العلاج بالموسيقى (Music Therapy)

للموسيقى دور كبير في معالجة الاحتياجات النفسية والصحية والعاطفية
تاريخ النشر: 07/02/2017
آخر تحديث: 21/10/2017

بول نوردوف (Paul Nordoff) خريج مدرسة جوليادر الأمريكية للموسيقى، كما أنه أستاذ ومؤلف موسيقي وعازف بيانو، بعد رؤيته الأطفال المعوقين يستجيبون إلى موسيقاه بشكل إيجابي، تخلى عن مهنته الأكاديمية ليواصل عمله في مجال العلاج بالموسيقى، ثم دخل مع الدكتور المربي كلايف روبنز (Clive Robbins) في شراكة لمدة 17 عاماً؛ للبحث عن آثار الموسيقى على الأطفال المعوقين لأول مرة في المملكة المتحدة ومن بعدها في الولايات المتحدة الأمريكية.

قد تبدو فكرة العلاج بالموسيقى غريبة بعض الشيء، إلا أن فعاليتها كبيرة، ويمكن معرفة آثار العلاج بالموسيقى من خلال ملاحظتها في لغة الجسد، سلوك المريض، التغيرات في الوعي والمزاج. فهناك العديد من التقنيات المتبعة في العلاج بالموسيقى منها: الاستماع للموسيقى، الغناء، أو إجراء نقاش حول الموسيقى.

 كما أن هناك طريقتين رئيسيتين للعلاج بالموسيقى، الأولى يكون فيها شخصين فقط (المعالج والمريض)، يمكن من خلالها الاستماع للموسيقى أو الغناء، الارتجال الموسيقي أو تأليف الأغاني، والطريقة الأخرى تكون جماعية، لكن العلاج الموسيقي المفرد يحقق نتائج أكثر فعالية.

1

مفهوم العلاج بالموسيقى

يعرف العلاج بالموسيقى (Music Therapy) على أنه استخدام سريري أو علاج قائم على مدخلات موسيقية لتحقيق أهداف علاجية من قبل الأشخاص أو الفنيين المتخصصون ببرنامج العلاج بالموسيقى، العلاج بالموسيقى هو مهنة صحية لمعالجة الاحتياجات المادية والعاطفية والمعرفية وحتى الاجتماعية للأفراد، فبعد معرفة نقاط القوة والضعف واحتياجات كل شخص، يقدم المعالج الموسيقى المناسبة له ولحالته المرضية سواء بالغناء أو بالاستماع للموسيقى، فالمشاركة الموسيقية في العلاج تنقل المرضى إلى أماكن أخرى من حياتهم.

كما يوفر العلاج بالموسيقى سبل التواصل التي تفيد مع أولئك الذين  يجدون صعوبة في التعبير عن أنفسهم بالكلمات، فالعلاج بالموسيقى يعمل على إعادة التأهيل البدني وزيادة حافز الناس للانخراط في المجتمع، مع الدعم العاطفي للتعبير عن المشاعر، يستخدم العلاج بالموسيقى في المستشفيات الطبية، ومراكز علاج مرضى السرطان، كذلك مصحات معالجة الإدمان على المخدرات والكحول، ومستشفيات الأمراض النفسية وغيرها.

2

ما هي المتطلبات اللازمة لمهنة العلاج بالموسيقى؟

جمعية العلاج بالموسيقى الأمريكية (AMTA (American Music Therapy Association تدعم موضوع العلاج بالموسيقى، وتشجع جهود الأفراد الذين يشتركون في صنع الموسيقى، فالعلاج بالموسيقى هو عملية مهنية وانضباط قائم على بحوث وعلوم وتجارب إبداعية وعاطفية، لكن لكي يمارس المعالجون الموسيقيون هذه المهنة يجب أن يكونوا حاصلين على درجة البكالوريوس أو أعلى من ذلك في العلاج بالموسيقى، من واحدة من 72 كلية وجامعة معترف بها من قبل الـAMTA مع 1200 ساعة تدريب، أو حاصل على شهادة من أحد معاهد المعالجة الموسيقية.

كذلك يتطلب الحصول على درجة العلاج بالموسيقى معرفة في علم النفس والطب والموسيقى، فعلى المعالجين استخدام الخبرات الموسيقية مثل الارتجال، الاستماع، الغناء؛ لتحقيق أهداف العلاج وتحسين صحة المرضى في عدة مجالات مثل: الأداء المعرفي، المهارات الحركية، التنمية العاطفية، المهارات الاجتماعية ونوعية الحياة، فيمكن القول: "إن على المعالجين الإلمام بقواعد العلاج النفسي، الصوتيات الموسيقية، نظرية الموسيقى، علم النفس المسموع، معرفة جماليات الموسيقى، التكامل الحسي".

بإمكان المعالجين القيام ببعض الأمور للالتحاق بهذه المهنة أيضاً مثل: العمل مع كبار السن لمعرفة آثار الخرف، كذلك العمل مع الأطفال والكبار لمعرفة بعض الأمراض مثل: نوبات الربو وكيفية علاجها، والعمل مع المرضى في المستشفيات لمعرفة كيفية تخفيف الألم، العمل مع الأطفال المصابين بالتوحد لتحسين قدرة الاتصال، العمل مع الأطفال كثيري الحركة لتحسين النوم وزيادة الوزن، وتأتي هنا مهمة الـAMTA في تعزيز الوعي العام بفوائد العلاج بالموسيقى، وزيادة فرص الحصول على خدمات العلاج بالموسيقى، كما أنها تصدر شهرياً مجلتين علميتين تنشر فيهما الأبحاث في مجال العلاج بالموسيقى.

3

الموسيقى وسيلة بديلة عن العلاج الطبي

العلاج بالموسيقى يحسن النتائج الصحية بين المرضى، كذلك الأطفال والأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب والأمراض النفسية الأخرى، فالموسيقى تثير وتنشط الجسم ولا سيما الموسيقى الحية، فاستخدام الموسيقى في الطب يساعد المرضى على التعامل مع الألم وبعض الأمراض الأخرى مثل الزهايمر، فالموسيقى وسيلة لتعزيز نوعية الحياة.

أجرت الباحثة آمي نوفوتني (Amy Novotney) دراسة في جامعة شيكاغو عام 2013، أكدت خلالها أهمية الموسيقى في العلاج، وذكرت خلال دراستها تجربة أقيمت على أطفال حديثي الولادة، فتم إخضاعهم لثلاثة أنواع من الموسيقى، حيث جعلت الموسيقى الأولى دقات القلب تزداد عند الأطفال، في حين أدخلت الموسيقى الثانية الأطفال في حالة من الهدوء، بينما الثالثة جعلتهم ينامون.

4

للموسيقى علاقة في تخفيف الألم

ذكرت الباحثة نوفوتني في دراستها الآنفة الذكر تجربة أخرى على المرضى في إحدى المستشفيات، حيث كشفت العلاقة بين الموسيقى وتخفيف الألم، فقد قام الباحثون بإخضاع 42 طفلاً من المرضى للموسيقى، فكانت النتيجة أن ألم الأطفال الذين استمعوا للموسيقى أصبح أخف مقارنة بالأطفال الذين لم يستمعوا للموسيقى، فقوة الشفاء هنا من خلال الاهتزاز.

حيث بينت أن الجسم يقوم بامتصاص الترددات الصوتية، مما يساعد على تخفيف أعراض الاكتئاب والآلام، فالاهتزازات التي تصدر عن الصوت تنتقل مباشرة إلى الجسم، وتقول في هذا المجال الدكتورة ليزا هارتلينغ (Lisa Hartling) أستاذة طب الأطفال في جامعة البرتا: "عزف الموسيقى للأطفال أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة هو تدخل بسيط، لكن يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً".

5

الموسيقى مناسبة للحد من التوتر والقلق

الترددات الصوتية للموسيقى وإيقاعها وسيلة فعالة لعلاج الأمراض الجسدية، كما أنها وسيلة مناسبة للصحة النفسية، وهذا ما يؤكده دكتور علم النفس دانيال ليفيتين (Daniel J. Levitin) من جامعة ماكجيل في مونتريال، فقد بين في بحث تخرجه "أن الموسيقى تحسن وظيفة الجهاز المناعي وتقلل من الإجهاد".

كما أن الاستماع إلى الموسيقى أكثر فعالية من الأدوية للحد من القلق قبل العمليات الجراحية، كما يقول ليفيتين: "إن الاستماع للموسيقى يعمل على زيادة إنتاج الجسم للخلايا المضادة للفيروسات وزيادة فعالية الجهاز المناعي"، كما يقلل مستويات هرمون الكورتيزول إي هرمون التوتر، "هذه إحدى الأسباب التي تربط الموسيقى بالاسترخاء" على حد تعبير ليفيتين.

6

الموسيقى علاج جيد للاكتئاب

للموسيقى تأثير كبير على الأشخاص المصابين بالاكتئاب، وأثبتت هذا الأمر الباحثة أنا ماراتوس في دراسة لها عام 2011 (نُشرت نتائجها في المجلة البريطانية للطب النفسي)، حيث وجدت من خلال الأدلة التي وصلت إليها أن العلاج بالموسيقى يحسن الصحة العقلية للأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب، فالموسيقى يمكن أن تحسن المزاج والأداء للأشخاص المصابين بالاكتئاب، ويعود هذا الأمر إلى المتعة التي تتحقق بالاستماع إلى الموسيقى، لأنها تغري الشخص للانخراط في النغمة.

كما أن العزف على الآلة الموسيقية يتطلب حركة بدنية هادفة، هنا يأتي دور النشاط البدني في تجنب الاكتئاب والتخفيف من آثاره، فسبب العلاج هنا الإحساس بالموسيقى وتجربتها، فلها إحساس داخلي خاص ينقلنا إليها، ما يجعلنا ننصت للمقطوعة وننجر معها حتى النهاية.

7

الموسيقى تقوي العلاقة بين الأم وجنينها

العلاج بالموسيقى يمكن أن يلعب دوراً مهماً أثناء الحمل، فالجنين قادر على سماع خطاب الأم، وعلى سماع الغناء والموسيقى، كما أن المتخصصين في الرعاية الصحية قادرون على مراقبة تحركات الجنين بعد استماعه واستجابته للمؤثرات الموسيقية؛ لأن الجنين قادر على التعبير عن احتياجاته في رحم الأم، فخلال فترة الحمل تساعد الموسيقى على تكوين وتعزيز التواصل بين الأم والجنين، والطريقة الأكثر فعالية للتواصل تكون في الغناء والتهويدات، فهي وسيلة رائعة لتعبر الأم من خلالها عن حبها ومشاعرها للجنين، فالطفل يتأقلم على صوت الأم، وهذا يجعله يشعر بالأمان والهدوء الذي كان يشعر به في الرحم بعد ولادته، وهذا ما أكدته أكاديمية شانكار ماهاديفان (Shankar Mahadevan) لتعليم الموسيقى في الهند في مقال لها عام 2014.

الموسيقى تخفف من آلام المخاض

الاستماع للموسيقى قبل الولادة له فوائد كثيرة، فقبل الولادة تواجه المرأة الحامل مستويات عالية من التوتر والتي تؤثر سلباً على الجنين، هذا يتسبب بإفراز الجسم لهرمون الكورتيزول، الذي يزيد من ضغط الدم ويضعف الجهاز المناعي عند الأم والطفل، مما يزيد منن احتمالية إصابة الطفل في وقت لاحق بالقلق، أو التخلف العقلي، كذلك التوحد والاكتئاب، إذ يستخدم المعالجون هنا الموسيقى أثناءء  المخاض كي تشعر المرأة الحامل بالاسترخاء أثناء المخاض.

8

تأثير وفوائد الموسيقى على الحياة اليومية

ذكر موقع (MyChild at) أن الكثير منا يعتقد أن مجرد الاستماع للموسيقى يجعلنا نرتاح، إلا أن هناك شيء مادي يحدث لنا، فالموسيقى تمكن الأشخاص من التعبير عن أذواقهم سواء من خلال الأنشطة الموسيقية أو من خلال الاستماع لها فقط، فنحن نستمع للموسيقى لجعل حياتنا أفضل، والمعالجون الموسيقيون مدربون جيداً للقيام بذلك، لكن ما الذي يجعل الموسيقى تؤثر بشكل كبير علينا؟

  • الموسيقى وظيفة أساسية في الدماغ، ويقوم الدماغ بالرد عليها بطريقة علمية، فيستطيع الأطفال الرضع بعد يوم واحد من ولادتهم اكتشاف الاختلافات في الإيقاع، وقد استخدمت الأمهات عبر الثقافات التهويدات والأغاني لتهدئة بكاء الرضيع.
  • أجسادنا تنجر للموسيقى، فعندما نسير في الشارع ونسمع أغنية ما، قد يدفعنا ذلك لأن نسير على الإيقاع، سبب ذلك أن المدخلات الموسيقية عندما تؤثر على الجهاز العصبي المركزي لدينا عبر العصب السمعي، تذهب بعضها إلى الدماغ للمعالجة، وبعضها الآخر يتجه مباشرةً إلى الأعصاب الحركية في النخاع الشوكي، هذا يجعل عضلاتنا تستجيب للإيقاع، وهذا ما يفسر الرقص على الموسيقى، والكثير من الأشخاص الذين يصابون بجلطة دماغية؛ قد تجعل جسدهم يتوقف عن الحركة، تساعدهم الموسيقى على إعادة تعلم المشي وتطوير قوة الجسد.
  • كل شخص يملك ردود فعل فيسيولوجية للموسيقى، ففي كل مرة يزيد معدل تنفسك، يزيد معه معدل ضربات القلب لديك، أو تشعر بقشعريرة أسفل العمود الفقري عند سماعك لأغنية تؤثر على مشاعرك، هذا يدل على استجابة الجسم الفسيولوجية للموسيقى، لذلك يمكن للمعالجين الموسيقيين استخدام الموسيقى لمساعدة الأشخاص على الاستيقاظ من الغيبوبة أو مساعدتهم على الاسترخاء.
  • الموسيقى تؤثر على عواطفنا، فعندما نستمع إلى قطعة موسيقية معينة قد نشعر بالحزن أو نبتسم، فالموسيقى قادرة على تنظيم العواطف لدينا، لذلك تستخدم الموسيقى علاجياً لتبديل عواطف الشخص من حال إلى آخر.
  • تساعد الموسيقى على زيادة اهتمامنا وانتباهنا، فإن كنا نلهو بشيء ما وسمعنا موسيقى ما أو أحداً يغني، سرعان ما يلفت انتباهنا ويشد وعينا للاستماع والانتباه أكثر.
  • الموسيقى تؤثر على الدوائر العصبية؛ مما يجعلنا نستخدم الكلام والغناء مع الموسيقى، فالاستماع إلى الموسيقى أو الأغنيات مع الكلمات يجعل دوائرنا العصبية تستخدم الكلام لتعبر عنها، يفيد ذلك في مساعدة الأطفال على تعلم التواصل أو تعليمهم التحدث والكلام من جديد بعد إصابتهم بجلطة أو مرض.
  • الموسيقى تعزز التعلم، فمن الممكن أن نحفظ كلمات الأغنية بسهولة، مما يجعل الموسيقى أداة سهلة لتعليم المفاهيم والأفكار والمعلومات، فالموسيقى جهاز ذاكرة فعال، من خلالها يمكن تعلم الكثير من الأشياء.
  • الموسيقى تؤثر على ذاكرتنا، فعندما نستمع أحياناً إلى أغنية ما، نتذكر معها شيئاً فتنقلنا على الفور إلى مكان معين وإلى وقت محدد من حياتنا، فالموسيقى قادرة على تنشيط ذاكرتنا بشكل قوي جداً، كما أن المعالجين الموسيقيين يستخدمون الموسيقى مع كبار السن الذين يعانون من الخرف (الزهايمر) لمساعدتهم على استرجاع ذكرياتهم.

يمكن القول أخيراً.. أن الموسيقى أثبتت فعاليتها بشكل كبير في مجال العلاج، إضافة لما ذكرنا هناك العديد من الفوائد الطبية للموسيقى مثل؛ الحد من ارتفاع ضغط الدم والمساعدة على التخلص من الإدمان، كذلك الأمر هناك فوائد عديدة للموسيقى، لكن ليس على الإنسان فحسب بل على باقي الكائنات، فهي تساعد النباتات على النمو، وتساعد بعض المخلوقات على أداء وظائفها بشكل أكبر، مما يعني أن للموسيقى والنغم قدرة كبيرة على إحداث الفارق والتغيير.

9

فيديو العلاج بالموسيقى

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر