آثار استخدام الوسائل التكنولوجية على الأطفال

أطفالنا وثورة المعلومات، بين فوائد التطور ومضار الإدمان

الكاتب:
تاريخ النشر: 20/05/2016
آخر تحديث: 30/10/2016
ما مدى تأثر الأطفال باستخدام الوسائل التكنولوجية؟ وما هي الآثار المحتملة لاستخداماتها عليهم؟

هناك علاقة طردية بين التقدم في المنجزات التكنولوجية من جهة وزيادة الوقت الذي يقضيه أطفالنا في استخدام وسائلها من جهة أخرى، ويعود هذا لأسباب تتعلق بالجاذبية التي تتميز بها هذه الوسائل التكنولوجية بالنسبة لأطفالنا من ناحية، ومن ناحية أخرى إلى الطريقة التي يتعامل فيها الوالدين مع أطفالهم، فبعض الأهل مثلا يريدون التخلص من إزعاج أطفالهم فيلجؤن إلى إشغالهم في مشاهدة برامج التلفزيون أو ألعاب الفيديو وهم في هذا؛ يرمون بهم دون أن يعرفوا في أحضان هذه التكنولوجيا غير مدركين لما قد تحتوي عليه من مخاطر وأثار على تربيتهم وتنشئتهم وسلوكياتهم.

قبل نهاية القرن العشرين كانت العوامل التي تؤثر في تنشئة وتربية أطفالنا محددة معروفة وواضحة؛ منها الأسرة و المدرسة أو الأصدقاء والمجتمع عموما. ولكن مع بداية القرن الجديد والتطور التكنولوجي الهائل والمتسارع ظهرت عوامل جديدة تتميز بقوة تأثيرها مثل: التلفزيون والهواتف الذكية والانترنت ووسائل الاتصال والتواصل المتعددة وألعاب الفيديو، فأصبحت هذه الوسائل بمثابة معلمين جدد ينشأ معها أطفالنا، ومن الواضح أن هذا التطور المفاجئ المتسارع والمستمر أحدث فجوة زمنية كبيرة بين الطريقة التي تربينا عليها والطريقة التي يتربى عليها أولادنا، فالحقيقة أن طفل اليوم ينهل من هذه التكنولوجيا بكل ما تحتويه من سلبيات وإيجابيات.

لماذا ينجذب الأطفال إلى استخدام التقنيات الحديث؟

  • عند العمل على تصميم أي برنامج أو منتج تكنولوجي حديث فإن الاعتبار الأول يعطى في هذه المرحلة لعناصر الجاذبية ولفت الانتباه إلى هذا المنتج، والهدف من ذلك تسهيل عملية تسويقه وتشجيع المستهلك على تجريبه، فعند تصميم لعبة حديثة للأطفال؛ نرى أن المصممين يقومون بالعديد من الدراسات لاكتشاف أفضل الألوان والمؤثرات الصوتية وأكثرها جاذبية بالنسبة للمرحلة العمرية التي تصمم لها هذه اللعبة.
  • يلجأ بعض الأطفال لاستخدام الوسائل التكنولوجية بدافع التسلية، فبعض الأهالي يمنعون أولادهم من الذهاب للعب خارج المنزل وهم في هذا يشجعون الأطفال على ملئ وقت فراغهم باستخدام هذه الوسائل.
  • وسائل التكنولوجيا سهلة الاستخدام ويجد فيها الطفل ما يتناسب مع أفكاره ورغباته وخياله وبالتالي يؤدي هذا لاندماجه فيها واستمتاعه في ما تقدمه من برامج وألعاب.
  • بعض الأطفال لديهم وقت فراغ كبير ولا يجدون ما يفعلونه خلال يومهم ويشعرون بالملل، فلا يجدون طريقة للتسلية إلا وسائل التكنولوجيا المتعددة كألعاب الفيديو والانترنت أو التلفزيون والهواتف الذكية.

مخاطر وآثار إدمان الأطفال على الوسائل التكنولوجية الحديثة

لا تقتصر أثار إدمان الأطفال على استخدام وسائل التكنولوجيا فيجانب محدد من حياة الطفل، فهذه الآثار متعددة في أنواعها؛ منها المادي والاجتماعي كذلك النفسي والصحي والتعليمي والتربوي، لكن يمكننا تقسيم هذه المخاطر والآثار إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

أولا.الآثار الصحية لاستخدام الوسائل التكنولوجية على الطفل

  • في دراسة أمريكية (جاءت ضمن بيان يحدد مجموعة من التوصيات حول آثار الإدمان على مشاهدة التلفاز من قبل الأطفال والمراهقين و التي وضعته الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال)، تبين وجود علاقة بين إدمان الطفل على مشاهدة التلفزيون وإصابته بالبدانة وضعف في بعض عضلاته ومفاصله بسبب قلة الحركة، وهذا ينعكس على نشاطه ويسبب في كسله.
  • كما أن التحديق المركز والمستمر في شاشات التلفاز أو الهاتف أو الكمبيوتر؛ وما يصدر عن هذه الأجهزة من أضواء مختلفة وألوان كثيرة بمستويات متباينة بين المعتم والناصع، يؤدي لإرهاق العين وقصورها الوظيفي مع الزمن.
  •  إضافة لذلك فإن استخدام الأطفال للأدوات والأجهزة التي تحتوي على أزرار سواءً في الألعاب أو وسائل الدردشة يكون له أثار ضارة على أصابعه ومهاراته الحركية.
  • قد يؤدي الجلوس الطويل أمام شاشات التلفزيون أو الكمبيوتر إلى ضعف التركيز بشكل عام بالإضافة لخلق شخصية عصبية متوترة تشعر بالاكتئاب. (هذا ما يفسر كثرة الشرود عند بعض الأطفال أو التعرض لمشاكل واضطرابات النوم).

ثانيا.الآثار التربوية والتعليمية التي يتركها الاستخدام المفرط لوسائل التكنولوجيا على أطفالك

  • يعتبر تقصير الطفل في واجباته المدرسية بسبب رغبته في اللعب أو مشاهدة التلفزيون او استخدام الاطفال للانترنت من أكثر المشاكل التي تواجه الوالدين بعد التقدم التكنولوجي الهائل في السنوات الأخيرة.
  • بعض المشاهد العنيفة التي يراها الطفل في برامج التلفزيون أو الألعاب قد تلقى أعجابا لديه وبالتالي يسعى لتقليدها، وهذا يؤدي إلى نمو شخصية عنيفة وعدوانية لديه وربما خطرة في المستقبل عندما يكبر.
  • قد يتعلم الأطفال بعض القيم والأخلاقيات الخاطئة سواء من البرامج التلفزيونية التي لا تتناسب مع سنهم أو من مواقع الأنترنيت وبعض وسائل التواصل التي لا تخضع لأي رقابة في ما تعرضه على الأطفال والمراهقين وهذا ما أثبته دراسة أمريكية (الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال) في ولاية كاليفورنيا (أجريت في المدارس الثانوية) حول أثر وسائل الأعلام على معدل الإدمان على الكحول من قبل المراهقين.      
  • قد تصور بعض السلوكيات الخاطئة على أنها تصرفات بطولية تعجب الطفل وبالتالي قد يحاول تقليدها، فقد يخطط للسرقة بعد أن رأى شخصية تلفزيونية سارقة تتمتع بالذكاء والاحترام.
  • إن اعتماد الأطفال على التكنولوجيا الحديثة للقيام بواجباتهم المدرسة يضعف نمو مهاراتهم الذهنية، (مثل الاعتماد على الحاسبة الآلية للقيام ببعض العمليات الحسابية).
  • سهولة الوصول للمعلومة التي يريدها الطفل من خلال الإنترنيت مثلا يخلق لديه شخصية اتكالية لا تقدر أهمية العلم والدراسة والبحث.

ثالثا.الآثار الاجتماعية التي قد تتركها الوسائل التكنولوجية على حياة الطفل الاجتماعية

  • الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة كوسيلة تسلية من قبل الأطفال يقلل من الوقت الذي يقضيه الطفل باللعب مع الأطفال الآخرين؛ وبالتالي ضعف قدرته على تكوين علاقات الصداقة والمشاركة.
  • إدمان الطفل على ألعاب الفيديو أو مشاهدة التلفاز يقلل الوقت الذي يقضيه طفلك مع الأسرة، وبالتالي يؤدي هذا لضعف الروابط الأسرية مستقبلاً. (هذا يفسر حالات التفكك لدى بعض الأسر التي يرتفع لديها معدل استخدام التكنولوجيا).
  • العزلة الاجتماعية وعدم الرغبة بالاختلاط مع الآخرين، فالطفل يجد متعة أكبر في قضاء وقته مع كمبيوتره وألعابه فهو يملك مستوى أعلى من السيطرة على هذه الأجهزة وخيارات أوسع في نوع التسلية التي يريدها.

كيف يمكن أن تستفيد من التقدم التكنولوجي في تربية طفلك؟

مع كل ما ذكر لا يمكن إغفال فوائد التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في تطوير مهارات طفلك وتوسيع مداركه ومعارفه إذا ما استطعت توجيه استخدامه لها والتحكم بمحتوى ما تقدمه له من برامج وألعاب وتقنيات، فعن طريق هذه التقنيات:

  • يتعلم طفلك كيف يبحث عن المعلومات التي يريدها بنفسه دون أن يحتاج لمساعدة أحد. (فكل ما يحتاج معلومة جديدة حول أي شيء يمكنه إيجادها بسهولة عبر شبكة الانترنت).
  • كما يمكنك توسيع معارف وثقافة طفلك عن طريق بعض الألعاب التي تعتمد على فكرة الأسئلة والأجوبة للانتقال بين مراحلها المختلفة و إلى مستويات أعلى من خلال  الإجابة على تلك الأسئلة. (كالبرنامج التلفزيوني من سيربح المليون الذي أصبح على شكل تطبيق صالح للكمبيوترات أو الهواتف الذكية).
  • وهناك بعض ألعاب وبرامج الألغاز التي تساعد في تنمية مهارات التفكير المنهجي والتخطيط وحساب الاحتمالات وحل المشكلات لدى الأطفال مثل: (لعبة التومبرايدر المعروفة التبي تعتمد على حل الألغاز المصورة في بعض الحضارات القديمة كالحضارة الفرعونية مثلا وهذه اللعبة تنمي مهارة التفكير والتخطيط عند الأطفال).
  • يمكنك توجيه طفلك ليتعلم استخدام برامج التصميم والرسم أو البرمجة.( مثل برامج تصميم المنازل أو الألعاب أو تعديل الصور الفوتوشوب).
  • يوجد برامج وألعاب أو فيديوهات يمكن أن تساعد الطفل على تعلم اللغة مثلاً. (مثل البرامج التي تحتوي على حروف أي لغة والكثير من الكلمات في استخدام هذه الحروف وطريقة لفظها وترجمتها).

فآثار التكنولوجيا لا تقتصر على سلبيات ومضار، وإنما تحتوي هذه الآثار على فوائد أيضا، ويعتمد أثر استخدامها  السلبي أو الإيجابي؛ على طريقة تعاملنا ككبار وتوجيهنا لأطفالنا إلى الطرق الصحيحة التي يمكن الاستفادة من خلالها من هذه التقنيات الحديثة.

الوقاية من إدمان الأطفال على استخدام الوسائل التكنولوجية

لا فائدة في منع طفلك من مشاهدة التلفزيون أو استخدام  الإنترنت أو ممارسة ألعاب الفيديو، فمن جهة أنت بهذه الحالة تمنعه من مواكبة التطور والحداثة، ومن جهة أخرى فإن استخدامه لهذه الأدوات أمر محتوم وأن لم يكن الآن ففي وقت لاحق. وإن لم يكن أمامك فسوف يلجأ لاستخدامها بالسر  والخفاء، فمن الأفضل أن توجه استخدامه لهذه الأجهزة وتراقب محتواها ويتم ذلك عن طريق:

  • حاول أن تملئ فراغ طفلك بأنشطة مفيدة له، مثل: ممارسة الرياضة أو الرسم أو اللعب مع أقرانه؛ فمن خلال هذا يتناقص الوقت الذي يقضيه طفلك أمام التلفزيون أو الكمبيوتر من جهة، ويمارس أنشطة صحية تعوض الكسل الناتج عن استخدامها من جهة أخرى.
  • يمكن أن تشجع طفلك على اللعب مع أصدقاءه في الحي أو المدرسة بهدف حفاظه على علاقاته ومهاراته الاجتماعية.
  • حاول أن تساعده في دروسه وواجباته المدرسية كي لا  يضطر للجوء إلى التقنيات الحديثة لإتمامها.
  • قم بتوجيه طفلك إلى المواقع والبرامج التي يمكنه أن يجد فيها المتعة والمعرفة معا.
  • نظم له أوقات ومواعيد محددة لمشاهدة برامج التلفزيون أو  ممارسة ألعاب الفيديو أو الدخول لشبكة الإنترنيت وعوده الالتزام بهذه الأوقات والمواعيد.
  • يجب على المؤسسات المعنية سن قوانين وأنظمة رقابية على المنتجات التكنولوجية؛ يراعى فيها ما يقدم للأطفال وخاصة في برامج التلفزيون ومواقع الإنترنيت الخاصة بالأطفال.
  • وضع سياسات تمنع الأطفال من الوصول لبعض البرامج والمواقع ذات المحتوى الذي لا يناسب سنهم.

مع الإشارة إلى ضرورة إعطاء تعلق وإدمان طفلك على استخدام وسائل التكنولوجيا ما يستحقه من أهمية ، لكن لا داعي للقلق فالحياة تتطور وطفلك سوف يعيش حياة مختلفة عن التي عشتها أنت؛ لذلك يجب أن تعطيه الفرصة مع بعض الحذر والرقابة لكي يجرب ويختبر ويتعلم من خلال هذه الوسائل، فهو يجب أن يتعرف على كل جديد، فبدلا من منعه.. الأفضل أن تكون معه بكل خطوة وحاول أن تكون صديقاً له يشجعه على التعلم ويبعده عن ارتكاب الأخطاء.

في النهاية.. تناولنا في هذه الدراسة حجم التقدم والتطور التكنولوجي في السنوات الأخير وما صاحب هذا التطور من آثار، إضافة لانعكاسها سلبا على صحة الأطفال وتعليمهم وتربيتهم كذلك علاقاتهم الاجتماعية من جهة، وكيف يمكن أن تنعكس إيجابا على توسيع معارفهم وتنمية مهاراتهم ومعلوماتهم من جهة أخرى، أخيراً وضحنا كيف يمكن للوالدين توجيه أطفالهم للطريقة الصحيحة في استخدام وسائل التكنولوجيا المتطورة.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر