الحرب الأهلية اللبنانية

حرب محلية في لبنان بأبعاد إقليمية ودولية، ما قصتها وما اهم مراحل هذه الحرب وأهم نتائجها

الكاتب:
تاريخ النشر: 13/08/2016
آخر تحديث: 03/09/2016
حرب لخمسة عشر عاما وضحايا بعشرات الآلاف بدون منتصر

استمرت الحرب الأهلية اللبنانية خمسة عشرة عاماً وسبعة أشهر، ذهب ضحيتها آلاف الضحايا من اللبنانيين وشكلت فرصة لإسرائيل لتغزو لبنان مرتين تمكنت خلالها من احتلال جنوب لبنان مدة اثنين وعشرين عاماً قبل أن تنسحب منه في الخامس والعشرين من شهر أيار/مايو عام 2000.

لطالما شكل الصراع على السلطة وتردي الأوضاع الاقتصادية عوامل ضاغطة على أي مجتمع من المجتمعات، وهذا هو حال لبنان خلال فترة السبعينات، الأمر الذي تجاوز كل الحدود وصولاً إلى مرحلة الاقتتال الداخلي التي دامت خمسة عشر عاماً وسبعة أشهر، لتكون النتيجة اتفاقاً لم يرضِ أحد هو (اتفاق الطائف).

أطراف الصراع في الحرب الأهلية اللبنانية

دخلت أطراف عديدة في الحرب الأهلية اللبنانية، وهذه الأطراف محلية وإقليمية.

  • الأطراف المحلية

تمثلت بجهتين:

  1. الجبهة اللبنانية، وضمت حزب الكتائب اللبنانية (تأسس كحركة قومية في عام 1936، تحول إلى حزب سياسي عام 1952، تزعمه بيار الجميل)، القوات اللبنانية (تأسست في عام 1976 لتكون جناحاً عسكرياً للجبهة اللبنانية بقيادة بشير الجميل وهي الآن حزب سياسي يتزعمه سمير جعجع)، حزب الوطنيين الأحرار (حزب سياسي أسسه كميل شمعون في عام 1958)، تيار المردة (أسسه سليمان فرنجية عام 1967)، حراس الأرز (حزب قومي أسسه إتيان صقر في عام 1976) ويهيمن عليه المسيحيون.
  2. الحركة الوطنية اللبنانية، ضمت الحزب التقدمي الاشتراكي (تأسس في الخامس من شهر كانون الثاني/يناير عام 1949، أسسه كمال جنبلاط)، حركة أمل (اختصار لـ (أفواج المقاومة اللبنانيّة) أسسها موسى الصدر في العشرين من شهر كانون الثاني/يناير عام 1974 بهدف التصدي للاعتداءات الإسرائيلية)، الحزب السوري القومي الاجتماعي (أسسه أنطوان سعادة في عام 1932)، حيث تحالفت معها منظمة التحرير الفلسطينية (تأسست عام 1964 بهدف تحرير فلسطين من خلال الكفاح المسلح، ضمت الفصائل التالية: (حركة التحرير الوطني الفلسطيني المعروفة بـ (فتح)، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حزب الشعب الفلسطيني المعروف سابقاً بـ (الحزب الشيوعي الفلسطيني)، جبهة النضال الشعبي، جبهة التحرير الفلسطينية، الجبهة العربية الفلسطينية، منظمة الصاعقة، جبهة التحرير العربية، حزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني المعروف بـ (فدا)، حركة المجلس الوطني الفلسطيني للاجئين في السعودية).
  • الأطراف الإقليمية

تمثلت بطرفين:

  1. سوريا، التي أرسلت جنودها إلى لبنان في عام 1978 بهدف وضع حد للحرب الأهلية اللبنانية.
  2. إسرائيل، اجتاحت لبنان مرتين الأولى في عام 1978، والثانية في عام 1982، وكلاهما بهدف واحد القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية واثراء النزاع اللبناني الداخلي.

أسباب الحرب الأهلية في لبنان

وقفت أسباب عديدة خلف الحرب الأهلية اللبنانية، وهذه الأسباب هي:

  • عدم المساواة الاقتصادية بين المدن اللبنانية، حيث تركز النمو الاقتصادي على العاصمة بيروت، في المقابل كانت الأوضاع الاقتصادية في جنوب لبنان متردية.
  • تداخل الخلافات الاقتصادية مع الخلافات الطائفية، حيث تميز المسيحيون بمستوى اقتصادي أفضل من المستوى الاقتصادي للمسلمين.
  • التغير الديمغرافي في لبنان، فعندما اعتمد نظام الحكم عام 1932 على تحديد دين الرئيس حيث كانت نسبة المسيحيين تفوق نسبة المسلمين تركزت السلطة بيد رئيس الجمهورية المسيحي، أما في عام 1975 فقد أصبح عدد المسلمين يفوق عدد المسيحيين، ولكن النظام السياسي لم يتغير ليواكب التغير الحاصل في الديموغرافية والذي يعود لارتفاع نسبة الولادات لدى المسلمين وانخفاضها لدى المسيحيين.
  • الانقسام اللبناني حول الموقف من القضايا الإقليمية، ففي عام 1958 كان المسلمون مؤيدون لمشروع الوحدة مع سورية ومصر، في حين رفض المسيحيون ذلك، وعندما طلب الرئيس اللبناني كميل شمعون من الولايات المتحدة الأمريكية إنزال قواتها في لبنان كادت أن تدخل البلاد في حرب أهلية لولا انتخاب رئيس جديد للجمهورية هو فؤاد شهاب الذي طلب من القوات الأمريكية المغادرة.
  • وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، فبعد أحداث أيلول/سبتمبر الأسود في الأردن عام 1970 انتقلت منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن إلى لبنان، فاندلعت اشتباكات بين الجيش اللبناني ومنظمة التحرير الفلسطينية انتهت بتوقيع (اتفاق القاهرة) بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية في عام 1969، الذي اعترف بموجبه لبنان بحق منظمة التحرير الفلسطينية في التسلح، فأصبح مقراً لعمليات أفراد المنظمة ضد إسرائيل الأمر الذي عرّض أمن اللبنانيين للخطر، ما أثار غضب المسيحيين باعتبار بلدهم يتعرض لهجمات انتقامية من إسرائيل التي حمّلت الحكومة اللبنانية مسؤولية ممارسات الفلسطينيين تجاهها.

محاولة اغتيال بيير الجميل تشعل نار الحرب الأهلية اللبنانية

في الثالث عشر من شهر نيسان/أبريل عام 1975 حاول مجهولون اغتيال رئيس حزب الكتائب اللبنانية بيار الجميل، مما أدى لمقتل مرافقيه جوزيف أبو عاصي، أنطوان ميشال الحسيني، ورداً على هذه الحادثة قامت ميليشيا حزب الكتائب بالتعرض لحافلة كانت تقل أعضاء من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة؛ إلى مخيم تل الزعتر مما أدى لمقتل سبعة وعشرين شخصاً فيما عرف بـ (حادثة عين الرمانة او البوسطة)، بذلك بدأت الحرب الأهلية اللبنانية بين منظمة التحرير الفلسطينية وميليشيا الكتائب اللبنانية.

المرحلة الأولى: (1975- 1978) أحداث السبت الأسود تقسم بيروت إلى شرقية وغربية

بعد حادثة عين الرمانة بأشهر تحديداً في السادس من شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 1975 عثر على أربعة جثامين لأعضاء من حزب الكتائب، فوضعت ميليشيا حزب الكتائب نقاط تفتيش في منطقة مرفأ بيروت، وقتلت المئات من الفلسطينيين واللبنانيين المسلمين بناء على الهوية الشخصية (التي كانت آنذاك تدون مذهب حاملها) فيما عرف لاحقاً بـ (السبت الأسود)، مما أدى لاندلاع الاشتباكات على نطاق واسع بين المليشيات، فانقسمت بيروت ومعها لبنان، إلى منطقتين عرفتا بالمنطقة الشرقية وأغلبها مسيحيين، والمنطقة الغربية التي كانت مختلطة مع أكثرية إسلامية ومحاطة بالمخيمات الفلسطينية.

مجزرتي الكرنتينا والدامور

اقتحمت ميليشيا حزب الكتائب في الثامن عشر من شهر كانون الثاني/يناير عام 1976 منطقة الكرنتينا ذات الأغلبية المسلمة والواقعة تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية ويسكنها أكراد وسوريون وفلسطينيون، وقتلت ألف وخمسمئة شخص، فردت الميليشيات الفلسطينية بعد يومين أي في العشرين من شهر كانون الثاني/يناير عام 1976 باقتحام بلدة الدامور المسيحية وقتلت المئات منهم، وهرب الآلاف من السكان بحراً حيث كانت الطرق مقطوعة فبدأت إسرائيل تساعدهم من خلال تأمين السلاح لهم وذلك عملاً بمبدأ (عدو عدوي صديقي)، فأدت هاتين الحادثتين إلى هجرة جماعية للمسلمين والمسيحين حيث لجأ كل منهم إلى المنطقة الواقعة تحت نفوذ طائفته الأمر الذي عزز التقسيم بين بيروت الشرقية المسلمة وبيروت الغربية المسيحية.

سوريا تتدخل لإيقاف الحرب الأهلية اللبنانية

دخل الجيش السوري إلى لبنان في شهر كانون الثاني/يناير عام 1976 بناءً على طلب من رئيس الجمهورية اللبنانية حينها سليمان فرنجية لإيقاف الحرب الأهلية، وفي الثامن من أيار/مايو عام 1976 انتخب إلياس سركيس رئيساً للجمهورية، فسيطر الجيش السوري على طرابلس وسهل البقاع التي كانت تحت سيطرة قوات الحركة الوطنية اللبنانية والميليشيات الفلسطينية، وفرضت حظر التجوال على أمل وقف الاشتباكات، لكن حظر التجوال فشل، فاقتحمت الميليشيات المسيحية دفاعات مخيم تل الزعتر في الثاني عشر من شهر آب/أغسطس عام 1976 وقتلت الآلاف من الفلسطينيين فيما يعرف بمذبحة تل الزعتر.

جامعة الدول العربية توفر غطاءً للتدخل السوري في لبنان

أعطت القمة العربية المنعقدة في الرياض في شهر تشرين الأول/أكتوبر عام 1976، سورية حق الاحتفاظ بأربعين ألف جندي تحت مسمى (قوات الردع العربية) التي كانت مهمتها فك الاشتباكات واسترجاع الأمن، مما أدى لوقف الحرب في بيروت ومعظم لبنان واستمرارها في جنوبه بين منظمة التحرير الفلسطينية والميليشيا المسيحية التي تدعمها إسرائيل.

الخط الأخضر يحمل الهدوء الحذر

وقف الحرب لم يكن يعني نهايتها، حيث بقي لبنان مقسماً إلى قسمين:

  1. القسم الأول، مكون من جنوب لبنان وبيروت الغربية، وهو تحت سيطرة الميليشيات المسلمة ومنظمة التحرير الفلسطينية.  
  2. القسم الثاني، القسم المسيحي من جبل لبنان وبيروت الشرقية، وهو تحت سيطرة الميليشيات المسيحية.

وكان الخط الفاصل بين بيروت الغربية والشرقية يسمى الخط الأخضر.

الجبهة الوطنية اللبنانية

في شهر كانون الثاني/يناير عام 1977 تأسست الجبهة اللبنانية وضمت التيارات المسيحية التالية: حزب الكتائب بقيادة بيار الجميل، تيار المردة بقيادة سليمان فرنجية، حزب الوطنيين الأحرار بقيادة كميل شمعون، حراس الأرز بقيادة إتيان صقر، حيث أنشأت الجبهة جناحاً عسكرياً لها تحت اسم القوات اللبنانية وتولى بشير الجميل نجل بيار الجميل قيادتها.

اغتيال كمال جنبلاط

اغتيل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في السادس عشر من شهر آذار/ مارس عام 1977، فاتهم ابنه وليد جنبلاط الذي استلم رئاسة الحزب التقدمي الاشتراكي؛ المسيحيين وسورية باغتياله، فقام أعضاء من حزب جنبلاط بارتكاب مجزرة بقتل مئة وأربعة وأربعين مسيحياً في منطقة الشوفا انتقاماً لموت جنبلاط.

حرب المئة يوم بين القوات السورية وميليشيا القوات اللبنانية

بدأت المواجهات بين الجيش السوري والقوات اللبنانية في الأول من شهر تموز/يوليو عام 1978 إثر قيام الجيش السوري بتفتيش رئيس القوات اللبنانية بشير الجميل، حيث دامت المعارك مئة يوم، انتهت بانسحاب الجيش السوري من بيروت الشرقية، وأرسلت الأمم المتحدة قوات متعددة الجنسيات (قوات أمريكية وفرنسية وإيطالية) لتقديم المعونة وفض الاشتباك بين القوات المتحاربة في لبنان.

عملية الليطاني.. مجازر.. وإسرائيل تقصف بيروت

الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان

قامت إسرائيل باجتياح لبنان في الرابع عشر من شهر آذار/مارس عام 1978 واحتلت جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، فيما سُمي بعملية الليطاني.

مجزرة إهدن تخرج تيار المردة من تحالف الجبهة اللبنانية

في شهر حزيران/يونيو عام 1978، قتلت قوات المردة عضواً بارزاً في حزب الكتائب من دون معرفة الأسباب، فأرسل بشير الجميل قواته بقيادة سمير جعجع إلى مدينة إهدن لاختطاف طوني فرنجية، قائد ميليشيات المردة وابن الرئيس سليمان فرنجية، لإجباره على تسليم المسؤولين عن مقتل العضو الكتائبي، إلا أن العملية انتهت بمقتل طوني فرنجية وعائلته والمقاتلين التابعين له، سميت الواقعة فيما بعد بـ (مجزرة إهدن)، ومن وقتها أنهى سليمان فرنجية ارتباط حزبه تيار المردة بالجبهة اللبنانية.

مجزرة الصفرا.. معركة السكاكين الطويلة

بهدف توحيد المقاتلين المسيحيين تحت قيادته أرسل بشير الجميل قواته في عام 1980 إلى مدينة الصفرا لقتال داني شمعون، قائد ميليشيا نمور الأحرار الجناح العسكري لحزب الوطنيين الأحرار، وذلك لخروجه عن سيطرة القوات اللبنانية، حيث تمكن بشير الجميل من القضاء تماماً على ميليشيات النمور فيما سمي بـ (مجزرة الصفرا) و (معركة السكاكين الطويلة) حيث استخدمت فيها السكاكين، لم يتم قتل داني شمعون حيث ذهب ليعيش في بيروت الغربية التي كانت ذات أغلبية مسلمة، أصبح بشير بذلك المسيطر الأوحد على القوات اللبنانية.

تجدد القتال بين الجيش السوري وميليشيا القوات اللبنانية

تجدد الصدام بين الجيش السوري والقوات اللبنانية بسبب سيطرة الأخيرة على مدينة زحلة في عام 1981، فاستغاثت القوات اللبنانية بإسرائيل، التي أرسلت طائرات حربية أسقطت مروحيتين سوريتين.

إسرائيل تقصف بيروت

قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية في السابع عشر من شهر تموز/يوليو عام 1981 مبنى مكون من عدة طوابق يضم مكاتب لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبعثة الأمم المتحدة في لبنان، حيث وصل عدد القتلى إلى ثلاثمئة وعدد المصابين إلى ثمانمائة، وأدى القصف إلى استياء دولي وحظر مؤقت لتصدير المنتجات الأمريكية لإسرائيل قام به الرئيس الأمريكي دونالد ريغان.

عملية سلام الجليل

قامت إسرائيل باجتياح لبنان للمرة الثانية ووصلت إلى بيروت في الثالث من شهر حزيران/يونيو عام 1982، حيث انسحبت منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، وانتخب بشير الجميل رئيساً للجمهورية في الثالث والعشرين من شهر آب/ أغسطس عام 1982، الذي اغتيل في الرابع عشر من شهر أيلول/سبتمبر من نفس العام، من غير المعروف من نفذ عملية الاغتيال.. (حيث كانت الحرب الأهلية تستعر مع كل عملية اغتيال لأن هوية الجاني مجهولة فكل طرف يظن أن الطرف الآخر نفذ هذا الاغتيال).

كذلك تمكنت إسرائيل من فرض اتفاق 17 أيار/مايو في عام 1983 الذي لم يدم طويلاً حيث نجحت القوى اللبنانية في الاتفاق على إبطاله في عام 1984.

حرب الجبل

انسحبت إسرائيل من جبل الشوف في شهر آب/أغسطس عام 1983، فاندلعت معارك عنيفة ودامية بين الحزب التقدمي الاشتراكي، مدعوماً من بعض القوى الفلسطينية، من جهة والقوات اللبنانية والجيش اللبناني من جهة أخرى، واعتبرت هذه الحرب إحدى أعنف فصول الحرب اللبنانية، انتهت المعارك بهزيمة مدوية للقوات اللبنانية وانسحاب المقاتلين المسحيين إلى بلدة دير القمر ومن ثم إلى بيروت الشرقية، وقد أدت هذه الحرب إلى سقوط مئات القتلى والجرحى من الطرفين.

التدخل الأجنبي في حرب لبنان الأهلية

كانت السفارة الأمريكية هدفاً من أهداف الحرب، حيث قتل ثلاثة وستون شخصاً في انفجار انتحاري استهدفها في بيروت، وفي تشرين الأول/ أكتوبر عام 1983 قتل مئتين وواحد وأربعين جندياً أمريكاً و ثمانية وخمسين جندياً فرنسياً في هجوم انتحاري استهدف معسكر القوات الأمريكية والفرنسية في بيروت، أما في كانون الثاني/يناير عام 1984 قتل رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت، وفي شهر أيلول/سبتمبر عام 1984 وقع هجوم آخر على السفارة الأمريكية في بيروت في مبناها الجديد الأكثر تحصيناً مما أدى إلى مقتل سبعة لبنانيين وأمريكيين اثنين، وفي العام التالي ظهر حزب الله الذي تبنى المقاومة كطريق لتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي.

بعد انسحاب القوات المتعددة الجنسيات من لبنان، سيطرت حركة أمل على بيروت الغربية في شهر نيسان/أبريل عام 1985، حيث هاجمت حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي، الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، واستمرت حرب المخيمات حتى عام 1986 حيث انتهت بتدمير شبه كامل للمخيمات، تخللت هذه الحرب محاولة اغتيال زعيم حزب الله محمد حسين فضل الله، وفي الأول من شهر حزيران/يونيو عام 1987 اغتالت القوات اللبنانية رئيس الوزراء اللبناني رشيد كرامي.

حكومة ميشال عون وحرب التحرير

قبيل انتهاء فترة رئاسة أمين الجميل في 1988 وعند اجتماع مجلس النواب اللبناني لانتخاب رئيس جديد، كان الانقسام على أشدّه ما أفشل الجهود للاتفاق على رئيس جديد وأدخل البلاد في مأزق دستوري، سلّم الرئيس أمين الجميل الجنرال ميشال عون، عماد الجيش اللبناني آنذاك، منصب رئاسة الجمهورية حسب تفسيره للدستور اللبناني، بينما أصرت الكتل الوطنية والإسلامية على تفسير الدستور بالشكل الذي ينص على تولي رئيس الوزراء سليم الحص مهمات رئيس الجمهورية لحين انتخاب رئيس جديد، وبذلك أصبح للبنان رئيسين وحكومتين، حكومة عسكرية مسيحية في بيروت الشرقية مدعومة من العراق، وحكومة مدنية مسلمة في بيروت الغربية مدعومة من سورية.

في شهر آذار/ مارس 1989، بدأ ميشال عون حرباً ضد الجيش السوري سماها "حرب التحرير"، تخللتها معارك داخلية بين المسيحيين أنفسهم، حيث قام الجيش اللبناني بمقاتلة القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع للسيطرة على أحياء جونية ومنطقة الميناء ومحطة الكهرباء والمطار الخاص، حيث ساهم الدعم العسكري والاستخباراتي الكبير الذي حصل عليه عون من العراق، والدعم المالي والإعلامي من منظمة التحرير الفلسطينية، إضافةً إلى عدم تدخل حزب الله في القتال، في صمود العماد عون أمام الجيش السوري وحركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي وألوية الجيش التي دعمت الحص.

الاتفاق الذي لم يرضِ أحداً

توصل النواب اللبنانيون في الطائف بوساطة المملكة العربية السعودية إلى اتفاق الطائف (الذي كان بداية لإنهاء الحرب الأهلية)، وذلك في شهر آب/أغسطس عام 1989، ولدى عودة النواب اللبنانيين من مدينة الطائف انتـُخب رينيه معوّض رئيساً للجمهورية ولكن ميشال عون رفض الاعتراف بمعوّض ورفض اتفاق الطائف وذلك لأن الاتفاق يقضي بـ:

  1. انتشار سوري على الأراضي اللبنانية.
  2. تغيير نظام الحكم وتقسيم الرئاسات الثلاث بين الطوائف اللبنانية، حيث أصبح رئيس الجمهورية مسيحي محدود الصلاحيات، في حين رئيس الحكومة سني وتتركز الصلاحيات في مجلس الوزراء مجتمعاً الذي يضم عدد وزراء متساوي بين المسيحيين والمسلمين، بينما رئيس مجلس النواب شيعي.

قُتل رينيه معوّض بعد انتخابه بـستة عشر يوماً وخلفه إلياس الهراوي، حيث رفض ميشال عون الاعتراف بإلياس الهراوي أيضاً، فتم إقصاء ميشال عون من قصر بعبدا الرئاسي وإعدام المئات من أنصاره في تشرين الأول/أكتوبر عام 1990 بعملية لبنانية-سورية مشتركة وبمباركة أمريكية فلجأ إلى السفارة الفرنسية وتوجه من بعدها إلى منفاه في باريس.

نهاية الحرب.. حكومة وحدة وطنية

انتهت الحرب اللبنانية الأهلية بإقصاء ميشال عون وتمكين حكومة إلياس الهراوي، وفي الرابع والعشرين من شهر كانون الأول/ديسمبر عام 1990 شكلت حكومة وحدة وطنية برئاسة عمر كرامي، وبإصدار البرلمان اللبناني في شهر آذار/مارس عام 1991 لقانون العفو عن كل الجرائم التي حصلت منذ 1975، وفي شهر أيار/ مايو عام 1991حلت جميع الميليشيات باستثناء حزب الله باعتباره حزباً مقاوماً للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وبدأت عملية بناء الجيش اللبناني كجيش وطني غير طائفي، وأجريت أول انتخابات برلمانية في صيف عام 1992.

فيلم وثائقي عن الحرب الأهلية اللبنانية

أنتجت قناة الجزيرة القطرية في عام 2001 وثائقي بعنوان (حرب لبنان)، من خمسة عشرة جزءاً يتحدث عن الحرب الأهلية اللبنانية.

في الختام.. يحي اللبنانيون في الثالث عشر من شهر نيسان/أبريل كل عام ذكرى اندلاع الحرب الأهلية، حيث يتبادر إلى ذهنهم خمسة عشر عاماً من العنف الدموي التي أدت لمقتل عشرات آلاف الضحايا، واليوم استفاد اللبنانيون من التجربة فعلى الرغم من حدة الخلافات بين القوى السياسية ولاسيما بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وانقسام اللبنانيين إلى معسكرين 14 آذار (يضم تيار المستقبل، حزب الكتائب اللبنانية، حزب القوات اللبنانية، سمي التكتل بهذا الاسم نسبة للتظاهرة الكبيرة التي حصلت بمناسبة مرور شهر على اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر في من شهر آذار/مارس عام 2004) و8 آذار (حزب الله، حركة أمل، التيار الوطني الحر، تيار المردة، سمي التكتل بهذا الاسم نسبة للتظاهرة التي خرجت في الثامن من شهر آذار/مارس عام 2005 لتشكر سورية على جهودها في وقف الحرب الأهلية إثر قرار دمشق سحب قواتها من لبنان)؛ إذ أن اللبنانيين رغم هذا الانقسام لم يلجؤوا إلى السلاح لحل خلافاتهم بل بقيت السياسة.. وفي الحد الأقصى المظاهرات، هي وسيلة التعبير عن هذه الخلافات.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر