الشعر البدوي (النبطي) من الحضر إلى البادية

تسمية الشعر النبطي أو الشعر البدوي.. نشأته.. وأهم أساليبه الشعرية، وأنواع الشعر النبطي
تاريخ النشر: 25/03/2017
آخر تحديث: 01/07/2017

هناك من ينسب الشعر النبطي إلى الأديب الأصمعي، والسبب في ذلك أنه كان أكثر الناس حفظاً وروايةً للشعر النبطي، إذ كان يحفظ عشرة آلاف إرجوزة (من أنواع الشعر النبطي)، جمعها خلال رحلته إلى البادية، واستغرقت معه عقداً ونصف من عمره.

تأخرت ولادة الشعر النبطي (البدوي) عن غيره من الشعر العامي الحضري، فالبادية النائية وطبيعة البدو لعبت الدور في ذلك، لكن ما لبث أن ولد لديهم الشعر العامي بأوزانه وأشكاله وأنواعه.. التي لا تقل في الأهمية عن الشعر الفصيح، وبشكلٍ كبير كون البدو حافظوا على فصاحتهم ولغتهم الجزلة الصحيحة بحكم عيشهم في البادية، فكان أن أصبح لشعرهم مزاياه الخاصة به، و له قيمٌ يشبعوه بها آخذين إياها من حياتهم و تعاملهم، فصارت القصيدة البدوية أو النبطية ميداناً يفتح فيه الشاعر البدوي نوافذه على خوالجه و تقاليده، ثم اتسع هذا الميدان ليصله الشعراء من مختلف مناطق الوطن العربي، مستخدمين نفس الأساليب والأوزان وأحياناً المفردات الجزلة، ليعبروا عن مكنونات ذواتهم.

1

الشعر النبطي فرع من الشعر العامي

يعتبر الشعر النبطي فرعاً من الشعر العامي، وإن كانت ظروف نشأة الشعر النبطي تختلف عن ظروف نشأة الشعر العامي الحضري من حيث المكان والزمان والخصائص، على الرغم من اتفاقهما في العوامل التي أدت إلى ظهور كل منهما وهي العوامل التي أدت إلى تغيير اللسان العربي وتحوله من الفصحى إلى العامية؛ ما أدى إلى نشوء آداب عامية، وكان أهم هذه العوامل مخالطة الأعاجم من غير العرب، والذين دخلوا في الإسلام وشاركوا العرب حياتهم الجديدة.

تعتبر البادية هي مكان ولادة الشعر البدوي أو النبطي وإن جاء متأخراً عن نشوء الشعر العامي الحضري، نظراً لانعزال البادية وبعدها عن التأثر بالأعاجم سواء من حيث المكان أو من حيث طبيعة البدو الذين يميلون إلى التمسك بالقديم والمحافظة عليه وينفرون من التجديد والبدع، وكانت البادية البيئة الفعلية لولادة الشعر البدوي (النبطي) في القرن الرابع الهجري وبدايات القرن الخامس الهجري، وإن كان الدكتور شوقي ضيف يختلف مع هذه الرؤية، إذ يقول: "أخذ الشعر النبطي يشيع في منطقة الجزيرة منذ القرن الثامن الهجري أو لعله أخذ يشيع قبل ذلك بقرن".

ولد في الخليج العربي وانتقل إلى مناطق أخرى

كانت منطقة الخليج العربي وأطراف منطقة نجد المتاخمة للحواضر العربية في العراق هي أول مكان شهد ولادة الشعر النبطي، حيث تسرب منها ووصل إلى قلب الجزيرة العربية، فأثرت تلك المناطق على مناطق البدو القريبة، كما أن قرب تلك المناطق (نجد والخليج العربي) من أمتين من أمم الأعاجم وهما الفرس والنبط، كان له تأثير على تغير اللسان العربي الفصيح، وتحول الشعر إلى الشعر العامي البدوي.

أما تسمية الشعر البدوي العامي باسم النبطي، فهو نسبةٌ إلى الأنباط الذين كانوا يستوطنون سواد العراق، وكما ذكرنا كان لهم أثر في تغيير اللسان العربي الفصيح في كل من نجد ومناطق الخليج العربي، ومن ثم انتقل هذا التأثير إلى شعر سكان المناطق البدوية و أطلق عليه عدة تسميات كالشعر البدوي والشعر العامي، لكن مع اختلاف التسميات أو التوصيف فإنه لا يوجد اختلاف فان منطقة البادية والخليج العربي هي أولى المناطق التي ولد فيها الشعر النبطي، ومن ثم بدأ ينتشر في مختلف أنحاء الوطن بتحريفات للمسمى و الأنواع، وحقيقة الأصل والنشأة أو الخلط بينه وبين أنواع أخرى كالشعر الحميني الذي انتشر في منطقة اليمن، وهو أيضاً شعرٌ عامي.

2

أساليب الشعر النبطي

أخذت التسمية من الغطو والإخفاء، فإذا أراد الشاعر أن يقول ما لا يرغب في أن يعرفه الجميع من السامعين، فإنه يعمد إلى إخفاء معناه خلف صورة خارجية تغطيه وتعمي عنه العيون، وقد سميت هذه الطريقة بين الشعراء بالغطو وجمعها غطاوي، ومثالاً على حب الشاعر للجوء إلى الغطو، ما قاله الشاعر الإماراتي محمد علي الكوس موضحاً رغبته في اللجوء إلى الغطو لإخفاء اسم محبوبته، فقال:

واكتُب حروف الهجو خافي ... درسعي والجمّل إحْمايه

وإن شكيت اشكو لعرّافي ... شاعرٍ وحيده كفايه

له فسر في الدال والقافي ... فاهمٍ ويعرف كفايه

للغطو ثلاثة أنواع

عرف الشعراء النبطيون ثلاثة أنواع للغطو، وهي كالتالي:

  • الدرسعي: وهو ناتج عن ربط حروف الهجاء كل حرفين مع بعضهما، وينوب كل حرف عن الثاني في حالة وروده في القصيدة، أي إذا ذكر أحدهما فالمقصود هو الثاني، وقد قسمت الحروف كالتالي:

(كم، أو، حط، له، في، در، سع. بز، خش، تذ، نق، ثج، ظغ)، ومن هنا يتضح أن تسمية الدرسعي جاءت من تتالي "در" و"سع" في التقسيم السابق، وفي الدرسعي إذا ذكر الشاعر حرف الكاف فهو يقصد الميم والعكس صحيح، وكمثال على استخدام الدرسعي للتورية والإخفاء، إذا كان اسم محبوبة الشاعر نوره (على سبيل المثال) فإنه يوردها في القصيدة بذكر حروف القاف والألف والدال واللام، أي تظهر وكأنه يريد القول قادل، لكن وفق الدرسعي هي نوره وهو اسم محبوبته.

  • الريحاني، فيه يرمز الشعراء إلى كل حرف من حروف الهجاء باسم كائن من الكائنات يبدأ بنفس الحرف، فإذا ورد اسم ذلك الكائن أو اسم شيء من فصيلته، وقد لا يكون فقط كائن حي فربما يكون شيء، فإن الشاعر يكون قد قصد ذلك الحرف الهجائي المعين، وبتجميع الحروف الهجائية على هذه الشاكلة يتكون الاسم الذي يقصده الشاعر. مثال قول الشاعر فارس السبيعي:

غيمٍ غطى ساس السمك فوق رجال ... ونجمٍ تعلّى في سماه يتلالا

ويكون الشرح لأسلوب الريحاني كالتالي: الغيم تدل على حرف الغين، والسمك حرف السين، ورجال (أبناء آدم، في الريحاني أودم) وتشير إلى حرف الألف، وكلمة نجم تشير إلى حرف النون، وبجمع تلك الحروف يظهر أن الاسم الذي يقصده الشاعر بالمدح هو غسان.

  • حساب الجّمل: تدور فكرة الجمّل حول إعطاء كل حرف رقماً، فإذا ذكر الرقم دلّ على الحرف وإذا ذكر الحرف دل على الرقم، ويكون الترتيب في الجمّل كالتالي:

الأرقام وزعت على عبارة: أبجد هوز، حطي كلمن، سعفص، قرشت، ثخذٌ، ضطغٌ، والأرقام وزعت على النحو التالي:

(أ،1)، (ب،2)، (ج،3)، (د،4)، (هـ،5)، (و،6)، (ز،7)، (ح،8)، (ط،9)، (ي،10).

(ك،20)، (ل،30)، (م،40)، (ن،50)، (س،60)، (ع،70)، (ف،80)، (ص،90)، (ق،100)، (ر،200)، (ش،300)، (ت،400)، (ث،500)، (خ،600)، (ذ،700)، (ض،800)، (ظ،900)، (غ،100).

ومثال على استخدام أسلوب حساب الجمل للإخفاء، قول الشاعر الإماراتي راشد بن طناف:

مزملي فيه الاسم ضاحي ... أربعين ودال مسطورة

وا عشره والكاف منزاحي ... ما لقى عن العشره دوره

يا خميس السد لك باحي ... بمعناي وفيك مقدوره

فقول الشاعر أربعين، يعني بحساب الجمّل حرف الميم، وقوله دال، يعني بالدرسعي حرف الراء، وقوله عشره يعني حرف الياء، وأيضا قوله الكاف يعني بالدرسعي حرف الميم، وبجمع هذه الحروف سيظهر أن اسم المحبوبة الذي يغطيه الشاعر هو "مريم".

أسلوب الألغاز يرتبط بمكانة الشعر النبطي

إن فن أو أسلوب الألغاز يرتبط بمكانة الشعر النبطي الاجتماعية، إذ أنه يحتل مكانة مرموقة في مجالس القوم ومسامراتهم، يتداولونه فيما بينهم للتسلية والامتاع، كما يتداولونه كنوع من الثقافة، لأنه يختزن الأحداث الماضية والحاضرة، ويتضمن ما يدور في المجتمع من محاورات الشعراء، وقد تنوعت أغراض الشعراء من استخدامهم لأسلوب الألغاز، فمنهم من استخدمه للتسلية، ومنهم من قالها تحدياً لمعلومات وثقافة وسرعة بديهة شاعر آخر، ويعتمد نظم شعر الألغاز إلى مقدرة ومعرفة واسعة، فيجب أن يملك إضافة إلى المعرفة القدرة اللغوية التي تمكنه من صياغة ما يريد أن يخفيه ويواريه حتى يكون لغزاً قوياً، وبنفس الوقت ألا يكون بالغ التعقيد، ومن أمثلة ذلك ما قاله الشاعر الإماراتي سالم الجمري في لغزٍ طويل:

يا شْعَرا ذا الوجِت والعصرا ... عاش من بالرد لي قامي

عن بيوتٍ من زمن دهرا ... لا بَيْدَاد أو لاهِهن جدامي

كمَّلن ألفين في الهجرة ... وامْكَثِن عامٍ على عامي

هُوب من طين ولا صخرة ... ما بَسْبال ولا هن خيّامي

ما يدفْنَك عن السبرا ... ولا يردِّنْ شمسٍ ولا سهامي

ما سكنهن حدْ من البشرا ... ولا خّلّنْ من سّكّنْ لِكرامي

شرح المفردات:

الوجت: الوقت، قامي: قام ونهض، لا بيداد: ليست جديدة، جدامي: قديمة بقلب القاف جيماً، هوب: ليست، ما بسبال: ليست بأعواد ذرة، السبرا: البرد، فالشاعر يريد بلغزه هنا بيت الشِّعر ويفارق بينه وبين بيت الشَّعِر أو الخيمة.

أسلوب القصة الشعرية

استخدم الشعراء النبطيون الأسلوب القصصي في الشعر، لسرد القصص التي يريدونها، وقد اختلفت مصادر القصص، فإما أن تكون قصصاً شعبيةً، أو أساطيراً يعيد روايتها الشاعر بقصيدته، وقد تكون قصة حصلت مع الشاعر نفسه فيعيد نظمها في قصيدته، ومن ذلك ما قالته إحدى الشاعرات البدويات وهي بنت صنيتان بن راجح شيخ البدارين، وفي القصيدة تصف حالها بعد أن زوجها أبوها لأحد الحضر، فلم تطيب لها حياة القصور، فصارت تحكي قصتها وهي في قصر زوجها، وتقول:

يا من لقَلبٍ كَنْ بداخله دار ... نارٍ لها بمصفلقات الهبايب

عسى وطنهم ما تسقيه الامطار ... حطّون فيها وأصبح الراس شايب

صكوا عليه بين ضلعان واجدار ... مثل الربيط اللي بعيد القرايب

يا من يدني لي من الزمل مذعار ... اشقح من القعدان مشيه نهايب

3

قصيدة يا هاجري محمد آل مكتوم

يصف الشاعر محمد بن راشد آل مكتوم (رئيس مجلس الوزراء، وحاكم إمارة دبي)، حاله مع محبوبته التي هاجرته، فهو يحبذ العذاب الذي يتجرعه من حبها وسحرها، فقال:

ليش العتاب وانت الذي دومك معي في خاطري ... يا صاحب الليل الذي إذا تحدّرْ تمنعه

في مهجتي من كلْمتك أوهام حلم شاعر ... ما اقدر على وصفه ولا أقدر بأنّي أمنعه

غَنّي معي قولي إلي عندك صناعة ساحر ... وانته على ما تشتهي قولٍ تودّه تسمعه

قلبي ترى ما يحكمه منظر غَزالٍ نافر ... لو كان وصله صاحبي من دون ذنبٍ يقطعه

يا هاجري، أحلى الصور عندي بقت يا هاجري ... يتبَعْك قلبٍ صاحبه من حبكم ما هو معَه

من هو يساعدني على حَظٍ ردي عاثرِ ... ما هجوتي اللّه يغيّر لي فؤادي ضَيّعه

فيك السّحرِ منْك الغلا كلّه بدا في ناظري ... عَيّت عيوني كّلما زوله تبدّى تشبعَه

أرعى البروق أشوفها ماضي وطلعةحاضرِ ... بَراّق من صوبك بدا وانا ونوقي نتبعَه

عيونك اللّي شقوتي، تقول أنّك آسري ... يا آسري بعد الضّرر لا ما أريد المنفعه

محمد بن راشد متغزلاً

يصف الشاعر محمد آل مكتوم دهشته في الفتاة التي خطفت لبه بسحرها وجمالها الذي يكاد يكون كاملاً، فقال:

اذهلتني يوم صوبي مقبله ... شفت موتي بين غدران و ظلال

لو بلّف الكون كلّه بأكمله ... البسيطه متن وسهول و جبال

ما رأت عيني جمالٍ يخجله ... من جماله يختجي الكون الجمال

التدلّل من دلاله دلّله ... فيه مدلول الجمال بلا دلال

جل من صور جماله وكمّله ... كاملٍ حسنه وللّه الكمال

حامد زيد والحكمة في قصيدة الجمهره

يقدم الشاعر حامد زيد في قصيدة الجمهره (شاعر كويتي وعضو في ديوانية الشعراء النبطيين)، نصائحاً من خلال خبرته وتجربته، فيقول:

إي بالله أخطو والخطا اللي جابهم عين الصواب ... مبطي وأنا أشوف الطمع يكشف زادهم وأستره

مايملي عيون الحسود بهالزمن غير التراب ... ومن لايتوب من الخطا تحرم عليه المعذرة

اللي من أولها خراب أكيد تاليها خرابو ... البندق اللي ماتثور بهدفها تذعره

ودك ليا من جاتك الغلطة من الناس القراب ... الصاحب اللي ماكسبت محبته ماتخسره

مشكلتي إني ماعرفت أحسب لصدتهم حساب ... قلطتهم صدري على ذكرى قصيد وحنجرة

صوتٍ يصول منبره وخطاب مامثله خطاب ... والطيبة اللي زعزعت صوت الخطيب ومنبره

ما في دمعٍ صوبوه أحبابي بوجهي وخاب ... ولا زرق حزني على غالي ولا فج أنحره

أخيراً... ولد الشعر النبطي في البادية، ومنها انتشر في مختلف أنحاء الوطن العربي، محافظاً على أشكاله وأوزانه والعديد من أساليبه، وإن كان الاختلاف من حيث جزالة المفردات وهو ما فرضه تطور الحياة والمجتمع.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر