مصطلح التمرد

ما هو التمرد؟ تعريفه.. استخدامه.. كيفية مواجهته، وما الفرق بينه وبين الثورة
الكاتب:منارة دمشق
تاريخ النشر: 24/03/2017
آخر تحديث: 03/10/2017

تتنوع المصطلحات التي تدل على أحداث معينة في هذا البلد أو ذاك، كما يختلف توصيفها بين هذا المجتمع أو ذاك، هذه الدولة أو تلك، وهذا الأمر ينطبق على مصطلح التمرد، ولأن التمرد يحصل في الدولة نفسها فإن تحديد مفهومه بدقة يساعد الدول في كيفية التعامل معه ومواجهته.

لطالما كان تحقيق طموحات الشعب أحد أهداف الحكومة في أي بلد من البلدان، وعندما تفشل في تحقيقها تحصل الاضطرابات التي قد تصل إلى مرحلة التمرد.. فما هو التمرد؟ وكيف يمكن مواجهته والتعاطي معه؟ هذا ما سنجيب عنه في هذه المقالة.

1

تعريف مصطلح التمرد

تعود جذور كلمة تمرد إلى المفردة اللاتينية (insurrectio)، وتعني السهم، يعرف التمرد باللغة الإنكليزية باسم (Insurgency)، وباللغة الفرنسية باسم (Insurrection)، حيث عرفت موسوعة لاروس الفرنسية مصطلح التمرد بأنه: "العمل الذي تقوم به مجموعة معارضة ضد السلطة القائمة بهدف القضاء عليها".

عرّف القاموس السياسي الفرنسي التمرد بأنه: "انتفاضة مسلحة تقوم بها مجموعة من الناس ضد الحكومة القائمة بهدف القضاء عليها، ويحصل التمرد عادةً ضد الحكومة، ضد الاحتلال، ضد النظام الدكتاتوري".

كما عرف قاموس فوكابيلير البريطاني التمرد على أنه: "قيام حركة بالإطاحة بالحكومة القائمة من خلال استخدام التخريب والصراع المسلح".

اعترف الدستور الفرنسي الذي صدر في أعقاب الثورة الفرنسية عام 1793 بشرعية التمرد، وكما نصت مادته الخامسة والثلاثين من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن بما يلي: "عندما تنتهك الحكومة حقوق الشعب، فالتمرد يصبح حقاً من حقوق الشعب سواء كله أو جزءاً منه، وهو يعد من أقدس الحقوق ولا يمكن حرمان الشعب من هذا الحق".

عرفت اتفاقية جنيف الثالثة المتمردين تحت عنوان "القوات غير النظامية"، بأنهم: "أعضاء المليشيات الأخرى وأعضاء الوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم، حتى لو كان هذا الإقليم محتلاً بما في ذلك حركات المقاومة المنظمة ".

بدورها عرفت وزارة الدفاع الأمريكية (DOD) التمرد باعتباره: "حركة منظمة تهدف إلى الإطاحة بالحكومة التي تشكلت من خلال استخدام التخريب والصراع المسلح".

2

مصطلحات مشابهة لمصطلح التمرد

هناك العديد من المصطلحات التي تشبه في معناها التمرد، منها:

  • المعارضة، عمل أو حالة يحيد فيها مجموعة من الناس عن رأي أو عقيدة تقبلها الأغلبية، ولا يعترف المعارضون بشرعية السلطة القائمة، ويتوقفون عن طاعتها.
  • الثورة، تعود جذورها للكلمة اللاتينية (revolvere) وتعني استرجاع، وهي أي الثورة: تغيير، واضطراب كبير ومفاجئ في حياة الأمة، يشمل كل المجالات: الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، كذلك الثقافة، الأخلاق، العلوم، التكنولوجيا.. إلخ.
  • الفتنة، تعود جذورها للكلمة اللاتينية (Seditio)، وتعني مكافحة الشغب والتمرد والثورة، بطريقة متعمدة ومنسقة ضد المعارضة، وذلك بهدف اتهام السلطة القائمة بهذه الأعمال للتحريض على العصيان. في بعض الدول الأنجلوسكسونية الفتنة هي التكييف القانوني للكتابات والخطب أو المنظمات التي تحرض على التمرد ضد النظام القائم.
3

الفرق بين مصطلحي التمرد والثورة

يعد التمرد حسب قاموس مريام (merriam webster) حرباً غير نظامية، على الرغم من أن له نفس أهداف الثورة المنظمة في القضاء على الحكومة والحلول مكانها، حيث تقوم الثورة عادة في الجيش النظامي التابع للدولة.

حيث يقال للضباط والجنود الذين يصرحون بمعارضتهم لقرارات قيادة الجيش ويسعون للقضاء عليها تمرد وإذا نجح هذا التمرد في الوصول إلى السلطة يصبح انقلاباً عسكرياً، في حين أن التمرد يحصل في مناطق نائية تكون فيها سيطرة الدولة ضعيفة (التمرد الذي حصل في ولاية الشرقية المصرية ضد الوالي العثماني في مصر خاير بك في القرن السادس عشر)، ويستمد التمرد قوته عادة في المناطق الريفية على اعتبار أن الخدمات أقل مما هي عليه في المدن، حيث تعمل الحركة التي تقوم بالتمرد بكسب تأييد الناس وتعاطفهم مع مطالبها.

كما يمكن أن يستند التمرد على الهوية العرقية أو الدينية، كما قد تكون جذوره سياسية أساساً أو اقتصادية، وعادةً ما يكون التمرد أقل قوة لمواجهة الجيش النظامي للدولة، لذلك يلجأ عناصر التمرد الذين يطلق عليهم "المتمردون" بالعديد من الأساليب للضغط على الحكومة، منها: التفجير، الخطف، أخذ الرهائن.. إلخ.

حركات التمرد هي الثورة عندما تستخدم العنف ضد دولة ذات سيادة

ليست كل الثورات حركات تمرد، حيث توجد العديد من الثورات غير العنيفة تعرف باسم (المقاومة المدنية)، مثل الثورة في الفلبين في عام 1986 ثورة مدنية أي سلمية ضد رئيس الفلبين فرديناند ماركوس، وانتهت الثورة بإعلان الرئيس الفلبيني عن انتخابات رئاسية مُبكرة، والثورة المصرية في الثلاثين من حزيران/ يونيو عام 2015 الثورة صارت ضد الإخوان وأدت لعزل محمد مرسي من الرئاسة المصرية، تصبح الثورة تمرداً مسلحاً إذا كانت حالة الحرب قائمة بين واحدة أو أكثر من الدول ذات السيادة وقوات المتمردين، على سبيل المثال، أثناء الحرب الأهلية الأمريكية، الولايات الكونفدرالية الأمريكية لم يعترف بها كدولة ذات سيادة، ولكن كان من المسلم به أنها قوة متحاربة، وبالتالي أعطيت السفن الحربية الكونفدرالية نفس الحقوق التي تتمتع بها السفن الحربية الأمريكية في الموانئ الأجنبية.  هنا تحولت الثورة إلى عنيفة بالتالي أصبحت تمرد.

ثغرات أيزنستات.. ضعف الدولة يقود إلى التمرد

يقول المحامي والدبلوماسي الأمريكي ستيوارت أيزنستات إن التمرد ينمو بسبب وجود ثغرات في عمل الحكومة، لذلك على الحكومة سد هذه الثغرات، وهي وفق ما أوردها في كتابه "إعادة بناء الدول الضعيفة" " Rebuilding Weak States " الصادر في عام 2005:

  • الأمن، فعلى الدولة توفير الأمن لمواطنيها وحماية حدودها من اختراق المجموعات المسلحة، وإذا لم تنجح الدولة في ذلك فستستغل الجماعات المتمردة ذلك وتستخدم العنف ضد المواطنين، كما حصل في كل من هايتي في عام 2004، نيبال في عام 1996، الصومال في عام 1988.
  • قدرة الدولة على توفير احتياجات المواطنين، يجب أن تؤمن الدولة للمواطنين احتياجات البقاء على قيد الحياة من مياه، طاقة كهربائية، المواد الغذائية، الأدوية، التعليم، الاتصالات، نظام اقتصادي يعتمد على كل فئات المجتمع ويستثمر كل الموارد، وفشل الدولة في تأمين هذه المتطلبات يخلق لديها فجوة يمكن أن تؤدي إلى فقدان ثقة المواطنين بها، بالتالي تفتح الباب أمام التمرد على الحكومة كما حصل في  كل من أفغانستان في عام 2015، جمهورية الكونغو الديمقراطية في عام 1996، على سبيل المثال.
  • الشرعية، سد فجوة الشرعية هي أكثر من مجرد ديمقراطية وانتخابات، بل هي قبول المحكومين بوجود الحكومة في السلطة وقبولهم بقراراتها، لكن إذا كانت الحكومة تعاني من تفشي الفساد، وخلل في النظام القضائي، واختراق حقوق الإنسان، فهذه الأسباب تجعل الناس يتمردون على الحكومة.

فإذا تمكنت الحكومة من سد هذه الثغرات فلن يكون للتمرد أي مبرر، وتفقد الجماعات المتمردة البيئة الشعبية الحاضنة، بالتالي يصبح أمامها خيارين إما التخلي عن تمردها أو الدخول في صدام مع الحكومة وستكون هي غالباً الخاسرة فيه. كلام أيزنستات.

أعمدة كيلكولن لمكافحة التمرد

وضع الخبير الاستراتيجي الأمريكي ديفيد كيلكولن في كتابه الذي حمل عنوان " ثلاثة أركان لمكافحة التمرد " (Three Pillars of Counterinsurgency) الصادر في عام 2006، ثلاثة أعمدة لمواجهة التمرد تقوم على: الأمن، السياسة، الاقتصاد، حيث يتم تشكيل فريق عمل مهمته التعامل مع التمرد، على أن يكون هذا الفريق مرن (أي لا يعتمد كثيراً على التسلسل الهرمي للقيادة- أو بيروقراطية القيادات).

ويقوم هذا الفريق بتشخيص التمرد من خلال تحديد أسبابه، نقاط القوة لدى المتمردين، نقاط الضعف، ومن ثم وضع الاستراتيجية لمواجهتهم، وذلك من خلال العمل على تعزيز نقاط ضعفهم، والقضاء على نقاط قوتهم، فعلى سبيل المثال: إن كان المتمردون يستخدمون العنف كي ترد الدولة بالمثل وبالتالي يكسبون تعاطف الناس باعتبارهم ضحايا، هنا تلجأ الحكومة لضبط النفس ومحاولة توثيق ممارسات المتمردين ونشرها في وسائل الإعلام؛ بالتالي تحولت نقطة القوة إلى نقطة ضعف.

وإذا كان المتمردون يعانون من تخبط في اتخاذ القرارات، فعلى الحكومة زيادة هذا التخبط وتشجيعهم على الانفصال عن بعضهم كي يسهل القضاء عليهم من خلال (على سبيل المثال) إعلانها العفو عمن يسلم سلاحه للحكومة أو إشراك من يتخلى عن سلاحه في الحكم، فهنا يزداد التخبط ووجهات النظر حول كيفية التعامل مع مقترحات الحكومة، وينقسمون بين مؤيد للمهادنة مع الحكومة وبين رافض لذلك؛ بالتالي يكون ضعفهم قد ازداد.

في الختام.. يعد التمرد حالة شاذة تحصل في الدولة عندما تكون تعاني من ثغرات معروفة لدى الناس، بالتالي تجعلهم يفقدون الثقة بهذه الحكومة ليصبحوا بيئة متململة من السلطة جاهزة لاستقبال أي أفكار تقود للقضاء على الحكومة ومن بينها التمرد، وعلى مبدأ "إذا عرف السبب بطل العجب" على الحكومات أن تكون سياساتها خالية من الثغرات أو على الأقل أن تعالج ما تعانيه من غرات، وأن تتواصل مع مواطنيها لتقطع الطريق أمام أي محاولة لاستغلال استياءهم منها ووضعهم في وجهها كمتمردين أو بيئة حاضنة للتمرد.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر