آثار تراجع أسعار النفط على دول الخليج العربي

الاعتماد على النفط وحده سلاح ذو حدين.. تأثيراته على الدول الخليجية والعالم

الكاتب:
تاريخ النشر: 04/07/2016
آخر تحديث: 07/08/2016
تعتمد اقتصادات دول الخليج العربي على النفط بشكل أساسي، حيث توصف بعض اقتصاداتها باحادية الدخل

بقيت أسعار النفط العالمية مستقرة بشكل نسبي طوال النصف الثاني للقرن للعشرين، لكن بحلول عام 2003 وحدوث الغزو الأمريكي للعراق من جهة والتوتر السياسي بين إيران والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى؛ بدأت أسعار النفط  بالتصاعد بشكل تدريجي ومستمر لتصل لأعلى مستوياتها عام 2009 حيث انخفضت لمدة قصيرة ومن ثم عادت للاستقرار على سعر يقارب 100 دولار أمريكي للبرميل.

استمر هذا الاستقرار حتى عام 2015؛ حيث بدأ السعر بالتدهور ليصل إلى ما دون 27 دولار أمريكي للبرميل، مما أدى إلى ركود اقتصادي خليجي وتهديد حقيقي للوضع المالي والاستثماري ككل.

منذ بداية الثورة الصناعية مطلع القرن التاسع عشر، دفع الوقود الأحفوري (وهو الوقود المستخرج من باطن الأرض والناتج عن دفن كائنات حية قبل ملايين السنين، مثل النفط والغاز ةالفحم الحجري) عجلة الصناعة بشكل متزايد وتصاعدي؛ حيث ظهر الفحم في البداية كأساس لنمو الصناعة والاقتصاد وبالتالي النفوذ السياسي للدول، لكن مع اكتشاف الطرق الحديثة لاستخراج النفط وسهولته لاسيما في منطقة الخليج العربي، انتقلت كفة الوقود المهيمنة تدريجياً نحو النفط الذي أصبح المصدر الأول للطاقة خصوصاً مع تطور تقنيات تكريره، واستخدامه كوقود لوسائل النقل الحديثة من سيارات وسفن وطائرات.

هذا الازدياد في الطلب على النفط والمتزامن مع ازدياد التنقيب عنه  في منطقة الخليج العربي، أدى إلى نمو كبير في اقتصاد المنطقة ونقل البلاد من مدن صغيرة تعتمد على الماشية واللؤلؤ كمصدر دخل إلى مدن كبرى حديثة بمعالم مميزة وأبنية شاهقة ومستوى معيشة مرفه جداً، وعلى الرغم من هذه القفزة النوعية في الاقتصاد  والبنية التحتية التي تم انشاؤها في المنطقة؛ فقد بقي النفط هو المحرك الأساسي للاقتصاد  الخليجي، وبالتالي أصبحت أسعار النفط قادرة على التلاعب بحركة  الاقتصاد بشكل كبير ومؤثر.

اقتصادات قوية جذبت الأيدي العاملة الأجنبية

عادة ما كانت المنطقة الخليجية تتمتع باقتصاد متنامٍ وقوي، بالإضافة لمستوى معيشة مرتفع جعلها مقصداً للعمالة العربية والآسيوية من جهة والشركات الاستثمارية الأمريكية والأوروبية من ناحية أخرى،  ومن أبرز أشكال تبلور قوة الاقتصاد كان البنية التحتية المتينة والإنفاق الحكومي الكبير على مؤسساته، مما جعل معظم المواطنين يتجهون للعمل الحكومي ذي الدخل  المرتفع مقارنة بساعات العمل القليلة ونوعية العمل السهلة.

كما أن البنية التحتية المتينة جعلت المدن الخليجية الصغيرة تنمو بسرعة لتصبح مراكز حضارية معروفة عالمياً مع شوارع منظمة وناطحات سحاب وحدائق ومنتزهات ومراكز تسوق جذابة، بالإضافة لنظم تعليمية فعالة جعلت الجامعات في المنطقة ترتقي إلى سلم التصنيف العالمي للجامعات، وفي بعض الحالات وصلت لمرحلة المنافسة مع  الجامعات العريقة والكبرى في العالم الغربي،  في الجانب الآخر فقد رفعت الدخول المرتفعة من مستوى المعيشة، حيث أصبحت شعوب المنطقة من الأكثر استهلاكاً لبضائع ومنتجات الرفاهية ذات الجودة الفاخرة والأسعار الباهظة، كاقتناء المنتجات التكنولوجية الحديثة والأثاث الفاخر والسيارات الباهظة وكل أدوات ومظاهر الرفاهية.

النفط خطير في حال كان المورد الوحيد

جعل الوضع الاقتصادي المميز في المنطقة؛ الاقتصاد الخليجي يعتمد بشكل أساسي على النفط كمورد شبه وحيد، حيث كان النفط يشكل 80% من العائدات الحكومية الإجمالية للمنطقة، ومنها السعودية التي تعتمد على النفط ليؤمن 90% من الميزانية الحكومية، مع استثناءات قليلة بذلك الاعتماد كإمارة دبي التي لا يشكل النفط سوى 5% فقط من العائدات الحكومية فيها.

لكن هذا الاعتماد الكبير على النفط مترافقاً مع مستويات ضرائب متدنية أو معدومة وإنفاق حكومي هائل، جعل الاقتصاد الخليجي هشاً ومعرضاً للخطر في حال تغير الظروف وانخفاض سعر النفط، وهذا ما حصل! انخفض النفط من سعرٍ مرتفع يقارب 115 دولار أمريكي للبرميل ليصل حدوداً منخفضة جداً هي الأدنى منذ عام 2003 عندما سجل 27 دولاراً أمريكياً للبرميل في شباطفبراير المنصرم من عام 2016.

نتائج الانخفاض على المنطقة

نتائج الانخفاض من الممكن وصفها بالكارثية وإن لم تنعكس بشكل مباشر، لكن من المتوقع استمرارها وتزايدها لمدة من الزمن حتى في حال عاود سعر النفط الصعود مجدداً، فخلال عام 2015 وحده، خسر الاقتصاد الخليجي حوالي 340 بليون دولار أمريكي كنتيجة مباشرة لانخفاض سعر النفط، مما أدى إلى انعكاس ذلك على اقتصادات المنطقة.

حيث انخفضت العائدات الحكومية (وهي الدخل الحكومي الوارد من أرباح شركات القطاع العام والضرائب) في عُمان بمقدار 16%، وكون 65% من العائدات الحكومية البحرينية عبارة عن ديون خارجبة، وبالنسبة للبلدان الباقية فلم تكن بمنأى عن هذه التأثيرات، فرغم عدم التأثر الظاهري للاقتصاد السعودي فقد خسرت السعودية 112 بليون دولار أمريكي من احتياطها المقدّر سابقاً ب 740 بليوناً، وبشكل إجمالي خُفضت المرتبة الإئتمانية لكل من البحرين وعُمان بينما أُدرجت البلدان الأربعة الأخرى على قائمة المراقبة.

الهند أكثر الاقتصادات نمواً نتيجة لهبوط سعر النفط

رغم أن هبوطات أسعار النفط عادة ما ترفع من النمو العالمي، إلا أن هذا التأثير للهبوط السابق كان طفيفاً للغاية حيث أدى لارتفاع لا يتعدى 0.5% فقط في الناتج الإجمالي العالمي، وبطبيعة الحال فالدول الخليجية لم تكن المتضرر الوحيد، فكل من إيران وروسيا وفينزويلا والبرازيل تعرضت لخسائر اقتصادية وتراجع كبير في النمو كنتيجة، لكن على الضفة الأخرى، أثر هذا الانخفاض إيجاباً على الدول غير المنتجة إجمالاً وخصوصاً الهند لتصبح الاقتصاد الأكثر نمواً بين الاقتصادات الكبرى حالياً.

مسببات انخفاض أسعار النفط عالمياً

بطبيعة الحال، هذه ليست المرة الأولى التي تنهار فيها أسعار النفط العالمية فقد انخفضت مثلاً:

  • بين عامي 1985 و1986 نتيجة ارتفاع الانتاج حينها بعد تخفيف منظمة أوبك للقيود على الصادرات النفطية.
  • وحدث انخفاض آخر عام 2009 نتيجة الانخفاض الحاد والمؤقت في الطلب على النفط. ويمكن النظر للأمر في هذه المرة كخليط من السببين، ارتفاع العرض مع تناقص الطلب في نفس الوقت.

بدأ الانخفاض في أسعار النفط مؤخراً مع الانتقال العالمي نحو الطاقات البديلة كالرياح والشمس والطاقة النووية، مثلاً:

  • تعتمد دول أوروبا الشمالية اليوم على الرياح كمصدر أساسي ووحيد لتوليد الكهرباء بينما تعتمد فرنسا مثلاً على المفاعلات النووية.
  • كذلك انخفاض النمو الاقتصادي الصيني، بالتالي انخفاض طلب الصين للنفط.
  • تزايد الاقبال على الاتجاه نحو السيارات الكهربائية من شركات كبرى اقتداءً بشركة تسلا (Tesla Motors) الأمريكية المتخصصة بالسيارات الكهربائية.

ترافق هذا الانخفاض في الطلب مع زيادة استخراج النفط الصخري (وهو نوع من النفط يكون محتبساً ضمن التراب والصخور مما يجعل استخراجه مكلفاً لكن الناتج مربح، ويتم استخراجه بشكل كبير شمال الولايات المتحدة وفي كندا) ومع قرار المملكة العربية السعودية زيادة انتاجها حتى الحد الأقصى لتعويض الخسارة من الانخفاض الأولي للأسعار.

وحول ذلك يرى بعض المحللين جانباً سياسياً للأمر، حيث أن السعودية رفعت انتاجها بقصد إضعاف الانتاج الإيراني والروسي وغيره، فالنفط السعودي أقل كلفة بكثير من غيره وبالتالي يبقى رابحاً حتى في أسعار متدنية على عكس الأنواع الأخرى كالصخري مثلاً.

كيفية الحد من تأثير انخفاض أسعار النفط على اقتصادات دول الخليج

 من الصعب تغيير السياسات الاقتصادية الخليجية بشكل آني بحيث تعتمد على السياحة مثلاً (خصوصاً السعودية، حيث هنالك تحفظات اجتماعية كبيرة على وجود  السواح)، لكن هنالك بعض الخطوات التي بدأت هذه البلدان باتخاذها للحد من التأثيرات والتخفيف من آثار هذا الانخفاض ومن ذلك:

  • الاتجاه المتفق عليه وهو تقليل النفقات الحكومية بشكل كبير وبشكل خاص تخفيض أو إلغاء الدعم عن المواد الغذائية والمحروقات والكهرباء والمياه.
  • التوجه للاستدانة لتعويض العجز أو استخدام الاحتياطات السابقة ريثما تنتهي الأزمة الاقتصادية (في حال كون انخفاض سعر النفط مؤقتاً).
  •  الاتجاه لإنشاء ضرائب جديدة ورفع الضرائب الموجودة أصلا خصوصاً على العمالة الأجنبية.
  • الانتقال من الاعتماد على الوظائف الحكومية إلى الاتجاه نحو القطاع الخاص.

في النهاية.. لا بد من إيجاد سياسات اقتصادية جديدة للمنطقة الخليجية تجنبها هكذا اضطرابات لاحقة، وهنا تُعد دبي تجربة ناجحة جداً ومناسبة للاقتداء بها لتقليل التأثر بانخفاض سعر النفط والتوجه نحو اقتصاد متنوع وقوي وصلب.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر