تأثر الشعر في فلسطين بالقرآن الكريم

يمتاز الشعر الفلسطيني بتأثره بسور القرآن.. والتأثر بقصصه وتراكيبه وإيقاع آياته
تاريخ النشر: 27/03/2017
آخر تحديث: 27/03/2017

البحر والصحراء حول اسمه العاري من الحرس، لم يعرفا جدي ولا أبناءه الواقفين الآن حول "النون" في سورة الرحمن، اللّهمّ فلتشهدْ ْ....

يقول الفيلسوف الفرنسي تيزفيان تودوروف: "لا يوجد تعبير لا تربطه علاقات بتعبيرات أخرى"، وعند الحديث عن العلاقة بين القرآن الكريم والقصيدة العربية، تحضر هذه المقولة بقوة، فكان لبلاغة الصورة، وجزالة التركيب في القرآن الكريم تأثيرها البيّن لدى كبار الشعراء العرب سواء من حيث التصوير أو التعابير أو من حيث تضمين القصص القرآنية بين سطور القصيدة.

هذا الأثر  الذي وصلت رياحه إلى بعض الشعراء الأوروبيين وعلى رأسهم الألماني فولفغانغ غوتيه، بلغ مبلغه لدى الشعراء الفلسطينيين، ليصوروا مأساة شعبهم، ويعكسوا صبره وثورته ونضاله، فلم يجدوا معيناً أعمق وأرحب من آيات القرآن الكريم، فاستلهموا منها الصورة واللفظة والعبرة، وفي كثيرٍ من الأحيان استلهموا من الآيات الكريمة جرس القصيدة وإيقاعها.

1

تأثير القرآن على صور الشعراء الفلسطينيين وإيقاع قصائدهم

يستنبط كثيرٌ من الشعراء أفكارهم وصورهم من آيات القرآن، ومعانيه وصوره، بالإضافة إلى التأثر بما ورد فيه من قصص عن الأنبياء أو ما جاء فيه من عبر وعظات، فيأخذها الشاعر إما بدون تغيير وبشكل مباشر بأن يضمنها في سطوره الشعرية ويطلق على ذلك اسم "التضمين"، أو أن يرسم صورةً على غرار صورةٍ وردت في آيات القرآن الكريم، ويوظفها في سياق مشابه لما أتت عليه في القرآن أو يوظفها في سياقٍ مختلف.

كما تأثر الشعراء الفلسطينيون بتراكيب القرآن الكريم وأحياناً بوقع الآيات، فوظفوا ذلك بأشعارهم دون الإشارة بشكل مباشر إلى الآية، ما أعطى القصائد إيقاعاً قوياً، وجرساً مؤثراً في أذن السامع، كما كان لتوظيف ألفاظ وتراكيب القرآن الكريم، بعداُ مساعداً في بلوغ القصيدة للمعنى الذي يريده الشاعر.

2

الشاعر الفلسطيني سميح القاسم

يستوحي سميح القاسم صورة البعث بعد الموت من آيات القرآن الكريم _ وهي من الصور كثيرة الورود في القرآن الكريم_ إذ يقرأ القاسم الأمل في قول الله تعالى: "والسَّلام علَيَّ يوم ولِدتُّ ويومَ أَمُوْتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّا"، وهذه الآية من سورة مريم، وفيها إشارة إلى عودة عيسى عليه السلام إلى الأرض، والأمل بما سيبعث من سلام، ومنها كان تأثر سميح القاسم، فتمنى بعثاً للحب بعد موته، وبذلك يربط الأمل باستمرار الحب والسلام وتجدده، فقال:

سلامٌ عليك

سلامٌ عليّا

على الحبّ يولد ثم يموت

سلامٌ عليه، و يبعث حيا

القاسم يستند إلى سورة يوسف وسورة الضحى

يَسْخر سميح من الأسس التي يبني عليها الإسرائيليون دولتهم، فكل ما فيها قائمٌ على الفساد، وفيها مباحٌ كل بغي لأن كل من تجتذبهم قتلة وسيئين، فيقول:

لأنها أمّارةٌ بالسوء

تستقطب القاتل والزاني والشائه والموبوء

تشهد بالزور على المغبون و الموجوء

وتنهر السائل وتقهر اليتيم

وتشتري بذهب العجل صكوك الصفح والغفران

وتفسد الضوء

وتهزم الإنسان في الإنسان

لأنها أمارةٌ بالسوء

لأنها في غفلة الزمان

ويستند في ذلك إلى عدة نصوص من القرآن الكريم، ففي المقطع الأول عندما أشار إلى أن إسرائيل أمارة بالسوء وتشهد بالزور على المظلوم، يشير إلى قصة النبي يوسف مع زوجة عزير مصر عندما راودته عن نفسه واتهمته بالسوء، لكن الفرق بين إسرائيل وزوجة العزيز أنها اعترفت بذنبها في النهاية، أما إسرائيل فهي عند القاسم لا تعترف بذنبها، والمقطع يستند إلى سورة يوسف الآية 52، والتي يقول فيها الله تعالى: {وما أبرّئُ نَفْسي إنّ النّفسَ لأمّارةٌ ٌ بالسّوء إلّا ما رَحِمَ ربي إنّ ربّي غفورٌ رحيمٌ}.

كما أن سميح يشير أن إسرائيل تفعل ما يخالف أمر الّله تعالى و الشرائع السماوية، فهي تقهر اليتيم وتنهر السائل وهو ما ساقه القاسم ليظهر أن اسرائيل تخالف قوله تعالى: {فأمّا اليتيمَ فلا تقهَرْ وأمّا السّائل فلا تنهرْ} (سورة الضحى). وليقيم دلائل على الباطل الذي تقوم عليه إسرائيل يجعل من ما كان يقدسونه ويعبدونه وسيلة اليوم ليشتروا صكوك الغفران، وبذلك يكون الاختلاف مع ما ورد في القرآن فقط في نهاية العجل فهي عند سميح كانت وسيلة لشراء المغفرة أما في القرآن فكانت نهايته التذرية والرمي في مياه البحر، ويقول الله تعالى في سورة الأعراف الآية 148 {واتّخَذَ قومُ موسى منْ بعدهِ منْ حُلْيِّهم عجْلَاً جسَداً لَهُ خوارٌ أَلمْ يَرُوا أنّهُ لا يُكَلّمْهُمْ وَلَا يهديهُمْ سَبِيلَاً اتّخذُوهُ وكَانُوا ظَالِمِيْن}.

القاسم يعيد معاني سورة المدثر

يدعو سميح القاسم إلى النضال والمقاومة ولو بأقل الإمكانيات، فيستعير في قصيدته ما جاء في سورة المدثّر، إذ قال تعالى يدعو النبي محمد عليه الصلاة والسلام، لينهض بعد نزول الوحي عليه وينذر من خرج عن شرائع الله ببئس العاقبة: {يا أَيّها المُدَثّر  قم فأَنْذِرْ وربَّكَ فكبِّرْ  وثيابَك فَطَهّرْ}، وفي ذلك يقول الشاعر سميح في قصيدته:

كل الذي أعرفه قربة مائي هذه وهذه الربابة

وكسرتا خبزٍ

وقبضةٌ من حشف البيد قبيل الغارة الأخيرة

خذها إذن وبشر

يا أيها المدثر

3

درويش يستقي صورة السنابل من سورة البقرة

يرى درويش أنه بموت ثائرٍ مناضلٍ واحدٍ ولادة آلاف المناضلين، فيأخذ الصورة من قوله تعالى في سورة البقرة: {مثل الّذينَ يُنفِقُونَ أَموالَهم في سَبيْلِ الّله كمثل حبةٍ أنبتت سبعَ سنابلَ في كلِّ سنبلةٍ مائةُ حبّةٍ والله يضاعفُ لِمَن يشَاء واللّه واسِعٌ عليمٌ}، فاستخدم درويش صورة الحبة التي تُنبت مئات السنابل، ليدل على استمرار المقاومة (درويش استعار فقط صورة السنابل وليس المعنى بحرفيته)، ولكن في قصيدته ضاعف عدد السنابل لتصل إلى آلاف السنابل، إذ قال:

ساعة الصفر دقت

وفي جثتي حبّةٌ أنبتت للسنابل

سبع سنابل وفي كل سنبلةٍ ألف سنبلة

درويش يستلهم قوة الإيقاع من سورة الانشقاق

يصف محمود درويش عودته إلى دمشق كفلسطيني يحمل في صدره الغضب والتمرد على محتليه، ويرى في دمشق ميدان مشاعره، ويظهر تأثر الشاعر _من حيث الإيقاع القوي_ بالآية الكريمة: {إذَا السّمَاءُ انشَقَّتْ}، فقال:

أنا ساعة الصفر دقت

وشقّت

خلايا الفراغ على سطح هذا الحصان الكبير الكبير

المحاصر بين المياه والمياه

وأيضاً استخدام لفظة شقت التي استعارها من الآية الكريمة، والتي تشير في الآية إلى قيام الساعة، ليشير أن أيضاً نضاله ضد محتله دقت ساعته التي ستكون أشبه بالقيامة، فالتأثر هنا كان بالإيقاع، وأيضاً باستعارة لفظة شقت وما تعنيه من وقوع الساعة.

4

في قصيدة العودة عيسى يستعير التركيب والإيقاع

في قصيدة العودة يستعير الشاعر الفلسطيني سعيد عيسى تركيب سبع سمواتٍ طباقاً، من الآية الكريمة: {أّلّمْ تَروا كَيْفَ خَلَقَ الّله سَبَعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقَاً}، كما أن الشاعر يستعير جرس وإيقاع الآية الكريمة، إذ قال:

يروم العيشَ في دعةٍ ويسر......فلو قلت: البدار لما أطاقا

مضينا نحن بالسفساف نلهو.....وناطح غيرنا السبع الطباقا

5

الإيمان بالنصر رغم قلة العدد

من الشعراء الفلسطينيين من كان لديهم إيمانٌ بالنصر رغم عدم تكافؤ القوى سواء في العدد أو في العتاد، وكان لهؤلاء الشعراء ما يروي إيمانهم، وهو ما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم، كيف نصر أمةً قليلة العدد على الجحافل والجيوش الجرارة، فهذا الشاعر الفلسطيني محمد العدناني يشحذ همة المقاومين ويبعث فيهم الأمل والتفاؤل في الانتصار حتى لو كان عدوهم أكثر عدداً وعتاداً، مستحضراً قصة معركة بدر وكيف انتصر المسلمون على أعدائهم رغم قلة عددهم، وبذلك يأخذ الصورة من سورة البقرة، إذ قال تعالى: {كمْ من فئةٍ قليلةٍ غَلَبَتْ فئةً كثيرةً بإذن اللّه واللهُ معَ الّصابِريْن}، وبذلك يقول محمد العدناني:

يذودون بالأرواح ذوداً عن الحمى.....ولا حيّ منهم في جسمه ندبُ

إذا قذفوا في جيشٍ عرمرمٍ.....تداعى جناحاه ولم يثبت القلبُ

وكم فئةٍ كبرى تبدد شملها...ودبّ بإذن الله في روعها الرهبُ

الحق ينصر المقاومين كما نصر النبي موسى

يستحضر الشاعر محمد العدناني قصة النبي موسى أمام سحرة الفرعون، وكيف أظهر الله الحق بين يديه عندما ألقى عصاه فتحولت إلى أفعى تسعى، تتغلب على حجج السحرة وثعابينهم، متأثراً بقول الله تعالى: {وألقِ مَا فِيْ يَمِينِكَ تلقَفْ مَا صَنَعُوا إنّمَا صَنَعُوا كَيْدَ سَاحرٍ ولَا يُفْلِحُ السّاحرُ حَيْثُ أَتَىْ}، فيدعوا الشاعر المقاومين لمقارعة الاحتلال، وإن الحق سيكون ناصرهم، فقال:

ألقوا عصا الحقِّ تلقف إفك ما زعموا...وإن يكن عندهم مليون ثعبان

وأبطلوا كيدهم لله دركم....وأنذروهم بتشتيت وحرمان

6

المناصرة يهزأ بالمتخليّين مستحضراً قصة موسى عليه السلام

كان للشعراء الفلسطينيين موقفهم ممّن تخلّى عنهم وعن قضية شعبهم وعلى وجه الخصوص الأنظمة العربية، فيقسّم الشاعر عز الدين المناصرة المتخليين إلى فريقين، فريقٌ قدم له العزاء المنمق، كمحاولة لجعله ينسى الوجع دون تحريك ساكن، وفريقٌ سخر بفجاجة ورأى أن يذهب الشاعر ليقاتل بذاته معتمداً على ربه، فيقول:

طفت المدائن بعضهم قذف القصائد من عيون الشعر

والآخرون تنكّروا

"اذهب وربّكَ قاتِلا"

وكأنهم ما مرّغوا تلك الذقون على موائدي

والّله لا يذهب ملكي باطلاً

والله لا يذهب ملكي باطلاً

واستند الشاعر في ذلك إلى ما حصل مع النبي موسى عندما أراد الدخول إلى فلسطين وطلب من بني اسرائيل الدخول معه احتكاماً للأمر الإلهي بالجهاد، فسخروا منه ورفضوا ذلك، فقال تعالى في سورة المائدة الآيتين 25 و 26: {قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعِدون}.

الله يرمي مع المقاومين

يرى الشاعر عز الدين مناصرة في الحجر الذي هو سلاح الفلسطينيين، أنه يمكن أن يقارع الأعداء، ليس لقوةٍ خافية في الحجر بل لأن الله ينصر أصحاب الحق، ويأخذ بيدهم إلى النصر، فقال:

وما رميتُ إذ رميت لكن الله رمى...حجراً في وجه جنديٍّ

وفي ذلك إشارة إلى سورة الأنفال الآية 2 إذ قال تعالى: {فلم تَقتُلُوهُمْ ولكنَّ الّلهَ قَتَلَهُمْ وما رميت إذ رميتْ ولكنّ الّله رمى ولِيُبْلىَ المُؤمنينَ منهُ بلاءً حسناً إنَّ اللّهَ سميعٌ عليمٌ}.

7

البرغوثي يفدي زيتون البلد الأمين

يسترجع تميم البرغوثي في قصيدة "نفسي الفداء لكل منتصرٍ حزين" قداسة الزيتون والعمق التاريخي لغزة، مستنداً في التركيب والتصوير إلى ما جاء في سورة التين، إذ قال تعالى: {والتّينُ والزّيْتُيونُ وطُوْرُ الّسينِيْنَ وَهَذَا البَلَدُ الأَمِيْنُ}، فقال تميم واصفاً فشل محاولات الأعداء الذين لا يقيمون قدراً لطهارة الأرض وقداسة الزيتون فيه، فلن تفلح كل محاولاتهم:

نفسي الفداء لعرق زيتون من البلد الأمين

أضحى يقلص ظله، كالشيخ يجمع ثوبه لو صادفته بِرْكَةٌ في الدرب

حتى لا يمر مجندٌ من تحته

ويقول إن كسرته دبابتهم في زحفها نحو المدينة

لا يهم، على الأقل فإنهم لن يستظلوا بي

وتلك نبوءة

قد كان يفهمها الغزاة من القرون السابقين

هذي بلاد الشام

كيف تقوم فيها دولة ربَّت عداواتها مع الزيتون يا حمقى.

أخيراً... لم تكن تلك القصائد إلا جزءاً بسيطاً من القصائد التي عكست معاني القرآن وسوره، إذ أن الشعراء في كل حالات اليأس أو الأمل والفرح أو الحزن، يجدون في القرآن معيناً لا ينضب من الصور والأفكار والرموز كما العظات، فينهلوا منه ليشدوا أطناب قصائدهم ويعمقوا معانيها ويزيدوا بلاغتها وإيضاحها، وفي القرآن إلى الآن صورٌ ورموزٌ وقصص تعادل أو تزيد على ما ذكره الشعراء، في مختلف مراحلهم.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر