشكيل أيديولوجية ثورة 1979، وبشر الخميني بأن الثورة - وخاصة الاستشهاد - ضد الظلم والاستبداد جزءٌ من الدين.

وأن المسلمين يجب أن يرفضوا تأثير الرأسمالية الليبرالية والشيوعية على حد سواء، ورفعوا شعار الثورة "لا الشرق ولا الغرب - الجمهورية الإسلامية! ". وبعيداً عن الرأي العام وضع الخميني عقيدة ولاية الفقيه لحكم إيران.

حيث الحكم ممثلين عن الشعب ورجال الدين، وهذه العقيدة (ولاية الفقيه) تحمي الإسلام من الانحراف عن الشريعة وتقضي على الفقر والظلم و"نهب" الأرض الإسلامية من قبل الأجانب غير المؤمنين.

جماعات المعارضة والمنظمات

شملت جماعات المعارضة الأخرى الليبراليين الدستوريين، حركة الحرية الإسلامية الديمقراطية والإصلاحية في إيران برئاسة مهدي بازرجان، والجبهة الوطنية العلمانية، كانوا يقيمون في الطبقة الوسطى الحضرية.

وأرادوا من الشاه الالتزام بالدستور الإيراني لعام 1906 بدلاً من أن تحل محله الثيوقراطية (الحكم على أساس الدين)، لكنه افتقر إلى تماسك وتنظيم أتباع ومؤيدي الخميني.

الذي عمل على توحيد هذه المعارضة خلفه (باستثناء الماركسيين الملحدين غير المرغوب فيهم على حد وصف الخميني) والتركيز على المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لحكومة الشاه (مثل الفساد وعدم المساواة في الدخل والتنمية).

3

أحداث الثورة الإيرانية

أحيا نظام الشاه الإيراني الذكرى السنوية رقم 2500 لتأسيس الإمبراطورية الفارسية في بيرسبوليس في عام 1977، واتخذ الشاه قراراً بتغيير السنة الأولى للتقويم الإيراني الشمسي من الهجري إلى تاريخ صعود سايروس الكبير إلى العرش، وبذلك.. "قفزت إيران بين عشية وضحاها من السنة الهجرية 1355 إلى العام الملكي 2535" الأمر الذي أغضب المسلمين.

منح العفو لسجناء سياسيين استجابةً للمطالب الأمريكية

في عام 1977 استجاب الشاه إلى مطالب الرئيس الأمريكي جيمي كارتر حول أهمية الحقوق السياسية من خلال منح العفو لبعض السجناء والسماح للصليب الأحمر بزيارة السجون، وطالبت المعارضة عام 1977 الشاه بإنهاء الرقابة وإفساح المجال أمام حرية التعبير.

مقتل علي شريعتي يؤجج العداء للشاه

اجتمعت جمعية الكتاب الإيرانية بقيادة سعيد سولتانبور في معهد جوته (المركز الثقافي الألماني) في العاصمة الإيرانية طهران لقراءة الشعر المناهض للحكومة، وبعد مقتل علي شريعتي في المملكة المتحدة في عام 1977 حدثت مظاهرات في الشوارع نتيجة اتهام الشاه بتدبير الاغتيال.

كما تسببت وفاة مصطفى الخميني الغامضة - وهو كبير مساعدي الابن الأكبر لروح الله الخميني - في الثالث والعشرين من شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1977 بموجة احتجاجات نتيجة اتهام الشاه باغتياله.

تطور أحداث الثورة الإيرانية

في السابع من شهر كانون الثاني/ يناير عام 1978 ظهرت مقالة بعنوان "الاستعمار الإيراني والأحمر والأسود" في صحيفة إطلاعات اليومية الوطنية كتبت تحت اسم مستعار من قبل وكيل حكومي، ندد الخميني بالمقالة حيث اتُّهم بأنه "وكيل بريطاني" و "شاعر هندي مجنون" يتآمر لبيع إيران إلى المستعمرين الجدد والشيوعيين.

وبعد نشر المقال غضب طلاب المدارس الدينية في مدينة قم من إهانة الخميني، واشتبكوا مع الشرطة، ووفقاً للحكومة قُتل طالبان في الاشتباك بينما قُتل سبعون طالباً وأصيب أكثر من خمسمائة شخص وفقاً للمعارضة، ومع ذلك فإن أرقام الإصابات تختلف في مصادر أخرى.

توطيد المعارضة

بعد أربعين يوماً من وفاة الطلاب ضغطت المعارضة على المساجد ورجال الدين المعتدلين لإحياء ذكرى وفاة الطلاب، واستغلوا الفرصة لتوليد الاحتجاجات، التي تحولت إلى حركة احتجاجية منسقة ومنظمة.

إذ قامت مظاهرات في مختلف المدن الإيرانية في الثامن عشر من شهر شباط/ فبراير عام 1978 وكان أكبرها في تبريز حيث تحولت إلى أعمال شغب واسعة النطاق أسفرت عن إشعال النيران بدور السينما والحانات والبنوك المملوكة للدولة ومراكز الشرطة.

وتم نشر وحدات من الجيش الإمبراطوري الإيراني في المدينة لاستعادة النظام، وبلغ عدد القتلى وفقاً للحكومة ستة أشخاص، في حين أن المعارضة قالت إن عدد القتلى وصل إلى المئات، وبعد مرور أربعين يوماً على هذه الأحداث أي في التاسع والعشرين من شهر آذار/ مارس عام 1978 نُظمت مظاهرات في خمس وخمسين مدينة على الأقل بما في ذلك العاصمة الإيرانية طهران.

تكررت هذه المظاهرات بعد أربعين يوماً أي في العاشر من شهر أيار/ مايو عام 1978، وخلال المظاهرات أطلق الجيش النار على منزل رجل الدين الإيراني آية الله شريعتمداري، مما أسفر عن مقتل أحد تلاميذه، فأصدر شريعتمداري إعلاناً عاماً أعلن فيه تأييده لـ "حكومة دستورية" والعودة إلى سياسات دستور 1906.

رد فعل الحكومة

قرر الشاه الاستمرار في خطته لإخلاء الشوارع من المتظاهرين، وقرر التفاوض بدلاً من استخدام القوة ضد حركة الاحتجاج حديثة العهد، كما وعد بإجراء انتخابات ديمقراطية كاملة للبرلمان في عام 1979.

تم تخفيف الرقابة، وتم وضع قرار للمساعدة على الحد من الفساد داخل الأسرة المالكة والحكومة، وحوكم المحتجون في محاكم مدنية بدلاً من المحاكم العسكرية، وسرعان ما أطلق سراحهم.

الشاه يعلن الأحكام العرفية

وفي منتصف ليل الثامن من شهر أيلول/ سبتمبر عام 1978 أعلن الشاه الأحكام العرفية في طهران وإحدى عشرة مدينة رئيسية أخرى في جميع أنحاء البلد، وتم حظر جميع مظاهرات الشوارع، كما تم فرض حظر التجوال ليلاً.

ونفذ أوامر الشاه قائد القانون العرفي في طهران الجنرال غلام علي العفيسي الذي كان معروفاً بشدته ضد المعارضين، ومع ذلك أوضح الشاه أنه بمجرد رفع الأحكام العرفية كان ينوي الاستمرار في قمع التظاهر.

كما احتفظ بالحكومة المدنية في شريف إمامي على أمل منع المحتجين من الخروج إلى الشوارع، لكن المظاهرات استمرت ولم تتوقف، حيث أسفرت أحداث (الجمعة السوداء) عن مقتل أربعة وستين شخصاً، فردت المعارضة على ذلك برفض المفاوضات مع الشاه.

الإضرابات على الصعيد الوطني

أضرب سبعمئة عامل في مصفاة النفط في التاسع من شهر أيلول/ سبتمبر عام 1978، وبعد يومين حدث الشيء ذاته في مصافي النفط في خمس مدن أخرى، وفي الثالث عشر من شهر أيلول/ سبتمبر عام 1978 قام عمال الحكومة المركزية في طهران بإضراب متزامن.

وبحلول أواخر شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1978 تم الإعلان عن إضراب عام في جميع أنحاء البلاد، حيث كان العمال في جميع الصناعات الرئيسية تقريباً يُسرحون من وظائفهم، وأنشئت "لجان إضراب" خاصة في جميع الصناعات الرئيسية لتنظيم وتنسيق الإضرابات.

انتقال الخميني إلى الغرب

على أمل كسر اتصالات الخميني مع المعارضة ضغط الشاه على الحكومة العراقية لطرده من النجف، حيث غادر الخميني العراق إلى العاصمة الفرنسية باريس، وكان الشاه يأمل أن ينقطع الخميني عن مساجد النجف وأن ينقطع عن حركة الاحتجاج، لكن على العكس زاد التواصل بين الخميني وأنصاره في الداخل الإيراني بتطور الاتصالات في فرنسا بالمقارنة مع العراق.

وفي شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1978 توجه زعيم الجبهة الوطنية العلمانية (من معارضي الشاه)؛ كريم السنجابي إلى باريس للقاء الخميني، ووقع الجانبان اتفاقاً لمشروع دستور "إسلامي وديمقراطي".

وأشار إلى التحالف الرسمي بين رجال الدين والمعارضة العلمانية، ووضع الخميني شخصيات علمانية (مثل صادق قطب زادة وإبراهيم يزدي) كناطقين باسم المعارضة الإيرانية، ولم يتحدثوا إلى وسائل الإعلام عن النوايا لإنشاء الثيوقراطية (حكم الدين).

استمرار الصراع

استمرت المظاهرات في الشوارع بكامل طاقتها مع تراجع استجابة الجيش للحكومة؛ وبحلول أواخر شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1978 سيطر الطلاب المتظاهرون على جامعة طهران.

وأصبحت المعارضة تزداد تسليحاً وبدأ إطلاق النار على الجنود ومهاجمة البنوك والمباني الحكومية في محاولة لزعزعة استقرار البلاد، وفي الخامس من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1978 وكانت المظاهرات في جامعة طهران دامية بعد اندلاع قتال مع الجنود.

وفي غضون ساعات اندلعت أعمال شغب واسعة النطاق في طهران سيطر خلالها المتظاهرون على دور السينما والمتاجر، فضلاً عن المباني الحكومية والشرطة، التي تم نهبها وحرقها كما حرقت السفارتان البريطانية والأمريكية في طهران.

تعيين حكومة عسكرية

وفي السادس من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1978، تم تعيين حكومة عسكرية برئاسة الجنرال غلام رضا أزهري، حيث أعلنت قانوناً عسكرياً في مقاطعة خوزستان (المقاطعة الرئيسية المنتجة للنفط في إيران) ونشرت قواتها في منشآتها النفطية.

كما تم استخدام أفراد البحرية في صناعة النفط، وتراجعت المظاهرات في الشوارع، بدأ إنتاج النفط يتزايد مرة أخرى حتى وصل إلى مستويات ما قبل الثورة، كما قامت السلطات الإيرانية باعتقال كريم السنجابي - الذي زار الخميني في باريس - لدى عودته إلى إيران.

فأدان الخميني الحكومة العسكرية ودعا إلى استمرار الاحتجاجات، وفي الثاني من شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 1978 بدأت الاحتجاجات، حيث خرج المتظاهرون ليلاً متحدّين حظر التجوال، وطالبوا بتنحي الشاه محمد رضا بهلوي عن السلطة وأن يعيد "آية الله العظمى روح الله الخميني" من المنفى.

وفي الثامن من شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 1978 ألغى الشاه الحظر المفروض على مظاهرات الشوارع، فأصدرت الحكومة تصاريح للمسيرات، وأبعدت قوات الجيش عن المظاهرات في المقابل تعهد شريعتمداري بالتأكد من أنه لن يكون هناك عنف أثناء المظاهرات.

موقف الجيش من الثورة

أصيبت القيادة العسكرية بالشلل على نحو متزايد، وأصيب الجنود بضعف المعنويات، حيث اضطروا إلى مواجهة المتظاهرين في حين منعوا من استخدام أسلحتهم الخاصة (وأدانهم الشاه إن فعلوا)، ودعا الخميني جنود القوات المسلحة للانضمام إلى المعارضة.

حيث أعطى الثوار الزهور والملابس المدنية إلى الهاربين من الجيش، في حين هددوا بالقصاص لأولئك الذين بقوا، وفي الحادي عشر من شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 1978 قتلت قوات الثورة عشرة جنود في ثكنات لافيزان في طهران.

وخوفاً من مزيد من التمرد أعيد العديد من الجنود إلى ثكناتهم، وتم التخلي عن مشهد (ثاني أكبر مدينة في إيران) إلى المتظاهرين، كما سطر المتظاهرون بشكل فعلي على العديد من مدن المقاطعات، وفي الثامن والعشرين من شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 1978 عيّن الشاه؛ شهبور بختيار رئيساً للوزراء.

وفي السادس عشر من شهر كانون الثاني/ يناير عام 1979 غادر الشاه وعائلته طهران وتولى مجلس الوزراء مهامه الملكية، وبعد ثلاثة أشهر من مغادرته حصل استفتاء شعبي يقرر ما إذا كانت إيران ستبقى ملكية أو أن تصبح جمهورية فقرر الشعب النظام الجمهوري، وفي السادس عشر من شهر كانون الثاني/ يناير عام 1979 غادر أقرباء الشاه المتبقين إلى مصر ولم يعودوا أبداً.

إيران بعد رحيل الشاه

قام رئيس الوزراء شهبور بختيار بإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين وأمر الجيش بالسماح بالمظاهرات الجماهيرية، كما وعد بإجراء انتخابات حرة ودعا الثوار إلى حكومة "الوحدة الوطنية"، وفي الأول من شهر شباط/ فبراير عام 1979 عاد الخميني إلى طهران في طائرة الخطوط الجوية الفرنسية (بوينغ 747).

حيث دعا المتظاهرين إلى احتلال الشوارع في جميع أنحاء البلاد، وفي التاسع من شهر شباط/ فبراير عام 1979 اندلع تمرد للفنيين في القوات الجوية المؤيدين للخميني في قاعدة دوشان الجوية، حيث حاولت وحدة من الحرس الموالي للحكومة القبض على المتمردين.

اندلعت معركة مسلحة، وتجمعت حشود كبيرة في الشوارع القريبة وتم بناء المتاريس لدعم المتمردين، في حين انضم المقاتلون الماركسيون إلى المقاتلين من أنصار الخميني، حيث هاجم المتمردون مصنع أسلحة واستولوا على ما يقرب من 50 ألف بندقية رشاشة وزعوها على المدنيين الذين انضموا إلى القتال.

وبدأ اقتحام مراكز الشرطة والقواعد العسكرية في جميع أنحاء طهران، حيث قرر الجنرال مهدي رحيمي قائد الأحكام العرفية في المدينة عدم استخدام ثلاثين ألف من الحراس (الخالدين الموالين للملكية) لسحق التمرد خوفاً من وقوع خسائر في صفوف المدنيين.

ثم استقالت الحكومة في الحادي عشر من شهر شباط/ فبراير عام 1979، وأعلن الجيش الوقوف على الحياد وهو ما اعتبر يوم نصر الثورة الإيرانية، و11 شباط/ فبراير هو يوم عطلة رسمية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ ذلك التاريخ.

في الختام.. نجح الإيرانيون في القضاء على نظام الشاه وإعلان النظام الجمهوري، ليصبح اسمها "الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، وبعد ذلك بعام اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في عام 1980 فيما عُرف باسم حرب الخليج الأولى، وساءت علاقات إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية لتصبح إيران ما بعد الثورة لا تشبه إيران ما قبلها.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر