ما هو النكوص أو الحنين إلى الطفولة؟

أشكال النكوص وتأثيره على الحياة... إضافة إلى أسباب العودة إلى الطفولة والحنين للماضي

تاريخ النشر: 20/04/2017
آخر تحديث: 20/04/2017

في هذه المادة؛ سنتعرف معاً على معنى النكوص أو الحنين إلى الطفولة وتصرفاتها، كما سنستعرض معاً أبرز الأعراض المرافقة للنكوص وطريقة التعامل معه، إضافة إلى أسبابه وأشكاله.

صنَّف فرويد العديد من الآليات الدفاعية (Defense Mechanisms) التي يستخدمها الإنسان بشكل إرادي أو لا إرادي في مواجهة التحديات النفسية المتنوعة، وهذه الآليات هي مجموعة من السلوكيات التي يلجأ إليها الإنسان عند تعرضه للمواجهة مع مؤثرات معينة، ولكلِّ آلية من الآليات الدفاعية محفزاتها الخاصة، حيث يعتبر النكوص إحدى هذه الآليات الدفاعية المميزة والتي يستخدمها أغلب الناس، فما هو النكوص؟!

ما هو النكوص؟!

النكوص هو ردَّة فعل يقوم بها الشخص في مواجهة التوتر والضغط الزائد تتمثل بالعودة إلى سلوكيات كان يمارسها في الطفولة وكانت تشعره بالأمان، ولهذه السلوكيات صور متعددة ومتفاوتة بحدتها تبعاً للشخصية ولمدى الضغط الذي تتعامل معه، فهذا الحنين إلى الطفولة يعتبر طريقة للهروب من المواجهة أو الاختباء منها بطريقة صبيانية، كما أنَّ النكوص لا يعرف عمراً معيناً فهو يبدأ مع الأطفال الكبار ولا يتوقف حتَّى عند المسنين.

أشكال النكوص وأنواعه

يمكن أن يكون النكوص أمراً عرضياً بالكاد نتمكن من ملاحظته، كما يمكن أن يشكل خطراً على علاقات الشخص بمحيطه وعلى صحته النفسية، مثلاً يعتبر مصُّ القلم أثناء البحث عن الحلول أو الأفكار شكلاً من أشكال النكوص فهو محاكاة للرضاعة عند الأطفال، كذلك يعتبر البكاء المفرط في مواجهة الضغط والإجهاد النفسي شكلاً من أشكال النكوص الأكثر خطورة، حيث أنَّ الشخص الذي يتعرض للمواجهة ويعجز عنها عند نقطة معينة يلجأ إلى البكاء مثل الأطفال تماماً وينتظر من يزيل مصدر القلق بعيداً كما كان يحصل معه عندما كان طفلاً.

كذلك يتخذ من يصاب بنوبة بكاء حادة الوضع الجنيني الذي يشعره بالحماية والأمان وهذا أيضاً من أشكال النكوص، فالتصرفات التي يتم استعادتها من الطفولة تحمل نفس الأهداف التي كانت تؤديها في دورها الأول، فالبكاء للابتزاز العاطفي والتهرب من العقاب أو طلب النجدة، والتكور بشكل جنين في الرحم طلباً للحماية ...إلخ.

أسباب النكوص واللجوء لتصرفات الطفولة

تعتبر الضغوطات النفسية هي السبب الرئيسي الذي يؤدي إلى استخدام آلية النكوص في هذه المواجهة، ولا يشترط أن تكون هذه الآلية أمراً غير إرادياً بل يمكن أن يتبعها الشخص بشكل واعٍ، كما أن النكوص يكون مرافقاً لبعض المشكلات النفسية أو الأمراض.

النكوص والتوتر

أكثر حالات النكوص انتشاراً بين الأطفال هي التي تصيبهم مع ولادة أخ جديد أو مع انفصال الوالدين، وغالباً ما يتجلى النكوص من خلال التبول اللاإرادي ليلاً على الرغم من أن الطفل يكون قد تجاوز هذه المرحلة منذ زمن، وربما يرغب في النوم مع والديه في السرير وذلك ليس نكوصاً فقط، وإنَّما رغبة منه بتثبيت مكانه في حالة استقبال مولود جديد.

وبالعموم لا يعتبر النكوص سلوكاً غير طبيعي أو بالغ الخطورة في هذه الحالات بل يمكن التعامل معه ببساطة، كذلك ذكرنا مصَّ القلم أثناء الامتحانات مثلاً، كما يكون النكوص أحياناً من خلال تقليد الأطفال تقليداً صريحاً في المواقف المحرجة، حيث يتم تقليد حركاتهم أو طريقة نطقهم للتعبير عن البراءة أو رغبة بالتهرب من العقاب.

النكوص والأمراض

يفرض النكوص نفسه كمرافق للعديد من الأمراض النفسية والجسدية لكنه لا يعتبر من الأعراض السريرية لهذه الأمراض؛  وأبرزها:

  • الزهايمر (Alzheimer).
  • باركنسون (Parkinson).
  • بعض أورام المخ.
  • اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD).
  • القلق المفرط.
  • الاكتئاب الحاد.

لماذا نلجأ إلى النكوص عندما نشعر بالخطر؟

يقوم النكوص بمساعدة الشخص على الشعور بالأمان من خلال استحضار سلوكيات كانت تشعره سابقاً بالأمان، وربما يكون ذلك مقبولاً وغير واضح للعيان بشكلٍ صارخ، لكنه يكون واضحاً جداً في بعض الأحيان ومؤثراً على الجو العام، فما هي الفائدة الحقيقية للنكوص؟!.

النكوص التفاعلي (Interactional)

ويكون الهدف من الاستعانة بالسلوكيات القديمة في هذه الحالة هو الحصول على النتائج القديمة بشكل مباشر، حيث يلجأ طفل في العاشرة إلى البكاء للحصول على شيء يريده لأنَّه يتذكر تماماً أنَّها كانت طريقة ناجعة في الصغر، والأمر لا يتوقف عند العاشرة، فقد يلجأ بعض الكبار للبكاء في ظروف المواجهة للهروب من الخطر أو الوصول إلى رغبة ما من خلال استحضار سلوكيات الطفولة.

يقدم النكوص حلولاً بديلة للتكيف

عندما نقوم بفصل الطفل عن والديه لينام وحيداً غالباً ما يصطحب معه دمية جميلة لتؤنس وحدته وتخفف من خوفه، هذه الدمية تساعده على التأقلم مع المتغيرات الجديدة، ومن المفترض أنَّه سيتخلى عنها عندما يكبر قليلاً، لكن عندما يصبح شاباً في العشرين وينتقل إلى السكن الجامعي مثلاً ربما يأخذ معه دمية مشابهة، إنَّها طريقته في التأقلم مع الأماكن الجديدة التي تثير داخله خوفاً شبيهاً بخوف الطفل الذي بالكاد انفصل عن سرير والديه.

أحياناً يكون النكوص أمراً ممتعاً!

لا يشترط وجود ضغوط كبيرة ليظهر النكوص، بل يتم استدعاؤه أحياناً من باب الترفيه من خلال ممارسة ألعاب الطفولة من قبل المسنين، أو حتَّى استعادة ثياب المراهقة وطريقة الحياة في تلك الفترة، فأزمة منتصف العمر مثلاً هي في جزء منها تعتبر نكوصاً لكن لمراحل ما بعد الطفولة.

لا يشكِّل النكوص خطراً بحد ذاته

النكوص كما ذكرنا في البداية هو آلية دفاعية، لا يمكن النظر إليها على أنَّها مشكلة خطيرة ما دامت في الحدود الآمنة، وقلما يمكن اعتبار النكوص مسبباً للمشكلة بحد ذاته بل قد يكون من الأعراض المصاحبة لمشكلات أكبر، كالاكتئاب الحاد أو الصدمات الحادة، ولا يتم معالجة النكوص بشكل منفرد بل يتم معالجة المشكلة الرئيسية وقد يتم الاستعانة بتقنية النكوص لعلاج تلك المشكلة، حيث يتم استخدام التنويم المغناطيسي أحياناً لاكتشاف بعض الأمور التي كانت مريحة في الطفولة ثم ممارستها كنوع من العلاج لبعض العقد والمشاكل النفسية.

ختاماً... النكوص أمرٌ طبيعي نمارسه جميعاً، قد تعرفون بعض الأصدقاء ممن يظهر النكوص عليهم بشكل واضح أكثر، لكن في النهاية كما ذكرنا لا يتم التعامل مع النكوص باعتباره مشكلة، بل يمكن أن نعتبر الموضوع شبيهاً بالعودة إلى التدخين بعد الإقلاع عنه لسنوات، وغالباً ما يكون هناك ضغوطات قوية تجعل المقلع عن التدخين يعود إليه لأنَّه ما زال يعتقد أنَّ هذا السلوك يساعده على الاسترخاء.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر