أشهر شعراء الفصحى في السُّودان

تعرفوا على أجمل أبيات الشعر من السُّودان وأبرز شعراء الفصحى السُّودانيين
تاريخ النشر: 27/11/2017
آخر تحديث: 27/11/2017
شعراء سودانيين

"يَا أخي في الشَّرقِ، في كلِّ سَكن.... يا أخي في الأرضِ، في كلِّ وَطن.... أنا أدعوكَ فهَلْ تعرفُني؟ يا أخاً أعرِفُهُ رَغمَ المِحن.... إنَّني مزَّقتُ أكفانَ الدُّجى، إنَّني هدَّمتُ جُدرانَ الوَهنْ..." من أغاني أفريقيا للشَّاعر السُّوداني محمد الفيتوري

على الرغم من وقوع السُّودان في مهبِّ تيارات ثقافية مختلفة إلَّا أن الثقافة العربية والإسلامية هي المؤثر الأبرز في السُّودان الحديث.

ومن مظاهر الثقافة السُّودانية ما قدمه الشُّعراء السُّودانيون لديوان الشِّعر العربي من قصائد بديعة.

في هذه المادة سنتعرف معاً إلى نخبة من أبرز شعراء السُّودان في العصر الحديث، كما سنقرأ معاً مجموعة من أبيات الشِّعر السُّوداني بمواضيع مختلفة من فترات مختلفة.

1

الشَّاعر السُّوداني محمد عمر البنا

ولد محمد عمر البنا في مدينة رفاعة عام 1848 وتلقى تعليمه الديني فيها من خلال الكتَّاب وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، ثم التحق لفترة بالأزهر ليتعلم علوم اللُّغة والشَّريعة.

كان البنا من رموز الثَّورة المهديَّة نهاية القرن الثامن عشر، عمل مستشاراً للخليفة التعايشي وسخَّر بعض شِعره لخدمة الثَّورة.

أما عموم شِعره ففي مديح الرَّسول والصَّحابة، كان ينظم الشِّعر العامودي على طريقة الشُّعراء القدامى فيبدأ مغازلاً قبل أن يخوض في موضوعه.

توفي البنا عام 1919 في أم درمان وكان آخر منصب شغله مفتش للمحاكم الشرعية، لم يتم جمع شعره في ديوان خاص بل ذُكرت أبياته في بعض الكتب والدراسات.

كما يُعرف أحد أحياء أم درمان باسمه "عمارة البنا" لأنَّه وابنه عبد الله ساهما في إعماره.

شعر محمد عمر البنا

كما ذكرنا؛ يبدأ البنا قصائده بالغزل، ومنها قوله:

أبداً يُؤرِقني عَبيرُ شَذاكِ، ويَزيدني قَلقاً دَوام جَفاكِ

ويَردُّني مِن حَالة العُقلا إلى حَالِ الخبالِ تَذلُّلي وإباكِ

ويزيدُنا طَرباً وحُسنَ مسرَّةٍ بَرقٌ تألفَ مِن ضياءِ سَناكِ

يا ربَّة الحُسْنِ الذي فتنَ الوَرى، أكذا يَكونُ جَزاءُ مَن يَهواكِ

عذَّبتني بالصدِّ والهِجران ما ذَنبي سِوى أنّي أرومُ لقاكِ

كُفّى فقدْ نَزَلَ السَّلو بخاطِري عَني إليكَ فقَد تَركتُ هَواكِ

ومن أبيات محمد عمر البنا أيضاً:

دَعوني اجتَني ثَمرَ الرُّقادِ وخلُّوني أميلُ إلى الوِسادِ

ألَّا يا حَادي عِيسهمُ رُويداً سلمتَ مِن الملمَّاتِ العَوادي

ويا دَارَ الأحبَّةِ خبِّريني سَقتكِ هَوا مَع السُّحبِ الغَوادِي

متَى رَحلوا؟ وأينَ ثووا؟ وقاموا عَلى هَجري أمْ اقترَحوا وِدادِي

وليلٌ بتُّ فيهِ سَميرَ أُنسٍ قَريرَ العينِ مشروحَ الفُؤادِ

كأنَّ ضياءَ أنجُمِهِ عَلينا أيادي الشهمِ عُثمانِ الجَّوادِ

2

الشَّاعر السُّوداني مُدثِّر ابن الحجاز

ولد مدثر بن إبراهيم ابن الحجاز حوالي عام 1867 في مدينة بربر السُّودانية، نشأ نشأة دينية درس خلالها القرآن وأصول الدين على يد كبار المشايخ.

ثم انتقل إلى المدينة المنورة قاصداً السكن فيها رغبة بالبقاء قريباً من قبر النبي ﷺ ومواقع الحج.

كان مدثر بن إبراهيم ابن الحجاز مولعاً بالحج حتَّى قيل أنَّه حجَّ أكثر من ثلاثين مرَّة، كما أن له كتاب في المدائح النبوية يتضمن الآلاف من أبيات الشِّعر عنوانه "بهجة الأرواح بمناجاة الكريم الفتَّاح ومدح نبيِّهِ المصباح"

انضمَّ مدثِّر ابن الحجاز للثورة المهديَّة في السُّودان التي بدأت عام 1881 وأيَّد المهدي، حيث شهد فتح الخرطوم كما حمل ختم الخليفة.

توفي المدثِّر عام 1936، وكان لأبنائه من بعده شأن في السُّودان، أبرزهم الشيخ مجذوب الحجاز شيخ الطريقة التاجانية في السُّودان، والشيخ حسن مدثر الذي كان قاضي قضاة السُّودان.

شعر مدثر بن إبراهيم بن الحجاز

كان أغلب ما نظمه مدثِّر بن إبراهيم ابن الحجاز في الشعر الصوفي والمدائح، فطلب شفاعة النبيِّ محمدﷺ وناجى الله في العديد من الأبيات والقصائد، ومنها قوله:

نَعم إنْ أنتَ تَرحمُني نَجحت ونِلتُ المكرماتِ وإن أسَأتْ

فجُد لي يا حَليمُ فإنَّ ذَنبي تكاثَرَ وارحمني قُل منحت

فأنتَ المُستعانُ وأنتَ ذُخري، فهبّني حُسنَ رَفدِكَ قُل وَهبتْ

وقُل لي أنتَ والأصحاب جمعاً بمحضِ الفضلِ عَنكم قَد رضيتْ

رضيتُكُمُ وهبتُكُمُ ففوزوا وقرّوا عَيناً إنّي قدْ رَحمتْ

إلهي سَيدي إنّي أسيرُ بزلّاتي ومِنها قدْ ضَعفتْ

وإني قدْ رأيتكَ مَع ذُنوبي تمنُّ عليَّ حتَّى قد طَمعتْ

فبالإحسانِ فاغفرْ يا إلهي وجُد بهداية قُل لي فعلتْ

وجُد لي بالمراحِم والعَطايا وحِفظٍ مَع وصالكَ قُل وَصلتْ

وحبِّبني إليكَ وعُد بفيضٍ يفيضُ على الَّذي مِنكُم طَلبتْ

وفي مديح الرَّسول ﷺ يقول ابن الحجاز:

حَبيبُك خَتْمُ الأنبياءِ مُحمَّد حَميدُ الفِعالِ المُرتَضى صَاحِب الحُسنَى

وبحرُ العُلومُ المُجتَبى سَيدُ الوَرىَ وأرجَحُ كُلِّ الخَلقِ في قَدرِهِ وَزنا

ومِصباحُ أهلِ الله قُدوَتُهم إلى الكَمالاتِ مِن طِيبِ المآثِر قَد سَنى

عليهِ صَلاةٌ منكَ يا رَبّي مَا حَدا النِّياقَ لهُ حَادٍ بأوصافه غَنِّا

3

الشَّاعر السُّوداني الوزير محمد أحمد محجوب

ولد محمد أحمد محجوب في مدينة الدويم من ولاية النيل الأبيض عام 1908، وانتقل منها إلى الخرطوم للدراسة حيث تخرَّج من كلية غوردون التذكارية (جامعة الخرطوم حالياً) قسم الهندسة عام 1929.

كما نال إجازة في القانون عام 1938 ما أهله ليعمل في مجال القضاء حتَّى استقالته عام 1946.

دخل إلى عالم السياسة كعضو في الجمعية التشريعية عام 1947 واستقال منها لاحقاً، ثم تولى منصب وزير الخارجية مرتين عام 1957 وعام 1964.

كما تولى محمد أحمد محجوب منصب رئيس الوزراء عام 1967، كذلك في العام التالي إلى جانب مهام وزارة الخارجية.

شعر محمد أحمد محجوب

كان محجوب دبلوماسياً بارزاً، فقام بتأليف كتاب الديموقراطية في الميزان Democracy on Trial، كما شارك في كتاب موت دنيا مع عبد الحليم محمد، وله ديوان شعر بعنوان الفردوس المفقود.

ومن أشهر قصائد الشَّاعر السوداني محمد أحمد محجوب قصيدة ذكراكِ:

ذِكراكِ يَبعثهُا المساءُ البَاكي يا آيةَ الإبداعِ في دُنياكِ

مرَّت بِنا الأيَّام وهي فتيَّة ذكرى أمجِّدها عَن الإشراكِ

كنَّا صِغاراً يستفزُّ قلوبنا حُسنُ الطَّبيعةِ والنَّسيمِ الحَاكي

ونواضر الأزهارِ في تِلكَ الرُّبى وخرير جدولِها الأسيفِ الشَّاكي

وترنُّم القمري في أفنانِهِ وثغاةُ شَاةٍ أو صَغير بَاكي

ونرَى الجَمالَ تعدَّدتْ ألوانُهُ وتوحَّدتْ في طرفِكِ الفتَّاكِ

ونراكِ في طُهرِ الملاكِ وحُسنِهِ وبَساطَةِ الطِّفلِ الغَريرِ حَلاكِ

تمشينَ لا تَدرينَ صَبّاً هائماً يصبو إليكِ ولا يَنالُ لقاكِ

ويمضه الشَّوقُ المبرِح والجَوى ويظلُ يرصدُ في الزَّمانِ سناكِ

كما تُعتبر قصيدة الفردوس المفقود من روائع شِعر محمد أحمد محجوب:

نزلتُ شَطَّكِ، بَعدَ البينِ ولهانا؛ فذُقتُ فيكِ مِن التبريحِ ألوانا

وسِرتُ فيكِ، غَريباً ضَلَّ سَامرُهُ دَاراً وشَوقاً وأحباباً وإخوانا

فلا اللِّسانُ لسانُ العُرْبِ نَعرِفُهُ، ولا الزَّمانُ كما كُنَّا وما كَانَا!

ولا الخَمائلُ تُشْجينا بَلابِلُها ولا النَّخيلُ سَقاهُ الطَّلُّ، يَلقانا

ولا المساجِدُ يسعَى في مآذِنِها مَع العشيَّاتِ صَوتُ اللهِ رَيّانا

كَم فارسٍ فيكِ أوْفى المجدَ شَرعتَهُ وأورَدَ الخَيلَ ودياناً وشُطآنا

وشادَ للعُرْبِ أمجاداً مؤثّلةً دَانتْ لسطوتِهِ الدُّنيا ومَا دَانا

وهَلْهلَ الشِّعرَ زفزافاً مقَاطِعُهُ وفجَّرَ الرَّوضَ أطيافاً وألحانا

يَسعى إلى اللهِ في مِحرابِهِ ورِعاً وللجمالِ يَمدُّ الرُّوحَ قُربانا

لمَ يَبقَ منكِ سِوى ذَكرى تُؤرِّقُنا وغير دارِ هَوىً أصْغتْ لنجوانا

أكادُ أسمعُ فيها هَمسَ واجفةٍ مِن الرَّقيبِ، تَمنَّى طيبَ لُقيانا

اللهُ أكبرُ هذا الحُسنُ أعرِفُهُ ريَّان يَضحكُ أعطافاً وأجفانا

أثار فِيَّ شُجوناً، كنتُ أكتمُها عَفّاً وأذكرُ وادي النِّيل هَيْمانا

فللعيونِ جَمالٌ سِحرُهُ قدَرٌ وللقدودِ إباءٌ يفضحُ البَانا

فتلك دَعْدٌ، سوادُ الشَعْرِ كلَّلها أختي لقيتُكِ بَعْدَ الهجرِ أزْمانا

أختي لقيتُكِ، لكنْ أيْنَ سامُرنا في السالفاتِ؟ فهذا البعدُ أشقانا

أختي لقيتُ؛ ولكنْ ليس تَعْرِفُني فقد تباعدَ، بعد القُربِ حيَّانا

4

الشَّاعر السُّوداني التجاني يوسف بشير

على الرَّغم مِن حياته القصيرة تمكن التجاني يوسف بشير مِن تثبيت قدمه في عالم الشِّعر والشُّعراء، هو المولود عام 1910 في مدينة أم درمان والمتوفى عام 1936.

حوالي 25 سنة فقط عاشها التجاني في السُّودان استطاع خلالها أنْ يقدم عدداً من الإسهامات الشِّعرية والصحفية البارزة، ولم يتمكن من نشر ديوان له في حياته فاعتنى بذلك آخرون بعد وفاته ليصدر ديوانه الوحيد بعنوان "إشراقة".

شعر التجاني يوسف بشير

يتميز شعر التجاني بإحساسه العالي وعذوبة تعابيره والبعد التأملي في شِعره، هذا ما يبدو واضحاً في قصيدته عن النِّيل:

أَنتَ يَا نَيلُ يَا سَليلَ الفَرادِيس نَبيلٌ مُوَفَّق في مَسابكْ

ملءَ أَوفاِضك الجَلالُ فَمَرحى بِالجَلال المَفيض مِن أَنسابِكْ

حَضَنتكَ الأَملاكُ في جَنَّة الخُلدِ وَرقَّت عَلى وَضيء عَبابِكْ

وأَمدَّت عَلَيكَ أجنِحَةً خَضراءَ وأضفَتْ ثِيابَها في رِحابكْ

فَتَحدَّرتَ في الزَّمانِ وأفرَغَتَ عَلى الشَّرق جَنَّة مِنْ رِضابِكْ

بَينَ أَحضانِكَ العِراضِ وفي كَفيكَ تَاريخه وتَحتَ ثِيابِكْ

مخرَتكَ القُرونُ تَشمر عَن سَاق بَعيد الخطى قَوي السَّنابِكْ

يَتوثبنَ في الضِفافِ خِفافاً ثُمَ يَركُضنَ في مَمَر شِعابك

ومن شعر التجاني يوسف بشير:

يا دَمعَة في الوُجودِ حائِرَة تَموجُ في جِفنِهِ وَتَضطَرب

تَدنو مِن الشَّطِّ وهِيَ والِهة حَيرى وتَنأى مِن حَيث تَقتَرب

تَحدري في الزَّمانِ وانطَلِقي إِذا تَدَلَّى مِن كَرَمه العِنب

إِذا رأيتِ الرَّبيع يَحمله أَيار وأزيَنَت بِهِ الحِقَب

إِذا أفاقَ الأريجُ وانتَبهَت مَفاتِقُ العطرِ وازدَهى الأَدَب

ويا مَهيض الجَناح كَم أمَل تَبغي وكَم في السَّماءِ تَطلُب

تَود مَصر الزَّمانَ وهِيَ لَما يَأَمَل مِنها الشَّبابُ مَطلَب

وَأَنتَ يا قَلب أَي هاتِفَة تَهفو لِأَحلامِها وَتَرتَقِب

أَطرَقت حَتَّى صَغرتَ مِن أَلَم وَحِرت حَتّى ما لِلهُدى سَبَب

يَضج قَلب الحَياة مُنتَفِضاً عَلى حَنايا الوُجود إِذ تَجب

أفق مِن اليَأس أَن يَضيق بِما تَبقى جَمادى وَتَبخل الحِقَب

سَتَلتَقي بِالمُنى مُزَخرَفة أَفلتها في طَريقنا رَجَب

5

الشَّاعر السُّوداني إدريس محمَّد جمَّاع

ولد إدريس الجمَّاع في مدينة بحري في حلفايا الملوك عام 1922، وتلقَّى تعليمه الأوليَّ في المدينة، ثم أكمل تعليمه في مدينة أم درمان حتَّى انتقاله إلى كلية المعلمين ببخت الرضا.

في القاهرة حصل الجمَّاع على إجازة في اللغة العربية وآدابها من كلية دار العلوم عام 1951، ثم على دبلوم التربية من معهد التربية للمعلمين في العام التالي، وعاد إلى السُّودان ليعمل في التدريس بقية حياته.

شعر إدريس محمَّد جمَّاع

يُعتبر إدريس جمَّاع من شعراء السودان البارزين في زمانه، صدر له ديوان واحد بعنوان "لحظات باقية" إضافة إلى بعض الدراسات والمقالات التي كتبت عن شعره فيما بعد، ومن أكثر أبيات جمَّاع شهرةً قوله:

إنَّ حَظّي كدَقيقٍ فَوقَ شَوكٍ نَثروه

ثُمَّ قالوا لحُفاةٍ يَوم ريحٍ اجمعوه

صَعُبَ الأمرُ عَليهم ثُمَّ قالوا اتركُوه

إنَّ مَن أشقاهُ ربِّي كيفَ أنتم تُسعِدوه!

ويقول إدريس جمَّاع في المناضلين الجزائريين:

يهتَزُّ وقُعكَ في المشَاعِر، يا صَوتَ أحرارِ الجَزائرْ

لَحنٌ إذا مسَّ الشُّعور فكُلُّ مَن في الأرضِ شَاعِرْ

صوتٌ تجمَّعَ في انبعاثِ دويِّهِ صوتُ الضَّمائرْ

هُم والقوى وبصفِّكم كلُّ الجموعِ فمَن يُكاثِر

(...)

هيهات للمحتلِّ أن ينزاحَ إلَّا وهو صَاغِر

إنْ يقمَعوا فدويُّ لحنِكَ في القُلوبِ لَه قياثِر

وإذا تكاثفتِ الخُطوبُ فللخلاصِ هيَ البَشائر

إنَّ العُروبَة في العروقِ دَمٌ لهذا الخَطبِ فَائر

لان الحَديدُ، خَبا اللَّهيبُ أمامَ عزمِكِ فَهو قَاهِر

ما دام ملء الصَّدر إيمانٌ فما الطُّغيانُ قادِر

تَحريرِ أرضِكِ مِنهُ عندَكِ مِن مُقدَّسَةِ الشَّعائر

وفي تغنيه بوطنه السُّودان يقول الشَّاعر إدريس جمَّاع:

وطنٌ روحُهُ مِن معانٍ وضِياء، طُهرهُ كالسَّنَى أرسلَتهُ السَّماء

يدفعُ النَّاسَ نَحو العُلا والمَضاء، في طَريقِ الخُلودِ طَريقِ البِناء

رُوحُهُ اعتُصِرَت مِن شَذى، مِن سَناء، مِن بطولاتِ أمسٍ جَرَى في الدِّماء

صُحفٌ بالرُّجولَةِ فَاضتْ مَلاء، وأمانِي غَدٍ حَافلٍ بالنَّماء

مِن كَمالِ الإباء، ونُبلِ الوفاء، وجَمالِ الإخاء وحُبِّ الفِداء

وسموٍّ ولَكن بغيرِ انتهاءـ عُكسَتْ فيهِ إنسانيَّة الأنبياء

مُزِجَتْ فيه وانبثَقتْ كالضِّياء وطنٌ روحُهُ للتَّرقي حداء

وصِفاتُ العُلا مَنَحته النَّقاء وإذا المارقون كَفروا بالنَّقاء

ومَشوا يلبسونَ صَفحات الهِجاء؛ إنَّهم غَيره وهو مِنهم بَراء

6

ما زال للسُّودان أسطولٌ كبير من الشُّعراء...

في هذه الفقرة نقدم لكم مجموعة من القصائد لشعراء سودانيين من أبرز وأهم شعراء اللغة العربية، معظمهم رحلوا عن عالمنا حيث تركوا لنا إرثاً أدبياً مهماً.

لنبدأ مع شَاعر النشيد الوطني السوداني الشَّاعر أحمد محمد صالح وأبيات من قصيدته عيد الحريَّة:

يا شَاعرَ النِّيلِ لاحَ العيدُ وابتسما، فحيِّ غُرَّتهُ واستنهض الهِمما

واستوحِه من بناتِ الشِّعر أحلفها بكلِّ معنىً طريفٍ رقَّ وانسجما

أما ترَى الشَّعبَ قدْ ماجَتْ مواكِبُهُ وردَّد الحمدَ التَّكبيرَ والقَسما

هلْ رأيتَ هديرَ البَحرِ مصطخباً، وهل سمِعتَ زئير الأُسدِ محتدما؟!

إنَّا اتحدنا فكانَ النَّصرُ رائدنا، وكانَ حظُّ سوانا الذُّلَّ والرَّغما          

أغاني أفريقيا للشَّاعر السُّوداني محمَّد الفيتوري:

يَا أخي في الشَّرقِ، في كلِّ سَكن

يا أخي في الأرضِ، في كلِّ وَطن

أنا أدعوكَ فهَلْ تعرفُني؟ يا أخاً أعرِفُهُ رَغمَ المِحن

إنَّني مزَّقتُ أكفانَ الدُّجى، إنَّني هدَّمتُ جُدرانَ الوَهنْ

لَمْ أعُدْ مقبرةً تَحكي البَلى، لمْ أعُد سَاقيةً تَبكي الدِّمن

لم أعُد عبدَ قُيودي، لمْ أعُد عبَد ماضٍ هَرِم، عبدَ وَثن

أنا حيٌّ خَالدٌ رَغم الرَّدى، أنا حُرٌّ رَغم قُضبانِ الزَّمن

فاستمع لي، استمع لي إنَّما أذن الجيفة صمَّاء الأذن

إن نَكُن سِرنا عَلى الشَّوكِ سِنينا، ولَقينا مِن أذاهُ مَا لَقينا

إنْ نَكُن بِتنا عُراةً جَائعينا، أو نَكُن عِشنا حُفاةً بائسينا

إن تَكُن قدْ أوهَت الفأسُ قوانا، فَوقَفنا نتحدَّى السَّاقطينا

إن يَكُن سخَّرَنا جَلادُنا فبنينا لأمانِينا سُجونا

ورَفَعناهُ عَلى أعناقِنا ولثمْنا قَدَميهِ خَاشِعينا

وملأنا كأسَهُ مِن دَمنا فتَساقانا جراحاً وأنينَا

وجَعلنا حَجر القَصرِ رُؤوساً ونَقشناهُ جُفوناً وعُيونا

فلقَدْ ثُرنا عَلى أنفُسنا ومَحونا وَصمةَ الذِّلَّة فينا

الملايين أفاقتْ مِن كَراها، مَا تَراها مَلأ الأفق صَدَاها

خَرَجتْ تَبحثُ عَن تَارِيخها بَعدَ أنْ تَاهتْ عَلى الأرضِ وتَاهَا

حَملتْ فؤوسها وانحدَرتْ مِن رَوابيها وأغورِ قُراها

فانظرْ الإصرارَ في أعيُنِها وصَباح البَعثِ يجتاحُ الجِباهَا

يا أخي في كلِّ أرضٍ عَريت مِن ضِياها وتَغطَّتْ بدِماهَا

يا أخي في كُلِّ أرضٍ وَجمتْ شَفَتاها واكفهرَّت مُقلتاهَا

قُمْ تحرَّر مِن توابيتِ الأسَى... لَستَ أعجوبتها أو مُومياها

انطلق فوقَ ضُحاها ومَساها

يوميات رجل مقتول للشَّاعر السُّوداني محمد الفيتوري:

عَرباتُ الموتَى المذهَّبة الصَّفراء

تدوسُ على قَلبي المخضَوضِرِ، تَغرِسُ في حَوافِرها ذات الوَهجِ السَّوداء

والقتلَى يبتَهِلونَ بأوجُههِم يبكون، تصفِّقُ أيديهُم

يتحشرج فيهم شَيء، تهبطُ عَاصفةٌ، تَتساقَطُ فَوقَ مَراياهم رَمل الصَّحراء

"القاتل أنت"، "القاتل نحن"، "القاتل مَن؟"

لا تَرفعْ سَوطَكَ في وَجهي، سأشِيرُ إليك، سأرفعُ مِطرَقتي

كفي المدفونة تَحتَ ثَرى سِيناء

أتسمعني... سأشيرُ إليك، فأنتَ... وأنت

انزع هَذا الدِّرعَ الذَّهبيّ، اخلع هذا الوَجهَ الخشَبي

تحطَّم عصفاً كالتِّمثال، تجرَّد مِن وهجِ الأشياء

الآن أحدِّقُ في عَينيكَ... أنا المقتول

أعلقُ راياتِي المهزومَة فوقَ مَدائنَكَ الخَرساء!.

أغنية أغداً ألقاك للشَّاعر السُّوداني الهادي آدم:

أنتَ يا جنَّةَ حُبِّي واشتياقِي وجُنوني

أنتَ يا قِبلةَ روحي وانطِلاقي وشُجوني

أغداً تُشرق أضواؤكَ في لَيلِ عُيوني

آهٍ مِن فَرحةِ أحلامي ومِن خَوفِ ظُنوني

كمْ أناديكَ وفي لَحني حنينٌ ودُعاء...

آهِ رجائي أنا كمْ عذَبَني طولُ الرَجاء  

أنا لو لا أنتْ لمْ أحفلْ بمنْ راحَ وجَاء

أنا أحيا لغدِ آنَ بأحلامِ اللِقاء

فأتِ أو لا تَأتي أو فافعلْ بِقَلبي مَا تَشاء!

الشَّاعر تاج السِّرّ الحسن ومقطع من قصيدة آسيا وأفريقيا:

عِندما أعزفُ يا قَلبي الأناشِيدَ القَديمةْ

ويُطلُّ الفَجرُ في قَلبي عَلى أجنحِ غَيمةْ

سأغنِّي آخرَ المقطَع للأرضِ الحَميمةْ

للظِّلالِ الزُّرقِ في غَاباتِ كينيا والملايو

لرفاقي في البِلادِ الآسيويةْ، للملايو .. ولباندوق الفتيَّةْ

لليالي الفَرحِ الخَضراء في الصِّين الجَديدةْ

والتي أعزفُ في قلبي لَها ألفَ قَصيدةْ

يا صحابي... صَانعي المجد لشعبي

يا شُموعاً ضَوؤها الأخضر قلبي

يا صحابي... فأنا مَا زرتُ يَوماً إندونيسيا

أرض سوكارنو .. ولا شاهدتُ روسيا

غير أني والسَّنا في أرضِ أفريقيا الجَديدةْ

والدُّجى يَشربُ مِن ضَوءِ النجماتِ البَعيدةْ

الشَّاعرة السُّودانية روضة الحاج:

وتثقُلُ بَعدكَ الأيَّامُ خَطوا، ويثقِلُ كاهلي شَوقاً وشَوقا

أحِسُّ كأنَّ بَعضي قَدْ تَهاوى وأن القَلبَ بالأشجانِ شَقَّا

لقيتُكَ يا رَبيعَ العُمر عُمراً، وضِعتُ لكي أضلَّ أنا وأشقى

وملء العَين طيفكَ أو أتاني غَدوتُ بساحِل الأشواقِ غَرقَى

وملء السَّمعِ صَوتكَ لو غَشاني نَسيتٌ أجشَّ صَوتٍ أو أرقّا

وملء القلبِ أنت فويح عُمري، تُرى بَعد ارتحالِكَ كَيفَ أبقى!

وقبلك ما عَرفتُ الدَّمعَ شَوقاً وها أنا ذي بدمعِ الشَّوقِ أُسقَى

ختاماً... حاولنا أنَّ نجمع لكم أبرز الشُّعراء السُّودانيين وأجمل ما قيل من الشِّعر السوداني العربي الفصيح بما يعبِّرُ عن الهوية السُّودانية الخاصة في القصيدة العربية.

وننصحكم بزيارة قسم الشِّعر العربي في موقع بابونج للاطِّلاع على مواضيع مختلفة عن الشعر والأدب.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر