يوم الأرض الفلسطيني

يوم الأرض إحياؤه.. أحداثه.. دور الأرض في حياة الفلسطينيين

الكاتب:
تاريخ النشر: 30/07/2016
آخر تحديث: 31/07/2016
في الثلاثين من مارس من كل عام يحيي الفلسطنيون ذكرى يوم الأرض، إحياء للشهداء الذين سقطوا دفاعا عن أرضهم في عام 1976

صحيح أن نكبة 1948 تسببت بهجرة آلاف الفلسطينيين إلى دول الجوار، لكن صحيح أيضاً أن الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين المتبقين من قتل وتعذيب لم تفلح في دفعهم للرحيل عن الأراضي التي احتلتها إسرائيل وأقامت عليها دولتها.. بل على العكس أصبحوا منغصاً لسلطات الاحتلال وصوت حق يخرج دائماً مذكراً السلطات أن هذه الأراضي عربية فلسطينية ولن تكون اسرائيلية في يوم من الأيام.

(الأرض كالعرض) مثل عربي قديم، يشير هذا المثل إلى تمسك العربي بأرضه باعتبارها كنز دفين، ومعين له على ملمات الدهر.

إحياء يوم الأرض الفلسطيني

يحيي الفلسطينيون داخل فلسطين وخارجها يوم الأرض في الثلاثين من شهر آذار/مارس كل عام، تخليداً وتكريماً للشهداء الذي سقطوا نتيجة القمع الإسرائيلي للمتظاهرين في عام 1976 والمحتجين على مصادرة أراضيهم، وذلك من خلال تنظيم المظاهرات رافعين الأعلام الفلسطينية كذلك المهرجانات الخطابية التي تتحدث عن الأرض الفلسطينية وتاريخها وأهميتها، مستذكرين المساحات الكبيرة التي سيطر عليها المستوطنون الصهاينة منذ بدء هجرتهم إلى فلسطين ومطالبين باستعاد هذه الأراضي.

ويقول عضو الكنيست الإسرائيلي (وهو نائب في البرلمان الإسرائيلي المسمى (الكنيست) له دور في تشريع القوانين والرقابة على الحكومة) عن القائمة العربية المشتركة أحمد الطيبي أثناء مشاركته في مظاهرات يوم الأرض في عام 2015: "يوم الأرض يرمز أكثر من أي شيء إلى التمييز ضد الأقلية العربية، والتي سوف تستمر في الكفاح من أجل حقوقها الأساسية، ونحن نحني رؤوسنا للشهداء الذين سقطوا في عام 1976 ونستمر في جعل أصواتهم مسموعة".

ويشمل إحياء يوم الأرض كل الفلسطينيين سواءً داخل فلسطين أو خارجها ولاسيما في الدول التي يتجمع فيها عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين كسورية ولبنان والأردن، وعلى الرغم من استمرار إسرائيل في مصادرة الأراضي، وعلى الرغم من مرور أربعين عاماً على هذا اليوم ما تزال إسرائيل تستنفر وتقمع الفلسطينيين الراغبين في إحياء هذا اليوم.

أحداث يوم الأرض الفسلطيني

تعود قصة يوم الأرض إلى الثلاثين من شهر آذار/مارس عام 1976، حيث قام الفلسطينيون بإضراب عام ومظاهرات امتدت من الجليل إلى النقب، وذلك احتجاجاً على قرار السلطات الإسرائيلية الحتلة الصادر في التاسع والعشرين من شهر آذار/مارس عام 1976 والقاضي بمصادرة 20 ألف دونم من أراضي الفلسطينيين في الجليل وإعطائها للمستوطنين الصهاينة، وذلك ضمن مخطط لإكمال تهويد منطقة الجليل تحت مسمى (تطوير الجليل).

وقد ترافق هذا القرار مع إعلان الحكومة الإسرائيلية حظر تجول في قرى سخنين، عرابة، دير حنا، طرعان، طمرة، حيث قام الزعماء الفلسطينيون كرئيس بلدية الناصرة توفيق زياد بدعوة الناس للاحتجاج والإضراب العام (التوقف عن ممارسة أي نشاط اقتصادي سواء زراعة أو صناعة أو تجارة وإغلاق كافة المصانع والمعامل والشركات) في اليوم التالي أي الثلاثين من آذار/مارس فكانت النتيجة مظاهرات ضخمة ضمت كل فئات الفلسطينيين كباراً وصغاراً، معلمي مدارس وطلاب، إضافة لأصحاب الحرف وعمالها، فما كان من السلطات الإسرائيلية المحتلة إلا مواجهة هذا الإضراب بالعنف مما أدى لاستشهاد ستة فلسطينيين وإصابة واعتقال المئات.

ويعد هذا اليوم هو اليوم الأول الذي ينظم فيه الفلسطينيون المقيمون في داخل الخط الأخضر (الأراضي المحتلة في عام 1948) مظاهرات واحتجاجات ضد الحكومة الإسرائيلية، نتيجة الحكم العسكري والفقر والعزلة التي عانى منها الفلسطينيون.

ولم تقتصر المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي التي احتلتها عام 1948 ودخلت ضمن حدود كيانها، بل شملت الأراضي العربية التي احتلتها في نكسة حزيران عام 1967، أي سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، حيث أزالت إسرائيل ثماني عشرة مستوطنة من سيناء المصرية قبل إعادتها لمصر في عام 1982، كما أزالت المستوطنات من قطاع غزة بعد فك الارتباط به في عام 2005، في حين بقيت المستوطنات في باقي المناطق المحتلة.

وتعتبر الأمم المتحدة بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة في عام 1967 غير قانوني، كما أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً في عام 2004 أكدت فيه عدم شرعية المستوطنات وجدار الفصل العنصري في الأراضي العربية المحتلة في عام 1967.

الأرض وسيلة أساسية للعيش لدى الفلسطينيين

لطالما شكلت الأرض مصدر دخل لمن يعمل بها، وهذا ما ينطبق على الفلسطينيين الذين كان معظمهم يعتمد عليها كمصدر للدخل قبل قيام دولة إسرائيل، وبعد نكبة 1948 ونزوح آلاف الفلسطينيين بقيت قيمة الأرض مهمة لدى من تبقى من الفلسطينيين في الأراضي التي أقامت عليها إسرائيل دولتها.

وفي عام 1950 تبنت الحكومة الإسرائيلية قانون العودة لتسهيل الهجرة اليهودية إليها واستيعابهم ضمن حدودها، كما سنت قانون أملاك الغائبين والذي ينص على مصادرة أراضي الفلسطينيين الذين نزحوا إثر نكبة فلسطين تمهيداً لتسليمها إلى اليهود الجدد القادمين من شتى أصقاع الأرض.

إسرائيل وذكرى يوم الأرض

طالما كان هناك حديث عن محاولة إسرائيل تشويه أحداث يوم الأرض من خلال إدراج الصورة التي تريد ترويجها في مناهج الطلاب العرب من فلسطينيي 1948، إلا أننا لم نستطع تأكيد ذلك من خلال مصدر موثوق كما نفاه أكثر من باحث في الشؤون الإسرائيلية، وفي معرض حديثنا نذكر أن إسرائيل من الدول الموقعة على اتفاقية مناهضة التمييز في مجال التعليم، وصدقت عليها في عام 1961، ومع ذلك، تميز في التعليم بين الإسرائيليين والعرب الفلسطينيين حيث ذكر تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2001 أن الطلاب في المدارس العربية التي تديرها الحكومة تلقى التعليم المتدني نظراً لعدد أقل من المعلمين، وعدم كفاية بناء المدارس، وعدم وجود المكتبات والأماكن الترفيهية.

وفي عام 2007 أعلنت وزارة التعليم الإسرائيلية خطة لزيادة تمويل المدارس في المجتمعات العربية، على أن يتم تخصيص أموال للأسر العربية ذات الدخل المنخفض كي تتمكن من تعليم أبنائها، كما أعلنت وزارة التربية والتعليم في نيسان/أبريل 2010 أن المنهج المقترح للعام الدراسي القادم لن تشمل التربية الوطنية والقيم الديمقراطية أو التعايش اليهودي العربي، بل التركيز أكثر على القيم الصهيونية واليهودية.

وتسعى الحكومة الإسرائيلية للسيطرة على المناهج الدراسية لمنع الطلاب الفلسطينيين واليهود من معرفة ما حدث في نكبة فلسطين عام 1948 وطرد الفلسطينيين من منازلهم وأراضيهم داخل إسرائيل الحالية، كما أصدر البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) قانوناً في عام 2010 يحظر إحياء ذكرى النكبة في المناهج الدراسية أو الكتب المدرسية في محاولة لمنع جميع الطلاب الإسرائيليين من معرفة الحقيقة عن أصول البلاد كدولة فصل عنصري قائمة على التطهير العرقي.

ومن خلال البحث لاحظنا أن هناك بعض الأحزاب اليسارية تشجع إدراج أحداث يوم الأرض والانتفاضات الفلسطينية في المناهج التعليمية بهدف تصوير ما حدث على أنه إرهاب فلسطيني وإقناع الجيل الفلسطيني الجديد أن إسرائيل بلد غير محتل.

وفي عام 2013 قام بعض الأساتذة العرب بإعطاء دروس عن يوم الأرض الفلسطيني في المدارس العربية من ضمن نشاطات يوم الأرض لأن إسرائيل لم تدرج أحداث يوم الأرض في المنهاج التعليمي، مما عرضهم للاعتقال من السلطات الإسرائيلية التي تحاول الترويج أن ما حدث في يوم الأرض كان إرهاباً فلسطينياً وليس إسرائيلياً.

يوم الأرض في عيون شعراء وأدباء من فلسطين

كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصيدة (الأرض) عام 1976، وهذا مقطع منها:

أنا الأرض.. يا أيّها الذاهبون إلى حبّة القمح في مهدها.. احرثوا جسدي ..!

أيّها الذاهبون إلى صخرة القدس .. مرّوا على جسدي

أيّها العابرون على جسدي .. لن تمرّوا

أنا الأرضُ في جسدٍ .. لن تمرّوا

أنا الأرض في صحوها .. لن تمرّوا

أنا الأرض. يا أيّها العابرون على الأرض في صحوها

لن تمرّوا .. لن تمرّوا .. لن تمرّوا!

كتب الشاعر سميح قاسم قصيدة عن يوم الأرض في عام 1976 قال في جزء منها:

يا أمنا الأرض أبشري واستبشري .. مازال يحرس عرضك الأبناء

لك إن عطشت من العروق موارد .. وإذا عريت من الجسوم كساء

عربية كانت .. وتبقي أرضنا عربية .. وليصخب السفهاء

كتب الشاعر  توفيق زياد قصيدة عن يوم الأرض، هذا جزء منها:

كأننا عشرون مستحيل ... في اللد والرملة والجليل

هنا…… علي صدوركم باقون كالجدار

وفي عيونكم زوبعة من نار

كتب الشاعر  نزيه حسون قصيدة في يوم الأرض عام 1976، قال في جزء منها:

دعي الأحزان يا أمي وغذيني بعشق الأرض يزهر في شراييني

قفي أماه رغم الجرح شامخة وردي القهر عن زرعي وزيتوني

أنا أرض ، أنا شجر، أنا زرع دم الزيتون بعضا من شراييني

كتب الشاعر معين بسيسو قصيدة الأرض في عام 1984، وألقاها بمناسبة يوم الأرض في نفس العام، نختار منها هذا المقطع:

تفاجئني الأرض  أن الشجر

يخبئ أسلحة والقمر .. يقوم بطبع المناشير

يا نجمة في الجليل .. ويا تينة في الخليل

تفاجئني الأرض

إن أكف الصبايا .. مرايا .. وكف الشهيد ، بحجم السماء

قال الأديب غسان كنفاني بمناسبة يوم الأرض "لنزرعهم شهدائنا في رحم هذا التراب المثخن بالنزيف…… فدائما يوجد في الأرض متسعٌ لشهيد آخر".

كما عرض فيلم سينمائي بعنوان (يوم الأرض) في عام 1978، يروي ما حصل في هذا اليوم، وهو من إنتاج مؤسسة صامد (وهي مؤسسة اقتصادية تأسست عام 1976 تتبع لمنظمة التحرير الفلسطينية)، والإخراج لغالب شعث، حيث اعتبر هذا الفيلم سفيراً للسينما الفلسطينية، خاصة بعد فوزه بجائزة "الحمامة الذهبية"، من "مهرجان لايبزغ"، في العام 1978، وهو أحد أهمّ المهرجانات السينمائية التي تهتم بالأفلام الوثائقية في العالم.

في الختام.. أن تحارب عدوك في أرضك صعب ولكن ليس مستحيل.. هذا ما أثبته فلسطينيو 1948 الذين بقوا في ديارهم يعملون في أرضهم رافضين التخلي عنها لصهاينة جاؤوا من أصقاع الأرض ليأخذوها من دون تعب أو عناء، وإحياء هذا اليوم من كل عام رسالة للعالم مفادها أن الفلسطينيين لا يتنازلون عن أرضهم ومستعدين لدفع دمهم ثمناً للحفاظ عليها.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر