المساكن العشوائية، الواقع الحالي والأسباب

لماذا تنتشر الأحياء العشوائية حول المدن؟ وما الحل لهذه الظاهرة؟ وما هي آثارها الاجتماعية

الكاتب:
تاريخ النشر: 07/08/2016
آخر تحديث: 07/08/2016
تنتشر ظاهرة السكن العشوائي في بعض عواصم الدول العربية حتى اللحظة

عندما تعرض وسائل الإعلام تقاريرها عن المدن الكبرى في مختلف أماكن العالم، عادة ما تظهر الأبراج العملاقة والشوارع الواسعة والحدائق المنظمة لتظهر المدن بالشكل الأبهى حلة. لكن كما الجبال الجليدية التي تظهر قممها وتختفي معظم أجزائها، فالمدن غالباً ما تمتلك أجزاء مخفية ومهمشة على أطرافها.

هذه الأجزاء المهمشة هي مناطق السكن العشوائي، حيث سوء التنظيم ونقص الخدمات وفي بعض الحالات الأوبئة والأمراض حتى. في هذا المقال سنسعى لتسليط الضوء على هذه المشكلة القديمة-الجديدة والمنتشرة في عالمنا العربي بشكل كبير.

المساكن العشوائية هي مجموعة من المباني التي توفر السكن للعديد من الناس الفقراء حول العالم، وتقدم المأوى الأساسي لهم، وغالباً ما تكون مشيدة بمواد رديئة في البداية، بما في ذلك الأغطية البلاستيكية والحديد المموج والخشب والورق المقوى، هذه هي جميع المواد التي تتوفر إما بحرية كنفايات أو بثمن بخس.

والمساكن العشوائية غالبا ما تفتقر أيضا للصرف الصحي السليم، وإمدادات المياه والكهرباء أو الخدمات الهاتفية. والناس يعيشون هناك بشكل غير قانوني ولا يملكون الحق في البناء على تلك الأراضي.

ما هو السكن العشوائي؟

تعرف مناطق السكن العشوائي وفقاً للأمم المتحدة بأنها مناطق مدنية شديدة الازدحام بمعايير سكن ومعيشة أدنى من سواها، وتتراوح هذه المناطق من أبنية طابقية في بعض الأماكن وصولاً لمساكن مصنوعة من الصفيح وبالكاد تحجب الشمس والأمطار في أماكن أخرى، لكن الشيء الأساسي فيها هو الكثافة السكانية المرتفعة جداً وغياب الخدمات الأساسية والتخطيط المناسب فيها مع انتشار الفقر وفي بعض الأحيان سوء التغذية حتى.

ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، يعيش اليوم حوالي 800 مليون إنسان (حوالي 11% من عدد سكان العالم) في مناطق سكن عشوائي تفتقر للخدمات الأساسية مما يجعل مشكلة السكن العشوائي من أهم المشاكل التي يعاني منها عالمنا اليوم.

تاريخ السكن العشوائي

يُعتَقَدُ أن ظاهرة السكن العشوائي بدأت بالظهور كمشكلة حقيقية في القرن الثامن عشر، حيث يعتقد أن منطقة "النقاط الخمسة" التي تأسست في مدينة نيويورك الأمريكية عام 1825 هي أولى تجمعات السكن العشوائي الكبيرة وبعدها بدأت الظاهرة بالانتشار حول العالم لتشكل مشكلة كبيرة اليوم في الدول النامية ودول العالم الثالث مع استمرارها وإن بشكل أقل في الدول الكبرى.

واحدة من أولى الإشارات المباشرة للمشكلة كانت من الكاردينال وايزمان الذي قال واصفاً إحدى تجمعات السكن العشوائي في لندن عام 1850:

"قريباً تحت جادة وستمنستر، ترقد متاهات مغطاة من الأزقة والطرقات والمساكن العشوائية، مشكلة عشاً للجهل والرذيلة والجريمة والأمراض".

وبعد انتشارات متعددة للأمراض مثل الكوليرا أصبحت الأحياء العشوائية مصدر قلق كبير للسياسيين الأوروبيين خصوصاً في المملكة المتحدة وفرنسا ووصولاً للقرن العشرين تخلصت البلدان من معظم مناطقهما العشوائية مستبدلين إياها بسكن حكومي مناسب بشكل أفضل، لكن ما تزال بعض حالات الأحياء العشوائية موجودة فيهما وفي بعض البلدان المتقدمة فيما زاد انتشارها في أمريكا الوسطى والجنوبية والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا والهند.

أسباب ظاهرة السكن العشوائي

مع التنوع الموجود في طبيعة وموقع المناطق السكنية العشوائية حول العالم فهي تمتلك أسباباً أساسية، ورغم أن هذه الأسباب لا تنطبق على جميع هذه المناطق فكلها عائدة لعدة أسباب منها على الأقل. أهم هذه الأسباب هي:

  • الإقصاء الاجتماعي: وهو ممارسة تمييز اجتماعي ضد فئات معينة لأسباب طبقية أو عرقية أو دينية حيث أن الكثير من الأحياء الفقيرة بدأت كأحياء منفى (Ghetto) لليهود في أوروبا أو للأفارقة في أمريكا اللاتينية وحديثاً للعرب في فرنسا.
  • الصراعات الاجتماعية: فالحروب الأهلية والطائفية تلعب دوراً كبيراً في تهجير الأفراد مؤدية إلى نشوء مساكن عشوائية في أماكن متعددة. مثال ذلك ما حدث بين عامي 1975 و 1980 خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وكذلك السكن العشوائي حول مدينة كابول (عاصمة أفغانستان) بعد الغزو الأمريكي والصراع مع طالبان.
  • الفقر: كون الأحياء العشوائية قليلة الكلفة بشكل كبير مقابل البناء المنظم، فهي هدف للفقراء الذين لا يستطيعون تحمل نفقات السكن المنظم. وكلما ارتفعت معدلات الفقر ازداد انتشار السكن العشوائي، ويظهر ذلك بوضوح في أمريكا الوسطى والهند.
  • السياسة: أدى اعتماد السياسيين على أصوات سكان الأحياء العشوائية إلى العرقلة المستمرة لإزالة هذه الأحياء خوفاً من خسارة الأصوات التي يحتاجونها. وهذا ما حدث في فرنسا في النصف الثاني من القرن العشرين حيث كان السياسيون اليساريون يعتمدون على الفقراء للحصول على مقاعدهم إلا أنهم عارضو مشاريع إزالة العشوائيات أو تطويرها خوفاً من خسارة شعبيتهم.
  • الهجرة من الريف إلى المدن: أدى التحول الكبير للاقتصاد العالمي نحو الصناعة والخدمات مع نقص الحاجة للعمالة الكبيرة في الزراعة -بسبب تقدم التكنولوجيا- إلى هجرة متزايدة من المناطق الريفية نحو المدن الكبرى. هذه الزيادة الكبيرة في سكان المدن الكبرى أدى إلى نشوء وتوسع الأحياء العشوائية حول المدن الكبرى.
  • الاقتصادات الخفية: يقصد بالاقتصادات الخفية (العمليات التجارية والصناعية التي تتم بشكل غير مرخص ومسجل دون الخضوع للقوانين والتشريعات ودون دفع الضرائب). تعتمد هذه الاقتصادات على أحياء السكن العشوائي لتأمين الغطاء والعمالة اللازمة لاستمرارها. ومن أمثلة هذه الحالة ورش صنع الملابس والحقائب المزورة عن الماركات العالمية والتي تتواجد في الأحياء العشوائية على أطراف بعض المدن الأمريكية الكبرى مثل نيويورك ولوس أنجلس.

أخطار السكن العشوائي

نظراً للبنية التحتية شبه المعدومة والخدمات القليلة في مناطق السكن العشوائي بالإضافة للازدحام الشديد والكثافة السكانية المرتفعة فيها، تمثل مناطق السكن العشوائي أخطاراً كبيرة على سكانها بشكل أساسي وعلى المجتمع بشكل عام. فيما يلي بعض من أهم هذه الأخطار:

  • البطالة والاقتصادات الخفية: نظراً للفقر ونقص المهارات لدى الكثيرين من سكان العشوائيات، فالبطالة تتفشى بشكل كبير بينهم (وفقاً لدراسات قامت بها منظمة الصحة العالمية على الأحياء العشوائية والأحوال الاجتماعية والصحية فيها)، خصوصاً مع التنافس الكبير الموجود في سوق العمل. هذا الانتشار الكبير للبطالة يدفع العديدين للاتجاه للعمل غير المرخص لتأمين أساسيات الحياة. ونظراً لطبيعة الأعمال غير المرخصة فالعاملون بها لا يتمتعون بأي تأمين صحي أو تأمينات اجتماعية مع أجور عمل منخفضة تمنعهم من التقدم نحو أوضاع مادية أفضل وتجبرهم على البقاء في حالة مستمرة من الفقر.
  • العنف والجريمة: الفقر المتفشي في هذه المجتمعات بالإضافة للبطالة وعدم القدرة على التقدم إلى الأمام والغياب الجزئي أو الكلي للقانون يدفع الكثيرين نحو العنف أو الانخراط في عصابات الجريمة المنظمة. يعود ذلك بشكل أساسي إلى العائدات المادية المرتفعة للجريمة مع انعدام فرص العمل الشرعي واليأس الناتج عن ذلك، وذلك ما يظهر بوضوح في أحياء أمريكا الوسطى والجنوبية العشوائية، حيث تنتشر حروب العصابات التي قد تكبر إلى حد الحاجة لتدخل الجيش في بعض الحالات.
  • الكوارث الطبيعية والكوارث من صنع البشر: تؤدي البنية التحتية الهشة للعشوائيات بالإضافة لكون الأبنية أدنى بكثير من المواصفات القياسية إلى تأثرها بشكل كبير بالكوارث الطبيعية كالزلازل وانجرافات التربة (كالتي حدثت في ريو عام 2010 وقتلت ما يزيد عن 200 شخص) والبراكين والفيضانات وغيرها. بالإضافة لذلك فغياب المعايير الصحية يجعل الأخطار الناتجة عن تسربات المواد السامة أو الحوادث الصناعية (حيث يؤدي وجود بعض المنشآت الصناعية في الأحياء العشوائية إلى أخطار كبيرة مثل الانفجار الذي أودى بحياة 100 شخص في عشوائيات في نيروبي) أكبر بكثير من الأخطار في المناطق المدنية المنظمة.
  • الأمراض والأوبئة: يؤدي غياب المقومات الصحية إلى انتشار الأمراض بشكل كبير بين السكان، كما أن الاكتظاظ السكاني الكبير يجعل انتقال العدوى وتفشي الأوبئة شيئاً ممكن الحدوث بسهولة، حيث ارتبطت مناطق السكن العشوائي عبر التاريخ؛ بتفشي أمراض مثل الكوليرا في مناطق العشوائيات غرب أفريقيا في السنغال وسيراليون وغينيا خلال موسم الأمطار الغزيرة، كذلك السالمونيلا والتهاب الكبد بأنواعه بالإضافة لمرض نقص المناعة المكتسب (حيث أظهرت الإحصائيات التي قارنت نسب المصابين بمرض نقص المناعة المكتسب بين عدة مناطق أن النسب أعلى بشكل ملحوظ في مناطق السكن العشوائي وعزت ذلك إلى قلة الوعي الصحي وانتشار استخدام المخدرات وممارسة الجنس غير المحمي).

كيفية التخلص من مشكلة السكن العشوائي

رغم وجود المشكلة لأكثر من قرنين من الزمن، فما تزال معظم الحلول المقترحة غير كافية فعلياً، حيث يعالج معظمها الأعراض لا الأسباب. فيما يلي بعض الحلول التي تم تجريبها للتخلص من مشكلة السكن العشوائي:

  • إزالة أحياء العشوائيات بشكل كامل: يعتمد مناصرو هذا الأسلوب على كون معظم مناطق السكن العشوائي مملوكة للحكومات أو جهات عامة أو خاصة بحيث لا يمتلك القاطنون في الكثير من الأحيان أي حق تملك لها. هذا الحل يمكن أن يعالج مشكلة السكن العشوائي بشكل سطحي بحيث أنه لا يحل الأسباب بالإضافة لتسببه نفسه بمشاكل لاحقة نظراً لفقدان الكثيرين من الفقراء أماكن معيشتهم (كما حدث في الجزائر العاصمة عام 2015 حيث أخلي حي من سكانه ال 20,000 تمهيداً لإزالته بشكل كلي).
  • تطوير العشوائيات: يعتمد هذا الحل على إدخال الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والصرف الصحي والمواصلات إلى مناطق العشوائيات. هذا الحل يوفر الخدمات للسكان ويحسن من طبيعة الحياة بشكل كبير إلا أنه غير فعال في الحد من الظاهرة بل يتسبب في بعض الأحيان بزيادتها كون الوافدين الجدد إلى مناطق السكن العشوائي أصبحوا على دراية بأن هذه المناطق ستتمتع بالخدمات الأساسية.
  • إعادة التوطين: يتضمن هذا الحل نقل السكان من المناطق العشوائية إلى مناطق شبه مدنية بسكن منخفض التكلفة. ورغم فعاليته في هذا الخصوص فالمشكلة تنبع من تجاهله لواقع أن سكان العشوائيات يعتمدون على هذه الأحياء للعمل والحياة الاجتماعية بالإضافة للسكن مما يخلق مشاكل جديدة في المناطق البديلة للأحياء العشوائية (كما حدث في أديس أبابا – أثيوبيا عام 2010 بعد مخاوف من خطورة هذه الأحياء خصوصاً في حال حدوث زلازل).
  • السكن العام: يتم اتباع هذه الطريقة في مناطق السكن العشوائي المبني على أراضٍ قيمة ودون بناءٍ طابقي. تتمثل الطريقة بإزالة العشوائيات ومن ثم بناء أبنية حديثة متعددة الطوابق تستوعب السكان من ناحية، ومن ناحية ثانية تترك أماكن متاحة للاستثمار في المنطقة بحيث يكون المشروع مربحاً سواء لسكان العشوائيات أو المستثمرين.

في النهاية... يشكل السكن العشوائي مشكلة ديموغرافية كبيرة في المنطقة العربية حالياً، ومن الضروري جداً البحث عن حلول فعالة ومحلية له لتجنب أخطاره.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر