وصايا لقمان الحكيم وحكمته كما وردت في القرآن الكريم

من هو لقمان الحكيم؟ وما وصايا لقمان الحكيم التي أوصاها لولده؟ وهل لقمان نبيّ؟
تاريخ النشر: 21/03/2018
آخر تحديث: 21/03/2018
قصة وحكمة لقمان من القرآن الكريم

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ ومَن يَشْكُرْ فَإنَّمَا يَشـكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ الآية 12 من سورة لقمان من القرآن الكريم.

يمثل لقمان الحكيم واحداً من أبرز رموز الحكمة عبر التَّاريخ، وهناك عشرات الأقوال التي تُنسب إليه تحت مسمَّى "وصايا لقمان الحكيم"، بعضها يُنسب له دون توثيق يذكر، وبعضها موثَّق بالنقل عن المؤرخين والأحاديث النبوية الشريفة.

لكننا في هذه المادة نستعرض وإياكم قصة لقمان الحكيم ووصاياه كما ذُكرت في القرآن الكريم بعد أن نتوقف مع شخصية لقمان وسيرته كما سجَّلها المؤرخون.

1

لقمان الحكيم من أهل السُّودان

هو لقمان بن عنقاء بن سدون كما يذكره ابن كثير في البداية والنهاية، وقيل هو لقمان بن ثاران، ويتَّفق الجمهور أنَّ لقماناً كان أسود البشرة ينحدر من النوبة وكان عبداً يرعى الغنم.

لكن حكمته أوصلته إلى مراتب عليا فقيل أنَّه كان قاضياً في زمان داوُّد عليه السَّلام.

ويُوصف مظهر لقمان الحكيم أنَّه كان قصيراً أفطساً مصفَّح القدمين، عمل عبداً وراعياً للماشية قبل أن يصبح ذا شأن.

كما عاش لقمان الحكيم في مدينة آيلة على خليج العقبة، وهي المعروفة لدينا باسم إيلات وهي من الأراضي الفلسطينية المحتلَّة، وقيل قبره في طبريا.

2

يُقال أنَّ لقمان خُيِّر بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة

يتَّفق الجمهور على أنَّ لقمان أوتي الحكمة لكنَّه لم يكن نبيّاً، وكذلك ذِكرُه في القرآن الكريم يشير إلى الحكمة ولا يشير إلى النبوة، يقول تعالى في سورة لقمان:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ ومَن يَشْكُرْ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وليس من دليل على نبوته في السُّورة.

ويروي يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيَّب:

"كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة".

كما لم يذكر لقمان عن نفسه بما نُقل عنه أنَّه نبي، بل كان يصف خصال الحكمة التي يمتلكها والتي نقلته من العمل في الخدمة والرعي إلى القضاء حسب ما قيل.

أما الرأي الذي يقول بنبوة لقمان الحكيم فهو ضعيف، ضعَّفه الجمهور ونقله ابن كثير في البداية والنهاية وضعَّفه لأنَّه منقول عن جابر الجعفي عن عكرمة، يقول ابن كثير:

"وهو ضعيف لحال الجُعفي".

رأي لقمان الحكيم بنفسه

وإذا تأملنا ما نُقل عن سيرة لقمان الحكيم وقوله عن نفسه لانتفت عنه صفة النبوة، على سبيل المثال:

"روى ابن جرير عن ابن حميد عن الحكم أن عمر بن قيس قال: كان عبداً أسود، غليظَ الشفتين، مصفح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال له: ألستَ الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟

قال: نعم. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صِدقُ الحديث والصَّمتُ عمَّا لا يعنيني."

ولم يقل لقمان للسَّائل أنَّها النُّبوة أو الرسالة هي التي رفعت من شأنه أو أنَّ الله اصطفاه على العالمين كما هو حال الأنبياء والرُّسل، وهذا القول يتكرر بصيغ مختلفة.

ففي رواية أخرى قال ابن أبي حاتم: "حدَّثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي يزيد بن جابر قال:

إن الله رفع لقمان الحكيم لحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال: ألست عبد بن فلان الذي كنت ترعى غنمي بالأمس؟

قال: بلى.

قال: فما بلغ بك ما أرى؟

قال: قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وترك ما لا يعنيني.

فحكمة لقمان قدرٌ من الله وهبة دون النبوَّة، ذلك بشهادة لقمان نفسه بما روي عنه، وبما تشير إليه آيات القرآن الكريم التي ذكرت لقمان فلم تثبت عليه النبوَّة فيما أثبتت منحه الحكمة.

3

وصايا لقمان الحكيم كما وردت في القرآن الكريم

رفع الله قدر لقمان الحكيم بالحكمة كما ذكرنا، وفي القرآن الكريم سورة باسمه هي سورة لقمان، منها رواية الحكمة التي تلاها لقمان على ابنه بين الآية 12 والآية 19، وهي الموضع الوحيد لذكر لقمان الحكيم صراحةً في القرآن الكريم.

يقول الله تعالى في سورة لقمان:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذلكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ(18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ(19) ﴾.

4

وبذلك تكون وصايا لقمان الحكيم لابنه والتي نقلها القرآن الكريم

أولاً: الشكر والحمد

أول حكمة لقمان هو الشكر، ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِ﴾، وفضل الحمد والشُّكر بيِّنٌ في سورة الفاتحة وهي أول سور القرآن الكريم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ(1) الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)﴾.

والله غنيٌّ عن الشكر، فالإنسان إنَّما يشكر لنفسه ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.

ثانياً: التوحيد أول وصايا لقمان الحكيم لابنه

وأول ما يعظُ به لقمان الحكيم ابنه هو توحيد الخالق ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وفي تفسير هذه الآية يورد ابن كثير في البداية والنهاية حديثاً نبوياً:

"وقد قال البخاري: حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (الأنعام 82)، شقَّ، نعام وياً:

والنهاية نه هو تّابنه

 ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: أيُّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله ﷺ: إنه ليس بذاك ألم تسمع إلى قول لقمان ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.

رواه مسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش به، وأورد هذا الحديث أيضاً في نفس السياق الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في كتيب (شرح وصايا لقمان الحكيم لابنه).

ثالثاً: برُّ الوالدين في وصايا لقمان الحكيم

يأتي برُّ الوالدين في المرتبة الثانية من مواعظ لقمان الحكيم لابنه، وتكون طاعة الوالدين فيما خلا الشِّرك بالله ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾.

ما عدا ذلك فالإحسان إليهما واجب، ويحدد الله في كتابه دار هذه الصُّحبة بالدُّنيا ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ أمَّا الآخرة والحساب فعمل الله وحده

﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، وهو غير ما ذهب إليه ابن تيمية في جواز قتل المسلم أبيه المُشرِك (راجع ابن تيمية).

ثالثاً: العدل في الحساب كما صوَّره لقمان الحكيم لابنه

في الدرجة الثالثة من موعظة لقمان الحكيم لابنه يحذره من الظلم مهما كان صغيراً في القدر، وذلك من خلال الإشارة إلى العدالة الإلهية والدِّقة في الحساب

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، هي معطوفة - والله أعلم - على قوله تعالى ﴿فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

فمهما كان مقدار العمل هو عنده بميزان، وإن كان بمثقال حبَّة الخردل.

رابعاً: الصلاة والأمر بالمعروف والصبر في وصايا لقمان الحكيم

التَّوحيد أولاً، ثمَّ برُّالوالدين والإيمان بوعيد الله وقدرته المطلقة، ثم يعظ لقمان ابنه ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذلكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.

وهي عظات تفسر نفسها ودعوات ثابتة على لسان الأنبياء في غير موضع من القرآن الكريم.

خامساً: فضيلة التَّواضع في حكمة لقمان

ولمَّا ثبَّت لقمان لابنه أعمدة الإيمان من خلال الدعوة إلى التوحيد وحتَّى الدعوة إلى الصلاة انتقل به إلى الأخلاق والسلوك، وأول فضيلة وقف عندها هي التَّواضع والتخلي عن الكبر

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ وأصل (الصعر) داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها، فيشبه به الرجل المتكبر على الناس الذي يدير وجهه لمن يحدثه كِبراً.

سادساً: آخر وصايا لقمان الحكيم لابنه

وآخر وصية من وصايا لقمان الحكيم لابنه تتَّصل بالوصية السابقة، فهو يعظه بترك الخيلاء والمشي المتكبر ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾.

وذهب بعض المفسرين أنَّ المعنى هو المشي دون استعجال، وقد سبقها قوله ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ أو هو الاثنين معاً والله أعلم.

ثم يعظ لقمان ابنه أن يخفض من صوته ويقتصد في قوله ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾.

ختاماً... ما زالت حكمة لقمان ساريةً بين النَّاس حتَّى يومنا هذا ومؤيدة بما جاء في القرآن الكريم والأحاديث النبوية والأخبار التي تناقلها المؤرخون.

وقد قدَّمنا لكم وصايا لقمان الحكيم المذكورة في القرآن الكريم وكما اتَّفق على شرحها الجمهور.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر