عيد المقاومة والتحرير في لبنان

ذكرى اندحار القوات الإسرائيلية عن أراضي الجنوب اللبناني

الكاتب:
تاريخ النشر: 30/08/2016
آخر تحديث: 31/08/2016
يصادف تاريخ 25 أيار من كل عام، حيث يحيي اللبنانيون فيه ذكرى اندحار إسرائيل عن جنوب لبنان في عام 2000

لم يكن يوم الخامس والعشرين من شهر أيار/مايو عام 2000 يوماً عادياً في تاريخ لبنان، في هذا اليوم انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان تحت ضربات المقاومة اللبنانية المعروفة بحزب الله، وبذلك عاد الجنوب إلى حضن الوطن اللبناني.

عانى لبنان باعتباره بلداً مجاوراً لإسرائيل الكثير، بدايةً استقبل عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين نتيجة نكبة فلسطين عام 1948، ونكسة حزيران عام 1967، كما تعرض للاجتياح الإسرائيلي ثلاث مرات في أعوام 1978، 1982، 1996، وآخرها عدوان تموز عام 2006، لكن ذلك لم يؤثر على إرادة اللبنانيين واستمرارهم في حب الحياة والتمسك بها جنباً إلى جنب مع حب وطنهم واستعدادهم للدفاع عنه.

الاحتفال بعيد التحرير

يحتفل اللبنانيون في الخامس والعشرين من أيار/مايو كل عام بتحرير جنوب لبنان وانسحاب الجيش الإسرائيلي منه، حيث تنظم المسيرات والمظاهرات وترفع الأعلام اللبنانية وأعلام حزب الله وهو الحزب الذي قاد المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، حيث يلقي الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله كلمة تؤكد أهمية هذا الإنجاز، كما تفرد ساعات من البث المباشر في القنوات اللبنانية للحديث عن هذا اليوم واستذكار تلك اللحظات حين انسحبت إسرائيل من الجنوب حيث عاد اللبنانيون إلى مناطقهم بعد تحريرها مباشرةً.

منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن إلى جنوب لبنان

بعد نكبة فلسطين عام 1948 استقر في لبنان أكثر من مئة ألف لاجئ فلسطيني، وفي عام 1964 تأسست منظمة التحرير الفلسطينية بهدف تحرير فلسطين من إسرائيل، وبعد نكسة حزيران/يونيو عام 1967 أصبحت المنظمة الفلسطينية أكثر إصراراً على تنفيذ عمليات ضد إسرائيل ولاسيما بعدما أصبحت كل فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي، وكان مقر المنظمة في الأردن ولكن بعد أحداث أيلول/سبتمبر الأسود عام 1970 والاشتباك بين الجيش الأردني ومنظمة التحرير الفلسطينية انتقلت المنظمة إلى لبنان، مما تسبب بانقسام اللبنانيين على الموقف من المنظمة ونشاطها.

فكانت أحد أسباب الحرب الأهلية اللبنانية في الثالث عشر من شهر نيسان/أبريل عام 1975، وقد درات رحاها بين الجبهة اللبنانية بزعامة كميل شمعون، والقوات اللبنانية بزعامة بشير الجميل من جهة، والحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، هذه الجبهة تحالفت معها منظمة التحرير الفلسطينية بجميع قواها وأطيافها والتي تحالفت مع الحركة الوطنية اللبنانية.

إسرائيل تحتل الجنوب

بعد انتهاء حرب تشرين/أكتوبر التحريرية عام 1974، استغلت إسرائيل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في الثالث عشر من شهر نيسان/أبريل عام 1975 فقامت باجتياح لبنان عدة مرات احتلت بنتيجتها جنوب لبنان لمدة اثنين وعشرين عاماً، وهذه الاجتياحات هي:

  الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان.. عملية الليطاني

تحججت إسرائيل بالعملية الفدائية التي نفذّتها دلال المغربي ضد حافلة إسرائيلية على طريق السفر السريع حيفا - تل أبيب والتي قتل فيها سبعة وثلاثين إسرائيلياً في الحادي عشر من شهر آذار/مارس عام 1978، فقامت باجتياح لبنان في الرابع عشر من شهر آذار/مارس عام 1978 واحتلت جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، وكان هدف العملية: تدمير قواعد منظمة التحرير الفلسطينية وإبعاد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية عن الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وقد استمر هذا الاجتياح سبعة أيام متسبباً بألف ضحية من اللبنانيين والفلسطينيين، وكانت النتيجة صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425.

القرار الدولي 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي

صدر القرار الدولي 425 في التاسع عشر من شهر آذار/مارس عام 1978، وأبرز ما تضمنه هذا القرار:

إن مجلس الأمن، بعد أن اطلع على رسالتي مندوب لبنان الدائم (س/12600 و س/12606) وعلى رسالة مندوب إسرائيل الدائم (س/12607)، وبعد أن استمع إلى بياني المندوبين الدائمين للبنان ولإسرائيل، وجراء قلقه الشديد من تدهور الوضع في الشرق الأوسط، ومما قد يكون لذلك من عواقب على الحفاظ على السلام الدولي، ولاقتناعه بأن الوضع الراهن يعرقل إحراز سلام عادل في الشرق الأوسط:

  1. يدعو إلى الاحترام التام لسلامة لبنان الإقليمية وسيادته واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دولياً.
  2. ويناشد إسرائيل أن توقف فوراً عملها العسكري ضد السلامة الإقليمية للبنان وأن تسحب على الفور قواتها من جميع الأراضي اللبنانية.
  3. يقرر، في ضوء طلب الحكومة اللبنانية، تشكيل قوة مؤقتة تابعة للأمم المتحدة في الحال، تخضع لسيطرتها، لتعمل في جنوب لبنان بقصد التحقق من انسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة السلام والأمن الدوليين، ومساعدة حكومة لبنان على تأمين عودة سلطتها الفاعلة إلى المنطقة، على أن يتم تشكيل القوة الدولية من أفراد من دول أعضاء في الأمم المتحدة.
  4. ويطلب المجلس من السكرتير العام أن يقدم تقريراً إلى المجلس خلال 24 ساعة حول تطبيق هذا القرار.

اعترضت إسرائيل على القرار لأنه لم ينتقد نشاط منظمة التحرير الفلسطينية المناهضة لإسرائيل، ولم تنفذ إسرائيل القرار الأممي، وسلّمت المناطق التي احتلتها لجيش لبنان الجنوبي (جيش لبنان الحر) بقيادة سعد حداد التابع لها، ووضعت الأمم المتحدة قوات حفظ سلام تابعة لها في جنوب الليطاني، وخلال هذا الاجتياح تعمقت العلاقة بين إسرائيل والكتائب اللبنانية بزعامة بشير الجميل.

الاجتياح الإسرائيلي الثاني للبنان.. عملية سلام الجليل.. احتلال بيروت عام 1982

كانت حجة إسرائيل هذه المرة محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أرجوف في الثالث من شهر حزيران/يونيو عام 1982، واتهمت تنظيم أبو نضال التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية الموجودة في لبنان، واجتاحت لبنان للمرة الثانية تحت مسمى (عملية سلام الجليل) وذلك في السادس من شهر حزيران/يونيو عام 1982 ووصلت هذه القوات إلى بيروت، وخلال هذه الفترة انتخب البرلمان اللبناني بشير جميل رئيساً للجمهورية على الرغم من اتهامه من قبل النواب المسلمين في البرلمان بالعمالة لإسرائيل، وذلك في الثالث والعشرين من شهر آب/أغسطس عام 1982.

اغتيل بعد ذلك بشير الجميل قبل تسعة أيام من استلامه السلطة أي في الرابع عشر من شهر أيلول/سبتمبر عام 1982 على يد عضو الحزب السوري القومي الاجتماعي حبيب الشرتوني، فاحتلت إسرائيل بيروت الغربية في اليوم التالي وأدخلت قوات من الكتائب اللبنانية إلى مخيمي صبرا وشاتيلا حيث ارتكبت مجزرة بحق الفلسطينيين انتقاماً لمقتل زعيمهم، ثم انتخب البرلماني اللبناني شقيقه أمين الجميل رئيساً للجمهورية في الحادي والعشرين من شهر أيلول/سبتمبر عام 1982، ووقع رئيس لبنان (اتفاق 17 أيار) مع إسرائيل.

اتفاق 17 أيار

تضمن اتفاق 17 أيار البنود التالية:

  1. إلغاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل.
  2. الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان في فترة 8-12 أسبوع، بالتزامن مع انسحاب الجيش السوري ومنظمة التحرير الفلسطينية من لبنان.
  3. إنشاء منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية تتعهد الحكومة اللبنانية بأن تنفذ ضمنها الترتيبات الأمنية المتفق عليها في ملحق خاص بالاتفاق.
  4. تكوين لجنة أمريكية - إسرائيلية - لبنانية تقوم بالإشراف على تنفيذ بنود الاتفاقية وتنبثق من تلك اللجنة لجنة الترتيبات الأمنية ولجان فرعية لتنظيم العلاقات بين البلدين.
  5. تكوين مكاتب الاتصال بين البلدين والتفاوض لعقد اتفاقيات تجارية.
  6. امتناع كل من إسرائيل ولبنان عن أي شكل من أشكال الدعاية المعادية للبلد الأخرى.
  7. إلغاء جميع المعاهدات والبنود والأنظمة التي تمنع تنفيذ أي بند من بنود الاتفاقية.

تسبب اتفاق 17 أيار/ مايو عام 1983 بنشوب الاقتتال الداخلي وانقسام المشهد السياسي بين الحكومة والرئيس أمين الجميل والمتمسكين بالاتفاق من جهة وجبهة الإنقاذ الوطني ومن ورائها سوريا الرافضين للاتفاق من جهة ثانية، وتحت ضغط الرفض الشعبي اتفقت الفصائل اللبنانية على إلغاء اتفاق 17 أيار  مع إسرائيل في الخامس من شهر آذار/مارس عام 1984، احتجت إسرائيل على إلغاء الاتفاق، وبقيت محتلة جنوب لبنان ورفضت تطبيق القرار 425 القاضي بانسحابها من جنوب لبنان، وبعد هذا الاجتياح انتقلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس.

ظهور حزب الله المقاوم لإسرائيل

لم يستسلم اللبنانيون للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، فبدأت العمليات الفدائية وأبرزها عملية سناء محيدلي وهي مواطنة لبنانية حيث اقتحمت في التاسع من شهر نيسان/أبريل عام 1985، بسيارة بيجو 504 بيضاء اللون ومفخخة بأكثر من 200 كلغ من التي ان تي، تجمعاً لآليات جيش الاحتلال الإسرائيلي على معبر باتر–جزين، مفجرة نفسها وسط تجمع لجنود الاحتلال الإسرائيلي مما أدى لمقتل عدد من الجنود الإسرائيليين وجرح العشرات.

وفي نفس العام تأسس حزب الله في لبنان أي عام 1985 كحركة مقاومة ضد القوات الإسرائيلية التي تحتل جنوب لبنان، حيث نفّذ العديد من العمليات الفدائية ضد الإسرائيليين مستخدماً أسلوب حرب العصابات (وهي حرب تعتمد على مهاجمة أعداد قليلة نقاط تجمع العدو بشكل مفاجئ والقضاء عليها ومن ثم الاختفاء عن الأنظار)، كما استخدم حزب الله أسلوب أسر الجنود الإسرائيليين، وقصف جنود الاحتلال بصواريخ محلية (الكاتيوشا)، وقد أسفرت عملياته عن اجتياح إسرائيل لبنان فيما عرف بـ (عملية عناقيد الغضب) في الحادي عشر من شهر نيسان/أبريل عام 1996 بهدف القضاء على التنظيم الذي وصلت عملياته حد قصف المستوطنات شمالي إسرائيل.

وعلى الرغم من استمراره ستة عشر يوماً أي حتى السابع والعشرين من شهر نيسان/أبريل عام 1996 لكن الاجتياح فشل في تحقيق هدفه على الرغم من ارتكابه مجزرة (قانا) التي أودت بحياة عشرات المدنيين العزل، وانتهى هذا الاجتياح بتوقيع اتفاقية عناقيد الغضب مع لبنان تنص على امتناع الطرفين عن استهدف المناطق الحدودية للطرف الآخر وتم تعيين لجنة لمراقبة الاتفاق تضم ممثلين عن سورية ولبنان والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، هذه الاتفاقية منعت الهجمات الحدودية ولكن لم تمنع المقاومة من استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي يحتل جنوب لبنان، حيث بقيت المقاومة مستمرة حتى انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان في الخامس والعشرين من شهر أيار/مايو عام 2000، واعتبر هذا الإنجاز إنجازاً لكل اللبنانيين، وأعلن رئيس الوزراء اللبناني سليم الحص هذا اليوم عطلة رسمية في كل لبنان.

مع طرد القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان في الخامس والعشرين من شهر أيار/مايو عام 2000، فرّ مئات من المتعاونين اللبنانيين وأسرهم مع المحتلين، وقد عاد جزء منهم حيث عوقبوا في المحاكم اللبنانية بتهمة العمالة لإسرائيل بالسجن.

في الختام.. لطالما شكل الإيمان بقضية ما سبباً للفوز بها، آمن اللبنانيون بأن مقاومة الاحتلال ستؤدي إلى زواله وهذا ما حصل، لكن الإسرائيليون لم ينسوا ما حصل وسيحاولون الانتقام مما حصل في حرب جديدة هي حرب تموز عام 2006 التي سنكون مع مقالة مفصلة عنها وعن نتائجها.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر