الموشحات الأندلسية

نشأة الموشحات الأندلسية.. عروضها.. أغراضها وأشهر بيوت شعر الموشحات الأندلسية وشعرائها
تاريخ النشر: 18/02/2017
آخر تحديث: 18/06/2017

يرى المستشرق الإسباني "إيليو جارثيا جومث" أن الموشحات تضمنت عناصر عربية أصيلة، وفي بنائها الفني تشابه كبير مع بناء المسمطات واﻟﻤﺨمسات (أنواع درجت على الشعر العربي، تتنوع قوافيها في القصيدة الواحدة)، ولكنه يعتقد أن في الموشحات عناصر محلية إسبانية تتمثل في الجزء الأخير من الموشحة أي في الخرجات.

الذاكرة التي لا يمكن أن يخونها تذكر ما أشاده سيف صقر قريش (عبد الرحمن الداخل)، وعظمة قصر الحمراء وصمود غرناطة، وثمانمائة عامٍ في إسبانيا، لن يخونه تذكر ذلك النوع الرقيق الذي بلغته القصيدة العربية على اليد الشعراء الأندلسيين منذ القرن الثالث الهجري وحتى القرن التاسع الهجري، فولادة الموشحات الأندلسية كانت نتيجةً طبيعيةً للرخاء والتقدم الفكري والاتصال بالثقافة الأخرى، و على وجه الخصوص الإسبانية، وإن كان الاختلاف قائماً حول النشأة الأصلية لفن التوشيح، وما إذا كان متأثراً بشكل أكبر بأغاني الإسبان، أو كان تطويراً للقصيدة العربية وأن البداية كانت في المشرق، ولكن بلغت أوجها على يد الشعراء الأندلسيين، و لا سيما أن الموشحات كما الشعر الحر تعتبر ثورة على قواعد العروض والقافية الموحدة، فكيف كان ذلك؟

1

تاريخ ونشأة الموشحات الأندلسية

هناك اختلافٌ بين النقاد وعلماء اللغة حول تاريخ ونشأة الموشحات وهل بدأت بالأندلس أم أنها بدأت بالمشرق ومن ثم انتقلت إلى الأندلس، السبب في ذلك هو الخلاف حول الصاحب الحقيقي لنص "أيها الساقي"، إذ يشير الأدباء والنقاد مثل الدكتور كامل الكيلاني أن ذلك الموشح كتبه الشاعر العباسي عبدلله بن المعتز وهو كان الأساس في رصف الطريق لفن الموشحات الذي تطور في الأندلس، بيد أن الكثير من النقاد يختلف مع هذه الوجهة، ومنهم ابن سنا الملك (الذي كان أول من جمع أوزان الموشحات)، إذ يشير إلى أن هذا النص يعود للوشّاح الأندلسي أبي بكر بن زهر، وفي مطلعها يقول:

أيها الساقي إليك المشتكى ... قد دعوناك وإن لم تسمعِ

وإن كان الأدباء والنقاد في خلاف حول صاحب ذلك النص، إلا أنهم يتفقون على أن نشأة الموشحات الأندلسية كانت في القرن الثالث الهجري، وكان من وضع أسسها في الأندلس الشاعر محمود القيري أو كما يطلق عليه الضرير، وتطور الموشح في الأندلس في القرنين التاسع والثامن، ويقول ابن خلدون: "أما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم، وتهذبت مناحيه وفنونه، وبلغ فيه التنميق الغاية، استحدث المتأخرون فناً سموه الموشح.

وكان المخترع له مقدم بن عافر الفريري وأخذ عنه ذلك أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد"، وإن اختلف الأدباء والنقاد، فإن الموشحات بالنهاية فن شعري عربي، ورغم إشارة بعض المستشرقين إلى أن الموشحات فيها عناصر إسبانية إلا أنهم لم ينكروا أصلها العربي.

ويشير ابن سنا إلى ما يمكن به؛ تعريف الموشح الشعري فيقول: "كلام منظوم على نحوٍ مخصوص، وهو يتأّلف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات، ويقال له التام، وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات، ويقال له الأقرع، فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات"، ويطلق على من ينظم الموشحات اسم الوشّاح، كما يطلق على من يكتب الزجل اسم الزجّال، ومن يكتب الشعر اسم الشاعر، وفي ذلك تفريق للموشح كنوع عن الشعر.

2

أوزان وعروض الموشحات

تقسم الموشحات من حيث الوزن إلى قسمين، قسم جاء على أوزان العرب، وقسم آخر مختلف عن الأوزان العربية المعروفة (بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي)، والقسم الثاني والذي نظمت عليه أكثر الموشحات تدخل أبياته أو أقفاله كلمة أو حركة ملزمة كالفتحة أو الكسرة والضمة، وبذلك يخرج الشعر من أن يكون شعراً صرفاً على الوزن التقليدي، وكمثال على ذلك، قصيدة لابن بقى، وفيها يقول:

صبرت والصبر شيمة العاني ... ولم أقل للمطيل هجراني معذبي كفاني

فإدخال كلمتي هجراني معذبي، أخرج القصيدة من الوزن الخليلي، فبدون إدخالهما تكون القصيدة على البحر المنسرح وهو من البحور الخليلية، وإن هذه القصائد _التي تختلف عن القصائد العربية_ لا يمكن ضبطها إلا بالتلحين، وهناك أيضاً نوعان لهذه القصائد؛ فالأول هو ما كان واضح المعالم تدرك الأذن إيقاعه، والثاني خافت النغم لا يبين له وزن.

3

أقسام الموشح الأندلسي

يقسم الموشح بحسب بنائه إلى عدة أقسام، هي:

  1. المطلع، وهو الأشطر الأولى من القصيدة.
  2. القفل، وهو الأشطر التي تطابق المطلع بالقافية، وغالباً لا تتجاوز الخمس أقسام في الموشح الواحد.
  3. الدور، وهو الأشطر أو الأقسام التي تلي المطلع وتخالفه في القافية، ولا يتجاوز عددها الخمس أقسام.
  4. البيت، وهو الذي يتألف من الدور والقفل الذي يليه.
  5. الخرجة، وهي القفل الأخير الذي يختتم به الموشح.

نموذج موشحة ابن زهير 

أيها الساقي إليك المشتكى قد دعوناك وإن لم تسمعِ (مطلع)

ونديم همت في غرّته (دور)

وبشرب الراح من راحته (دور)

جذب إليه الزق واتكى وسقاني أربعاً في أربع (قفل)

غصن بانٍ مال من حيث ما التوى (دور)

مات من يهواه من فرط الجوى (دور)

كلما فكر في البين بكى....ويحه يبكي لمن لم يسمعِ (قفل)

كبدٌ حرّى ودمعٌ يكف

يذرف الدمع ولا ينذرف

أيها المعرض عما أصف

قد نما حبي بقلبي وزكا لا تقل في الحب إني مدعي (خرجة).

4

أغراض ومواضيع وانواع الموشحات

لم تختلف الموشحات من حيث أغراضها وموضوعاتها عن أغراض وموضوعات الشعر العربي المكتوب في المشرق، وإن كان يختلف بالشكل والوزن عن الشعر العربي، ومن أهم أغراض الموشحات:

1- موشحات الغزل

يكاد يكون الغزل من أكثر الأغراض التي تأخذ مكان الصدارة في الموشحات، وهو ما ارتبط بالرخاء والميل إلى الفرح واللهو وكثرة مجالس الغناء، والتي تتردد فيها قصائد الغزل.

أبي بكر بن زهر في دائرة الحب واللهو

حي الوجوه الملاحا وحي نجل العيون

هل في الهوى من جناح

أو في نديمٍ وراح

رام النصيح صلاحي

وكيف أرجو صلاحاً بين الهوى والمجون

ابن سناء الملك أضناه الهوى

وفي شعر ابن سناء الملك (شاعر وأديب عاش بين 550 هجري و608 هجري وله كتاب الطراز في عمل الموشحات - أول كتاب نظر في وزن وكتابة الموشحات) تجليات العاشق المترفع عن مفاتن الجسد، فمحبوبته أضحت جزءاً من روحه، فكان أن أضناه هيامه، فقال:

يا شقيق الروح في جسدي أهوىً بي منك أم ألم

ضعت بين العذل والعذل

وأنا وحدي على خبلِ

ما أرى قلبي بمختبلِ

ما يريد البين من خلدي....وهو لا خصمٌ ولا حكمٌ

المحبوب يبرئ ويُضني

يصف الشاعر الأندلسي الأعمى التطيلي حاله لشدة شوقه وحبه، ويعلق أمره في يد من يحب، فهو من يملك شفاءه، فقال:

دمع سفوح وضلوع ونار ماء ونار ما اجتمعا إلا لأمر كبار

عبد المليك أحبك ولا سبيلٌ إليك

مولاي حسبي وحسبك قد ذبت عليك

حتى ما تُضني مُحِبك وبرؤه في يديك

2- موشحات الوصف

شكل الوصف غرضاً أساسياً من أغراض الموشحات الأندلسية، وكثيراً ما كان يمتزج بالغزل، ولكن هناك الكثير من الموشحات التي كان غرضها فقط الوصف، فهذا الشاعر أبي جعفر بن سعيد يصف الطبيعة، إذ قال:

ذهّبت شمسُ الأصيلْ فضة النّهرِ

أيّ نهرِ كالمدامةْ

صيّر الظلّ فدامةْ

نسجتُه الريحُ لامَهْ

وثنثْ للغُصْن لامَةْ

فهو كالعضبِ الصقيل حُفّ بالشّفرِ (العضب تأتي بمعنى السيف القاطع).

3- المدح بهدف الكسب

من الأغراض التي سادت في الموشحات الأندلسية غرض المدح، وكثيراً ما استعمله الوشّاحون بهدف الكسب وأخذ العطايا من الملوك والوزراء.

لسان الدين يمدح الوزير أبي عامر

يمدح الشاعر الأندلسي لسان الدين بن الخطيب الوزير أبي عامر بن ينق الملقب بالحاجب المنصور، والذي كان من أشهر الوزراء في عهد الخلافة الأموية في الأندلس، فيصفه بأنه حاكم كل الناس ونورهم وأشجع فرسانهم، فقال:

أنتَ العزيزُ الأبيّ واَلملكُ مَلْكُ الأنامْ

أنت السراجُ الوضيّ البدرُ بدرُ التّمامْ

ليث إذا ما الكميُّ قد هابَ روعَ الحِمامْ

4- الوشاحون المتصوفون

ومن الموشحات التي انتشرت في الأندلس هي موشحات الزهد والتصوف، ومن أشهر من كتب الموشحات التي تحمل طابع التصوف والزهد، الشاعر المتصوف محي الدين بن عربي، ومن أشهر ما قاله في الزهد:

تدرّع لاهُوتي بناسُوتي وحصّل مُوسى اليَمّ تابُوتي

عندما لاحَ لعيني المتّكا ذبتُ شوقاً للذي كانَ معي

أيها البيتُ العتيقُ المشْرقُ

جاءك العبدُ الضعيفُ المسرفُ

عينهُ بالدمعِ شوقاً تذرِفُ

غربة منه وسُكْر فالبُكَا ليس محموداً إذا لَمْ ينفع

أيها الساقي اسقني لا تأتل

فلقد أتعبَ فكري عُذّلي

ولقد أنشِدُه ما قيل لي:

أيها السّاقي إليك المشتكى ضاعتْ الشكوَى إذا لم تنفع.

5

أكثر الموشحات شهرة

تعد موشحة الشاعر لسان الدين الخطيب من أكثر الموشحات التي انتشرت وشاعت لما فيها من رقيق الكلام وعذبه، وقدرة على التصوير، وقد غنت فيروز أجزاءً منها، وفيها يصف حاله مع محبوبته، فيتذكر أيام الوصل واللقاء، وكيف غدت سراباً سرعان ما اندثر، فيقول:

جادك الغيـث إذا الغيـث همـى .. يـا زمـان الوصـل بالأنـدلـس

لـم يكـن وصـلـك إلا حلـمـاً .. في الكرى أو خلسـة المختلـس

إذ يقـود الدهـر أشتـات المنـى .. ننقـل الخطـو علـى ما تـرسـم

زمـرا بـيـن فُــرادى وثـنـا .. مثلمـا يدعـو الحجيـج الموسـم

في ليـال كتمـت سـر الهـوى .. بالدجـى لـولا شمـوس الغُـرر

مال نجـم الكـأس فيهـا وهـوى .. مستقيـم السيـر سعـد الأثــر

وطرٌ ما فيه مـن عيـب سـوى .. أنـه مــرَّ كلـمـح البـصـر

حيـن لـذّ النـوم شيئـاً أو كمـا .. هجـم الصبـح هجـوم الحـرس

يا أهَيلَ الحي مـن وادي الغضـا .. وبقلبـي مسـكـنٌ أنـتـم بــه

ضاق عن وجدي بكم رحب الفضا .. لا أبالـي شرقـه مـن غـربـه

فأعيدوا عهـد أنـس قـد مضـى .. تعتقـوا عبدكـم مــن كـربـه

قـد تسـاوى محسـنٌ أو مذنـبٌ .. فـي هـواه بيـن وعـدٍ ووعيـد

أحـور المقلـة معسـول اللمـى .. سدد السهـم فأصمـى إذ رمـى.           

ابن زمرك مشتاقاً لغرناطة

يصف الشاعر ابن زمرك (أبو عبدلله محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد) شوقه لمنبته ومسقط رأسه غرناطة، وبتذكر عهده فيها كلما هبت نسمةٌ من صوبها، فقال:

أبلغ لغرنـاطـة السـلامْ وصفْ لها عهديَ السليمْ

فلو رعى طرفها ذمـام ما بتّ في ليلـة السـليمْ

كم بثّ فيها على اقتراح أُعلّ من خمرة الرضـاب

أدير فيها كؤوس راح قد زانها الثغر بالحبـاب

أختال كالمهر في الجماح نشوانَ في روضة الشباب       

أضاحك الزهر في الكمام مباهيا روضه الوسـيم

وأفضح الغصن في القوام إن هبّ من جوّها النسـيم

حثّ كأس الطلا.. ابن مالك السرقسطي

وفي هذه الموشحة يصف الشاعر ابن مالك السرقسطي (لقب بالوزير الكاتب)، جمال محبوبته ورقتها فيقول:

حُثّ كأس الطّلا على الزهر وأدرها كالأنجم الزّهر

أنسيم يفوحُ أم عطرُ

وغصون أمالَها القَطْرُ

تتثنى وما بها سُكْرُ

وطيور نطقن بالسحر حين هب النّسيمُ في السّحَر

السرقسطي الجزار دنفاً من الهوى

يصف الشاعر أبو بكر يحيى (الذي لقب بالسرقسطي الجزار) حالة التعب والاعتلال التي وصل إليها، بسبب ما يلاقيه من محبوبته التي لا تنصف معاملته، فقال:

أما والهّوَى إنني مُدْنَفُ

بحُبّ رَشاً قلما ينْصفُ

أطاوعه وهو لي مُخْلفُ

فَعما قليل به أتْلَفُ

وواعدني السّقمَ حتى انتهكْ فُؤادي  فيا وَيحْتَاَ قد هَلَكْ

أخيراً... رغم الاختلاف الذي وجد بين الشعر والموشحات ولا سيما من حيث العروض و شكل بناء القصيدة، إلا أن أغراض وموضوعات الموشحات لم تختلف عن موضوعات الشعر العربي، وإن تغلب على معظم قصائد الأندلسيين غرض الغزل، و كان الخلاف كبيراً بين الأدباء والنقاد حول حقيقة تاريخ الموشحات وأصلها، إذ هناك من قال أنها تحمل في طياتها التأثر بثقافة الإسبان، وهناك من  قال أنها عربية ولدت من رحم الشعر العربي وتطورت بحكم البيئة التي سادت في بلاد الأندلس، ولكن لا ضير حول ذلك إذا كان ما وصل إلى هذه الأيام أعذب ما قيل من شعر الأندلسيين، وخلدته الأصوات العربية في ذاكرة الناس.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر