تنمية شخصية الطفل

التربية الأسرية.. التعامل مع الأقران.. النضج البيولوجي.. أمور أساسية تساعد في تكوين شخصية الأطفال
تاريخ النشر: 29/03/2017
آخر تحديث: 02/07/2017
يعلب الأهل دورا أساسيا في بناء شخصية طفلهم

يبرز أثر التنمية الاجتماعية والشخصية للطفل، فينمو بشكل كبير في مرحلة البلوغ والمراهقة، ويتغير مع تغير العلاقات والأدوار الاجتماعية والنضج البيولوجي، ومع مرور الأيام تصبح خبرة الفرد الأساس في التنمية لكل مراحل الحياة المقبلة.

تنشأ شخصية الفرد على نحو معين ناتج عن تربية وسلوك ومزاج عايشه في الصغر واستمر معه حتى دخل مرحلة عمرية جديدة، لذلك نجد لكل شخص سلوك يعكس بالطبع البيئة التي تشكل فيها والتربية التي نشأ عليها، فتفسير شخصية الفرد يوضح مدى نجاح التنمية الشخصية والنفسية للفرد في طفولته، ومدى نجاح الوالدين في إرشاد الطفل لأهم الأمور التي تبني شخصيته كفرد مستقل.

1

التنمية الاجتماعية والشخصية تنشأ أساساً في مرحلة الطفولة

تحدث الدكتور روس طومسون أستاذ في علم النفس في جامعة كاليفورنيا ومدير مختبر التنمية الاجتماعية والعاطفية؛ عن هذه القضية فحسب رأيه أن أثر التنمية الاجتماعية والشخصية للطفل يبرز من خلال نضوجه البيولوجي وقدرته على التفاعل مع التأثيرات الاجتماعية وتمثيل ذاته في العالم الاجتماعي والذاتي، ويتضح هذا الأمر أكثر من خلال تطور علاقاته وتطور الفهم الاجتماعي لديه ونمو شخصيته.

كيف أصبحت الشخص الذي أنا عليه اليوم؟

لعله تساؤل لا يطرحه الكثير من الأشخاص على أنفسهم، لكن عند طرحه قد يتبادر إلى الذهن عدة إجابات، أبرزها تأثير الوالدين، تأثير الأقران، التربية الأخلاقية، المزاج، الشعور بقوة النفس، التغيرات التي تحدث في العائلة مثل طلاق الوالدين وغيرها، فالتنمية الاجتماعية ترتبط بهذه الأمور وغيرها من التأثيرات الأخرى التي تؤثر على نمو شخصية الطفل. كل من طبيعة التنشئة أو التربية، والتجارب المبكرة، كذلك التأثيرات الاجتماعية المعقدة في مرحلة الطفولة؛ جميعها أمور تساعد على تكوين الشخصية التي أنت عليها اليوم.

فهم قضية التنمية الاجتماعية والشخصية يتطلب النظر إلى الطفل من وجهات نظر ثلاث تتفاعل جميعها لتساهم في تنمية شخصيته:

  1. الأمر الأول هو السياق الاجتماعي الذي يعيش فيه كل طفل، والعلاقات التي يختبرها والتي توفر له الأمن والتوجيه والمعرفة.
  2. الأمر الثاني هو النضج البيولوجي الذي يتمتع به الطفل، والذي يشكل الداعم لتطوير كفاءاته الاجتماعية والعاطفية، والذي يكمن في مزاجية الطفل وشخصيته النفسية.
  3. الأمر الثالث هو تطور نفسية الطفل وقدرته على تمثيل نفسه في العالم الاجتماعي، فأفضل طريقة لفهم التنمية الاجتماعية والشخصية من خلال فهم التفاعل المشترك بين هذه الجوانب الاجتماعية والبيولوجية التي تؤثر على التكوين النفسي للطفل.
2

أهمية الاهتمام العاطفي بالطفل

في بحث نظري وتطبيقي قام به "جود كاسيدي" بروفيسور وعالم نفس من جامعة ماري لاند بواشنطن عام 2008 وجد أن بالإمكان ملاحظة التفاعل الاجتماعي من خلال تطور العلاقات بين الأطفال الرضع وبين والديهم، فجميع الأطفال تقريباً يعيشون بحالة من التعلق العاطفي مع أولئك الأشخاص الذين يهتمون بهم، لكن علم النفس يجد أن تطور هذه العلاقة هي حالة بيولوجية كتعلم المشي وليس نتيجة الاهتمام العاطفي وتوفير الوالدين للطعام أو الدفء، لكن على النقيض يرى الباحث أن تطور العلاقة بين الطفل ووالديه يعزز الدافع لديه لبقائه على مقربة من أولئك الذين يهتمون به، ونتيجة لذلك فهو يأخذ منهم الدفء والتعليم والتوجيه والأمان.

وعلى الرغم من أن الأطفال يطورون ارتباطهم العاطفي مع القائمين على رعايتهم كالأبوين أو الأقرباء، إلا أن الشعور بالأمان مع كل أحد منهم يختلف، فالأطفال يزداد أمنهم وثقتهم بوالديهم أو بمن يوفر لهم الدعم عند الحاجة، إلا أن هذا العلاقات غير آمنة، لأنها أمر ثانوي ينشأ بفعل الظروف، فقد تصل الأم بعد يوم عمل متعب لتجد نفسها غير قادرة على رعاية طفلها، أو أن بعض الأمهات لا تملكن القدرة على التعبير عن عواطفهن أو الرغبة والمعرفة الكبيرة في تربية الطفل ورعايته.

لكن بشكل عام، لا يعي الطفل لمدى صدق الأمان الذي يقدم له ولا يدرك حقيقة المشاعر الداخلية التي لا يمكنه اكتشافها، لذلك يعتبر الأمن الذي يحصل عليه من والديه شيء جيد بالنسبة له، فالأمن والرعاية اللذان يتلقاهما الطفل من أسرته يُعدان ركناً هاماً في التنمية الاجتماعية والشخصية للطفل.

كذلك الطفل حين يُنشئ علاقاته الاجتماعية مع أقرانه؛ سيكون إشباعه العاطفي سبباً رئيسياً في نجاحه، فتطور الفهم العاطفي لديه سيساعده في تكوين صداقات قوية، تنمية المفاهيم الذاتية الأكثر إيجابية، لأن تجارب الرعاية السليمة تطور تفكيره عن ذاته وعن الناس ليدرك كيفية التعامل معهم.

3

تأثير الوالدين على شخصية الطفل

لكن عندما ينضج الطفل، تتغير العلاقة بينه وبين والديه بشكل طبيعي، فعند النضوج يصبح أكثر قدرة على تحديد تفضيلاته الخاصة، فينشأ هنا الصراع بين الوالدين والطفل، وحسبما ذكر بورميد في دراسة له عام 2003 أجراها بمساعدة منظمة علم النفس الأمريكية أن كيفية إدارة الصراع من قبل الوالدين هي التي تحدد نوعية العلاقات بينهما.

فالأطفال سيكون لديهم مزيداً من الكفاءة والثقة بالنفس عندما يكون للآباء ردود فعل إيجابية ومنطقية لسلوك الطفل، فالتواصل بشكل جيد معهم سيزيد من سرعة استجابتهم، وباستخدام المنطق بدلاً من الإكراه يمكن التحكم بسلوك الطفل السيئ، بالتالي نجاح العلاقة بين الوالدين والطفل، كما أن فهم الطفل العاطفي الصحيح سيؤثر بشكل إيجابي على بناء علاقاته ويطورها للأفضل.

4

دور الأهل في منح الطفل الإستقلالية

طرق وأدوار العلاقة بين الوالدين والطفل تتغير بأشكال مختلفة، فمع التقدم بالعمر يصبح دور الأبوين مجرد وسيط للعلاقات الخارجية، فتكوين الطفل لعلاقته مع الأقران، ممارسة الأنشطة خارج الأسرة، الإنجاز الأكاديمي وغيرها من الأمور يمارسها الطفل بمفرده حين يتقدم في العمر ويدخل سن المراهقة، ويصبح مسيطراً على قراراته وتحقيق التوازن في علاقاته.

إلا أن ذلك يرتبط بقدر الاستقلال الذي يُمنح للطفل داخل أسرته، فالآباء عندما يدركون أن الطفل دخل مرحلة المراهقة؛ يسمحوا له بالمشاركة في الفعاليات الاجتماعية، ركوب السيارة، التأخر في الوقت على سبيل المثال، فمقدار الحرية الملتزمة التي يمنحها الأهل للطفل والتي ستسمر معه حتى يدخل نطاق مراهقته وشبابه؛ تؤثر على بناء شخصيته وشعوره بالاستقلالية وقدرته على بناء حياته بمفرده.

5

تأثير طلاق الوالدين على شخصية الطفل

في ذات الإطار، لا تؤثر الأمور التي سبقت على الطفل فحسب، بل الطبيعة التي تعيشها الأسرة من أهم الأسباب التي تنمي شخصية الطفل، فالعلاقات الأسرية تتغير بشكل كبير بسبب الظروف التي تحدث خارج المنزل، قد تكون أهم أسباب الضغط الذي يصيب أفراد الأسرة؛ الصعوبات المالية التي تؤثر بشكل سلبي على مزاج أفراد الأسرة وبالأخص الوالدين.

هذا يؤدي بدوره إلى مشاكل زوجية توصل في النهاية للطلاق ربما، الذي يعتبر نقطة تحول حزينة في حياة الطفل تسبب له مشاكل طوال حياته، مما يجعله يجد صعوبة في التكيف مع الأمر، ومن المؤكد أن هذا الأمر سيجعل شخصية الطفل تتغير مع التغير الذي أصاب حياته، بالتالي سيخلق فجوة عاطفية تنمي شخصيته النفسية والاجتماعية بشكل مختلف عما سبق، وهذا ما أكده كلاً من الباحثين راند كونجر ومونيكا مارتين في بحث لهما نُشر عام 2010 من قبل المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية (NCBI (National Center for Biotechnology Information.

6

لعلاقة الطفل مع الأقران قيمة كبيرة في نمو شخصيته

تحدثت الكاتبة ماري روثبارد في كتاب لها بعنوان (Becoming Who We Are) نُشر عام 2011 عن تأثير علاقات الطفل مع الأقران في بناء شخصيته، ووجدت أن العلاقات بين الوالدين والطفل ليست العلاقات الوحيدة الهامة في حياة الطفل، فعلاقات الأقران ذات أهمية خاصة بالنسبة لهم، ويمكن أن تكون داعمة وتشكل تحدياً لهم في علاقاتهم الاجتماعية، فالرفض الذي يتعرض له الطفل من الأقران مثلاً، قد يؤدي إلى مشاكل سلوكية في وقت لاحق من حياته لذلك هي في غاية الأهمية.

كما أن تفاعل طفل مع آخر يشبهه في العمر والسلوك والمعرفة سينمي لديه العديد من المهارات الاجتماعية التي لها قيمة كبيرة في بقية حياته الاجتماعية، وسيعي كيفية البدء بتكوين العلاقات الاجتماعية وكيفية الحفاظ عليها، ويتعلم مهارات التسوية والمساومة وحل الصراعات التي تنشأ، ويؤدي ذلك إلى تحقيق التنسيق والتفاهم في علاقاته، فالصداقات تساهم في تنشئة الطفل وتمنحه أمناً مشابهاً للأمن المقدم من والديه.

مع ذلك علاقات الأقران يمكن أن تكون تحدياً للطفل وداعماً بنفس الوقت، فإن تم قبوله من قبل الأطفال الآخرين؛ سيكون ذلك أمراً مهماً لتأكيد ذاته واحترامها، لكن في حال تم الرفض سيسبب له الأمر مشاكلاً سلوكية في وقت لاحق وخصوصاً إن تم الرفض بشكل عدواني من خلال البلطجة والإيذاء من الأطفال.

كما أن المقارنة الاجتماعية مع الأقران وسيلة هامة تمكن الطفل من تقييم مهاراته ومعرفته وصفاته الشخصية، لكن في بعض الحالات تسبب له الشعور بالنقص أو أنه لا يتساوى مع الآخرين، فإن كان الطفل لا يحب الرياضة، قد يسبب له ذلك بعض المشاكل مع الأطفال لاعبي كرة القدم مثلاً، مما يجعل سلوكه يميل للانطواء والخجل، ويكشف ذلك عن مدى قوة الطفل وقوة شخصيته، مما يجعله يواجه تحديات إضافية مع أقرانه، هذا الأمر يرتبط بالعلاقات بين الوالدين والطفل ومدى تربيته على احترامه لذاته ولشخصه، كذلك مدى تقبله للانعكاسات (الاحتمالات الممكنة والتغيرات التي قد تحصل) في حياته التي يجب تربية الطفل عليها وعلى مواجهتها في الوقت المناسب.

7

الأطفال يفهمون الحياة الاجتماعية في سن مبكرة

كما تحدثنا سابقاً، تجربة الأطفال في العلاقات داخل الأسرة مع الأبوين وخارجها مع الأقران تساهم في توسيع مهاراتهم الاجتماعية والعاطفية، وتساعد على تطوير نطاق فهمهم الاجتماعي؛ فهم كيفية التعامل مع الأقران ومع الكبار وتطوير مفهوم الذات، لأن تطوير الفهم الاجتماعي يبدأ عند الأطفال في سن مبكرة، فالرضع يدركون أن للآخرين تصورات ومشاعر وحالات ذهنية تؤثر على سلوكهم، إذ يمكن للطفل الرضيع أن يدرك متى تكون الأم هادئة ليستجيب لها بشكل إيجابي، ومتى تكون طريقتها غير مألوفة للطفل فيستجيب بشكل حذر، بالتالي الأطفال قادرون على قراءة العاطفة في وجه الأم وملامحها والحصول على الأمان منها.

وأكد هذا الأمر البيرت باندورا في دراسة أجراها بجامعة ستانفورد الأمريكية عام 1992، حيث أن الأطفال قادرون في سن مبكرة على فهم الحياة الاجتماعية وما يدور حولهم، فهم مراقبون بشكل حساس لما يفعله الآخرون، وقادرون على إجراء اتصالات بين تعبيراتهم العاطفية وبين السلوك لاستخلاص استنتاجات تصنع شخصيتهم، بمعنى ما يدور في حياتهم من أمور ومشاكل؛ تحرك عاطفتهم ليشكلوا شخصيتهم بشكل إيجابي أو سلبي وفقاً لحياتهم.

وبعبارة أخرى تطوير الفهم الاجتماعي قائم على أساس التفاعلات اليومية للأطفال مع الآخرين ووضع تفسيرات لما يرونه ويسمعونه، وما يتوجه إليهم بشكل مباشر أو غير مباشر يسبب لهم الفرح أو الحزن ويساهم في بناءهم النفسي والعقلي.

8

يساهم التكوين البيولوجي والجينات الوراثية في تنمية شخصية الطفل

بالإضافة لتأثير المجتمع والأسرة على شخصية الطفل، تساهم الجينات الوراثية بشكل كبير في الموضوع، وتصبح شخصية الطفل في طور تنمية مناسب عند تحقيق التوازن بين طبيعة الطفل ومزاجه، وبين أسرته ومجتمعه، فعندما يلاحظ الأبوين سلوك معين من الطفل الصغير؛ يتساءلان عما سيصبح في المستقبل، لأن مزاجه هو الأساس في تنمية شخصيته.

لكن هذا المزاج لا يساهم بمفرده في الأمر؛ بل يتأثر بما سيتعرض له في حياته، فعلى الرغم من أن مزاجه يرتبط بيولوجياً، إلا أنه يتأثر بأول تجربة يتعرض لها، بذلك تتشكل الشخصية بشكل متوافق ومتوازن بين الصفات البيولوجية والصفات البيئية، فعلى سبيل المثال، إذا كان الطفل بطبيعته يحب المغامرة، ووالداه يأخذانه كل فترة لممارسة الصيد أو التسلق أو غيرها من الأمور التي يحبها ويجد نفسه فيها؛ سيساعده ذلك على تنمية شخصيته وتطوير أسلوب حياته، ففي ذلك سيحصل التفاعل بين التصرف البيولوجي والتجربة.

يؤكد هذا الأمر باري سشندر في دراسة له بجامعة كامبردج في انكلترا عام 2014، ويذكر أن الخصائص البيولوجية للطفل تتغير مع تغير الوقت، فالمولود لا يكون بدايةً قادراً على ضبط نفسه، فإن كان الطفل يبكي بشدة عند ولادته، فهذا لا يعني أنه سيصبح عصبي المزاج مستقبلاً، فقد يتغير بعد أن يشعر بالأمان من والديه.

كذلك مزاج الطفل يساهم في تطوير ذاته، تحقيق أهدافه، انخراطه في المجتمع، إحساسه بالمسؤولية وغيرها من الأمور التي تتأثر بالتصرفات البيولوجية، فيمكن صقل هذه التنمية من خلال التخلص من المزاج السيء بعد معرفة التصرفات البيولوجية ومعرفة علاجها، وبالتالي يستطيع بناء شخصيته وفقاً لكثير من صفاته ممزوجة بالتجربة.

خلاصة الأمر.. وكما ذكرنا، التنمية الاجتماعية والشخصية للطفل ترتبط بالتأثيرات الاجتماعية والبيولوجية عليه، فعندما ينمو الطفل ضمن بيئة مهيأة لتنشئته بشكل سليم؛ سيكون في المستقبل شخصاً قادراً على بناء ذاته اجتماعياً، قادراً على الشعور بذاته، تطوير هويته الشخصية، تطوير مواهبه والعيش لمغزى أخلاقي، وللتأثيرات البيولوجية دور كبير في ذلك، لكن الأمر الأكثر تأثيراً على الطفل هو البيئة الأسرية والاجتماعية من خلال تشجيعه وتنمية شخصيته النفسية والجسدية بفهمه لذاته وفهمه لجنسه الصحيح في مرحلة البلوغ، وثقته بذاته.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر