رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر

أول امرأة تتسلم منصب رئاسة الوزراء في بريطانيا.، المرأة الحديدة وخاطفة الحليب!

الكاتب:
تاريخ النشر: 31/05/2016
آخر تحديث: 29/06/2016
مارجريت تاتشر الملقبة بالمرأة الحديدية

"أنا لا أعرف أي شخص كان قد وصل إلى القمة دون عمل شاق، ليس من الضروري دائماً أن تكون في القمة ولكن يجب عليك أن تبقى دائماً قريبا منها".. مارغريت تاتشر.

من منا لا يعرف المرأة الحديدية التي كانت ابنة البقال، ثم أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في بريطانيا، رئيسة الوزراء المثيرة للجدل! سنتعرف خلال هذا المقال على شخصية مارغريت تاتشر، التي تركت بصمتها في كافة أنحاء بلادها فناضلت من أجل تحقيق مبادئها بكل ما تمتلكه من إمكانيات.

بدايات مارغريت الشابة ثم زواجها والفوز بمقعد في مجلس العموم البريطاني

ولدت مارغريت هيلدا روبرتس (Margaret Roberts) في 13 تشرين أول/أكتوبر في عام 1925 في غران ثام شرقيَّ إنجلترا، هي ابنة لعائلة تعمل في محل للبقالة، حيث عاشت مع عائلتها في شقّة سكنية تقع فوق متجرهم، تلقت مارغريت تاتشر تعليمها في مدرسة غران ثام للبنات، ثم انضمت إلى حزب المحافظين نسبة إلى سياسة أبيها الذي كان عضواً في مجلس المدينة.

كانت تاتشر طالبة مجتهدة درست في جامعة أوكسفورد اختصاص الكيمياء في كلية سمرفيل (Somerville College).. بدأت نشاطها السياسي منذ أن كانت شابة حيث شغلت منصب رئيس جمعية المحافظين في الجامعة، حصلت على شهادة البكالوريوس في الكيمياء في عام 1947، ثم عملت كباحثة صيدلانية في كولت يستر (Colchester) ثم في دارتفورد (Dartford).

بعد عامين من تخرجها حاولت مارغريت أن تشغل منصباً عاماً في الدولة، فترشحت باسم حزب المحافظين لتحصل على مقعد برلماني في انتخابات عام 1950، لكنها خسرت أمام الحزب الليبرالي، مع ذلك فقد كسبت احترام زملائها وفقاً للخطابات التي قدمتها، لكن تاتشر لم تستسلم حينها بل حاولت مرة أخرى في العام الذي تلاه أن تشغل المنصب، لكن باءت جهودها بالفشل من جديد، تزوجت بعد ذلك من رجل الأعمال الثري دينيس تاتشر.

تركت تاتشر السياسة لفترة من الوقت في عام 1952؛ حتى ركزت على دراستها للقانون وأنجبت حينها توأما وهما مارك وكارول، بعد أن انتهت من دراسة القانون تأهلت تاتشر كمحامية، ثم عادت وبقوة إلى الساحة السياسية، حيث فازت بمقعد تمثيل فينتشلي في مجلس العموم البريطاني.

في عام 1961 عُيّنت تاتشر وكيلة لمعاشات التقاعد والتأمين الوطني، وعندما تولى حزب العمال السيطرة على الحكومة؛ أصبحت عضواً فيما يسمى حكومة الظل (مجموعة من القادة السياسيين؛ سوف يشغلون مناصب على مستوى مجلس الوزراء في حال كان حزبهم في السلطة).

مارغريت تاتشر أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في بريطانيا

عندما عاد المحافظون إلى السلطة في عام 1970، تمّ تعيين مارغريت تاتشر كوزيرة دولة للتربية والعلوم، أطلق عليها حينها لقب؛ "تاتشر.. ميلك سناتشر" أي تاتشر.. خاطفة الحليب، ذلك بعد أن ألغت تطبيق قرار النظام العالمي لتقديم الحليب المجاني في المدارس البريطانية.

حيث تناولت الصحف في تلك الفترة تصرفات تاتشر بكثير من السلبية مما سبب لها إحباطاً، لكن عندما خسر حزب المحافظين السلطة عام 1974، أصبحت تاتشر القوة المهيمنة في حزبها السياسي، فانتُخبت زعيمةً لحزبها عام 1975، وأصبحت أول امرأة تشغل منصب زعيم المعارضة في مجلس العموم.. تولت تاتشر بعدها رئاسة الوزراء في عام 1979 في بريطانيا فكانت أول امرأة تشغل ذلك المنصب في تاريخ بريطانيا.

فترات ولايتها الأولى والثانية.. تحديات صراعات وأزمات وتوقيع اتفاقات دولية

واجهت تاتشر خلال الفترة الأولى من توليها منصب رئاسة الوزراء؛ الكثير من التحديات؛ خاصة التحدي العسكري، ففي نيسان/أبريل في عام 1982 قامت الأرجنتين بغزو جزر الفوكلاند، حيث كان هذا الإقليم مصدر صراع بين البلدين، لأن جزر الفوكلاند تقع قبالة السواحل الأرجنتينية، عندها أرسلت تاتشر القوات البريطانية إلى أراضي الجزر لاستعادة السيطرة عليها، فنتج عن ذلك ما سمّي بحرب الفوكلاند بين البلدين، حيث استسلمت الأرجنتين في حزيران/يونيو في عام 1982.

أما في فترة ولايتها الثانية، 1983-1987، تعاملت تاتشر مع العديد من الصراعات والأزمات؛ فقد حاول الجيش الجمهوري الايرلندي اغتيالها في تشرين الثاني/نوفمبر في عام 1984، من خلال قنبلة كانت قد زُرعت في مؤتمر المحافظين في برايتون، لكن بعد فشل العملية أصرت تاتشر على استمرار المؤتمر، حيث ألقت في اليوم التالي خطاباً متحديةً كل معارضيها وأعدائها.

أما بالنسبة لسياستها الخارجية فقد التقت تاتشر مع شخصيات دولية هامة؛ منهم ميخائيل غورباتشوف، الزعيم السوفياتي في عام 1984، كما أنها وقعت اتفاقاً مع الصين بشأن مستقبل هونج كونج. كذلك أعربت عن دعمها لغارات الرئيس الأمريكي رونالد ريجان الجوية على ليبيا في عام 1986 آنذاك، من خلال السماح للقوات الأمريكية باستخدام القواعد البريطانية للمساعدة في تنفيذ الهجوم.

استقالتها بعد فترة ولاية ثالثة بعد تسببها بالكثير من الخلافات في صفوف حزبها

في فترة ولاية تاتشر الثالثة في عام 1987، سعت إلى تنفيذ المناهج التعليمية القياسية في مختلف أنحاء البلاد وإجراء تغييرات على النظام الطبي في البلاد، لكنها فقدت الكثير من شعبيتها آنذاك عندما أصدرت قراراً برسم سياسة لجمع الضرائب من المتقاعسين من الشعب عن دفع الضرائب المترتبة عليهم، مما أدى إلى حدوث احتجاجات عامة، كما تسببت بحدوث الكثير من الخلافات في صفوف حزبها.

حيث أعلنت إثر تلك الفوضى استقالتها في 22 تشرين الثاني/نوفمبر في عام 1990، حيث قالت في ذلك "بعد التشاور على نطاق واسع بين الزملاء؛ وجدتُ أنه من الأجدى أن أترك الفرصة في المشاركة ودخول الاقتراع لاستلام القيادة، وأشكر جميع من هم في مجلس الوزراء ومن هم خارجه ممن قدموا لي هذا الدعم".. وفي 28 تشرين الثاني/نوفمبر في عام 1990 غادرت تاتشر داوننغ ستريت (Downing street)، المقر الرسمي لرئاسة الوزراء للمرة الأخيرة.

الطريق إلى السلطة فن الحكم.. كتابا تاتشر بعد العمل في السياسة

كتبت تاتشر عن تجربتها كامرأة رائدة في مجال السياسة كتابين هما: الأول سنوات داو ننغ ستريت (Downing Street Years)، الذي صدر في عام 1993. أما الكتاب الثاني الطريق إلى السلطة (Path To Power) الصادر في عام 1995. كما نشرت كتابا اسمه فن الحكم (Statecraft) أيضاً، في عام 2002 عرضت من خلاله رأيها في السياسة الدولية.

عانت مارغريت تاتشر من عدة صدمات بعد ذلك، ففي عام 2003 توفي زوجها دينيس بعد زواج دام 50 عام، كما فقدت صديقها القديم والحليف رونالد ريجان بعد تدهور حالته الصحية، حيث قالت تاتشر بعد وفاته "هذا الرجل سعى إلى إصلاح روح أمريكا الجريحة، لاستعادة قوة العالم الحر وتحرير العبيد من الشيوعية".

وفي عام 2005 احتفلت تاتشر بعيد ميلادها الـ80 حيث نظم أفراد الأسرة حفلاً ضخماً في شرفها بحضور الملكة إليزابيث الثانية وطوني بلير وحوالي 600 شخص من الأصدقاء والمعارف.

حقائق لا تعرفها عن المرأة الحديدية مارغريت تاتشر

  1. قبل أن تدخل معترك السياسة؛ عملت تاتشر في مصنع لتصنيع الآيس كريم، وكانت قد أوجدت طريقة لتصنيعه بمكونات وتكلفة أقل، وابتدعت وسائل لدوامه لفترة أطول، ويمكننا تفسير إبداعها هذا بدراستها للكيمياء.
  2. خضعت تاتشر بدعم من الصحفي والإعلامي البريطاني جوردون ريس (Gordon Reece) الذي كان يعمل مستشاراً لمارغريت تاتشر، حيث تلقت على يده تدريبات مكثفة حول كيفية اعتيادها على الكلام بشكل هادئ وبلهجة موثوقة؛ الأمر الذي منحها ميزة في مسيرتها السياسية.
  3. كانت تاتشر لا تنام إلا لوقت قصير، فكانت تكتفي  بأربع ساعات من النوم فقط كل ليلة.
  4. اللون الفيروزي، كان لونها المفضل.
  5. كانت تحب ممارسة رياضة التنس.
  6. أحبت تاتشر الموسيقى الكلاسيكية، فكانت تستمتع بموسيقى باخ، وشوبان، وبيتهوفن.
  7. تعرّفت تاتشر على زوجها دينيس خلال حفل عشاء بعد أن ترّشحت لعضوية حزب المحافظين في دارتفورد.
  8. ساعد دينيس زوجته مارغريت مادياً لإكمال دراستها، حتى أصبحت محامية مؤهلة ومن ثم أنجنب توأميها.

تدهور صحي.. زهايمر؛ اختفاء تاتشر التدريجي عن الأضواء

شغلت صحة مارغريت تاتشر في عام 2010 عناوين الصحف، حيث قضت أياماً في المشفى بسبب مرض التهاب العضلات الذي أصابها، ثم بدأت صحتها تتدهور، فقد أُصيبت بالزهايمر، ولكنها حضرت في بعض المناسبات كالاحتفال بزواج الأمير ويليام، كذلك مناسبة إزاحة الستار عن تمثال الرئيس رونالد ريجان في لندن في عام 2011.

أصبحت تاتشر تختفي عن الأضواء رويداً رويداً بعد ذلك، فاعتزلت في منزلها لفترة من الوقت، ثم توفيت في عام 2013 عن عمر ناهز 87 سنة، لتبقى سياسة تاتشر قابلة للنقاش من قبل المنتقدين أو المؤيدين لسياستها حتى وقتنا الحاضر، مما يدل على أنها تركت انطباعاً مهماً في السياسة البريطانية والعالمية.

وقد صدر عام 2013 بعد وفاة تاتشر فيلم "المرأة الحديدية" (The Iron Lady)، للممثلة ميريل ستريب (Merely Streep)، والكاتب أبي مورغان (Abi Morgan)، حيث نال الفيلم نجاحاً عارماً، متناولاً السيرة الذاتية لمارغريت تاتشر وحياتها، وكان أداء ستريب رائعاً في تمثيل شخصية مارغريت؛ حيث ترشحت من خلاله لـ 17 جائزة، إذ حصلت على جائزتي الأوسكار، وغولدن غلوب عن أداء هذا الدور.

التاتشرية في الاقتصاد والسياسة بعيداً عن التخطيط المركزي وسيطرة الحكومة

أو ما تسمى الفلسفة الاقتصادية التاتشرية، حيث تمثل السياسة التاتشرية؛ الأفكار التي تدعو إلى تأسيس الأسواق الحرة بعيداً عن ملكية الدولة للشركات، كذلك بعيداً عن التخطيط المركزي. تكونت تلك الأفكار عند تاتشر بسبب؛ أنها كغيرها من اليمينيين من أبناء جيلها، كانت قد تأثرت بالطريق نحو العبودية من خلال أفكار الاقتصادي النمساوي فريدريك هايك، الذي حذّر من خطر طغيان وسيطرة الحكومة على الاقتصاد عن طريق التخطيط المركزي.

إذ ينبغي وفقا لتاتشر أن يقتصر دور الدولة على حماية حدود البلد والدفاع عنها والحفاظ على اقتصادها دون التدخل فيه، حيث يجب أن يُترك مجالٌ للأفراد لممارسة خياراتهم الخاصة وتحمل المسؤولية عن حياتهم. وفعلاً نجد أن دور القطاع العام في زمن ولاية مارغريت تاتشر كان قد تراجع، حيث نقلت ملكية الاتصالات البريطانية، إضافة لشركة الخطوط الجوية البريطانية وشركة الكهرباء؛ ووضعتها في أيدي القطاع الخاص.

أخيراً.. هكذا نكون قد تعرفنا على المرأة الحديدية؛ ابنة البقّال التي ناضلت طوال حياتها لتحقيق مستقبل أفضل لبلدها، متجاوزة كل العقبات والتحديات، متجاهلة المنتقدين والمعارضين، مصممة على النجاح والصعود نحو القمة، إنها البريطانية مارغريت تاتشر.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر