ضرب الأطفال والعقاب الجسدي والآثار الناجمة عنه

هل ينفع ضرب الطفل فعلاً في تقويم سلوكه؟ وما هي التبعات الناجمة عن العقاب الجسدي؟
الكاتب:ميس كروم
تاريخ النشر: 10/06/2017
آخر تحديث: 10/06/2017
آثار ضرب الاطفال على صحتهم

تتأذى نفسية الطفل و يتأثر نضجه العاطفي والاجتماعي سلباً بعد ضربه وعقابه جسدياً، لتتسع دائرة الأذيات المتلاحقة شاملة بذلك تدني مستوى التطور الخاص بوظائفه المعرفية ومهارات التعلم لديه. هذا ويرى خبراء الصحة أن لسوء التحصيل العلمي المدرسي وحتى الأكاديمي صلة قوية بالضرب والعقاب الجسدي الذي تعرض له الفرد في طفولته سابقاً.

يزداد نشاط الطفل وحيويته خلال مراحل تطوره ونموه بشكل مستمر، محاولاً خلال نشاطاته أن يتعرف أكثر على البيئة المحيطة به ويشبع فضوله المعرفي عن ماهية الأشياء حوله، ليبدي في بعض الأوقات تصرفات غير مقبولة كالتخريب أو التعنيد تثير غضب الوالدين وتدفعهم إلى ضرب أبنائهم، ظناً منهم أن الضرب قد ينفع في إبعاد الطفل عن سلوكه الطائش والمخرب.

إذاً، هل يعقل فعلاً أن تأديب الطفل باعتماد أسلوب الضرب أو الإهانة العامة أمام الآخرين سيؤسس علاقة صحية سليمة بين وليّ الأمر وطفله على مر السنين؟ وما هي تبعات ضرب الطفل على وجهه أو مناطق أخرى من جسده نفسياً وسلوكياً واجتماعياً؟

1

عقاب الطفل واضطهاده بقصد تأديبه!

يشكل العقاب أسلوباً يحاول الآباء من خلاله ضبط سلوك الطفل غير المقبول، ولاشك أن مفهوم هذا الأسلوب سيختلف بين وليّ أمر وآخر، لنجد أن مفهوم العقاب لدى بعضهم يقوم على عزل الطفل بعيداً في غرفته ليلتزم الصمت والثبات لفترة زمنية معينة، بينما يحاول آخرون تقويم سلوك أبنائهم و تهذيب أخلاقهم متخذين من الضرب على أماكن مختلفة من الجسد كالوجه أو المؤخرة وسيلة ناجعة في تأديب الطفل وتعليمه السلوك الصائب من الباطل.

وقد يتطور المفهوم لدى بعض الآباء كي يلجؤوا إلى التعنيف الجسدي أو اللفظي لعقاب أطفالهم، لتضعنا الحالة الأخيرة أمام تساؤل كبير لن نستطيع خلاله التمييز الدقيق بين العقاب الجسدي للطفل (Corporal Punishment) واضطهاده (Child Abuse) الممنوع عالمياً، لاسيما أن الفارق بينهما يكاد يكون ضئيلاً قيد شعرة.

منع العقاب بالضرب حول العالم

 في عام 1979، صرحت دولة السويد بمنعها العقاب الجسدي للأطفال في المنازل والمدارس، لتعقبها ثلاثون دولة أخرى في هذا المنع. و في دولنا العربية، صدرت قوانين عدة أفادت بمنع الضرب في المدارس، غير أننا لا نزال نشهد لحالات يُضرب فيها الأطفال من قبل أهاليهم في المنازل وحتى الأماكن العامة دون مراعاة حقيقية لتداعيات هذا الضرب على الطفل لاحقاً، بما فيه بناء شخصيته القويمة وسلوكه المستقيم، اللذين يحتاجان لجو عائلي يوفر للطفل ما يلزمه ويعلمه الخطأ من الصواب بأسلوب منطقي، بمعزل تماماً عن العنف والضرب كوسيلة للعقاب على عدم الطاعة والانضباط.

2

هل ينفع العقاب الجسدي فعلاً في تأديب الأطفال وتهذيب سلوكهم ؟

يهدف تهذيب الطفل إلى تعليمه عبر سنوات تطوره كيف يميز بنفسه بين السّلوك الصائب و الخاطئ، ممهداً بذلك إلى النضج العاطفي والاجتماعي اللذين يحتاجهما بشكل كبير بعد بلوغه سن الرشد، وعليه لا يمكننا اعتبار الضرب والعقاب الجسدي السبيل الأمثل لهذا التقويم.

لاسيّما أن هذا الأسلوب سيعزز الخوف لدى الطفل ليتجنب السلوك الخاطئ بدلاً من تعليمه بشكل منطقي مدى ضرر تصرفه السيئ وضرورة تجنبه مستقبلاً، ولا يسعنا اعتبار هذا الضرب سوى محاولة تفريغ غضب عارم اتقد بسرعة لدى وليّ الأمر إثر سلوك طفله.

ليس هذا وحسب، فضرب الأطفال على الوجه أو المؤخرة و عقابهم جسدياً سيزعزع العلاقات والروابط المتينة بين الطفل وأبويه على المدى البعيد، ولن يصب اضطراب العلاقة هذا في مصلحة الطرفين أبداً، خصوصاً أن الطفل سيبقى بحاجة إلى الدعم المستمر والنصائح المتواصلة من والديه إلى أن يصبح فرداً بالغاً في المجتمع، ولا ينبغي أن ننسى مقدار الألم الذي يعاني منه الطفل ويؤثر فيه نفسياً وجسدياً بعد ضربه.

3

التداعيات النفسية الناجمة عن العقاب الجسدي

أشارت الطبيبة جون ديورانت (Joan Durrant)، أخصائية طب نفس الأطفال وأستاذة مساعدة في قسم العلاقات الأسرية في جامعة مانيتوبا (University of Manitoba)، أن العقاب الجسدي للأطفال سيرفع مستويات العنف والعدوانية لديهم بعد نضجهم حيال الأفراد المحيطين بهم، بما فيهم آبائهم وإخوانهم. كما أن للعقاب الجسدي صلة كبيرة بتطور الأمراض النفسية لاحقاً لدى الأطفال كالاكتئاب والقلق والإدمان على الكحول والمخدرات، كما قد يؤهب أيضاً لارتكاب الجرائم والسرقة والانتهاكات الاجتماعية لدى الأفراد الذين عوقبوا جسدياً في طفولتهم.

من جهة أخرى، ذكرت الأكاديمية الأمريكية للطب النفسي لدى الأطفال والمراهقين (American Academy of Child and Adolescent Psychiatry)، أن العقاب الجسدي قد يؤثر سلباً على القدرات المعرفية لدى الأطفال وقابلية التعلم لديهم، كذلك سيعزز لديهم مدى صحة اتباع التعنيف والضرب كأسلوب نافع لحل المشاكل وعلاجها.

4

كيف يمكنك إرشاد الطفل وتهذيب سلوكه بعيداً عن أشكال العقاب الجسدي؟

تنصح الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (American Academy of Pediatrics) بالامتناع الكلي عن ضرب الطفل على وجهه أو مؤخرته والابتعاد عن كافة أشكال العقاب الجسدي المتخذة بحق طيش الأطفال وتعنيدهم، وتؤكد بالمقابل على أهمية استبدال هذه الوسائل غير المجدية والمضرة بنفسية الطفل وسلامة جسده بما هو أنفع منها.

كاللجوء مثلاً إلى أسلوب يدعى (Time Out) وذلك بعد فشل التنبيهات المتكررة والموجهة إلى الطفل، وفيها يُعزل الطفل بعيداً عن المكان الذي أبدى فيه عدم التهذيب، ويلزمه وليّ أمره بالبقاء ثابتاً وساكناً فيه لفترة زمنية تتراوح بين خمس وعشر دقائق كحد أقصى، ليشرح بعدها أحد الأبوين مدى سوء التصرف الذي أبداه الطفل سابقاً.

 إن الطريقة السابقة لا تروّج أبداً لأساليب حبس الأطفال في غرف مظلمة، بل تحاول أن تعلّم الطفل الالتزام والانضباط لفترة زمنية قصيرة، إضافة إلى توجيهه لضرورة الابتعاد عن السلوك السيء بطريقة منطقية ومقبولة اجتماعياً ولها نتائجها الجيدة في بناء شخصية سليمة للطفل.

من جانب آخر، وضحت الأكاديمية أيضاً إمكانية لجوء الوالدين إلى أسلوب المنع المؤقت لبعض الميزات المتاحة بغية تأديب الأطفال الأكبر سناً، كمنع الطفل مثلاً من اللعب خارجاً أو مشاهدة التلفاز لفترة زمنية مؤقتة.

ختاماً.. تعرفنا معاً على مدى سوء استخدام العقاب الجسدي كوسيلة لتهذيب سلوك الأطفال، ونشير بالضرورة إلى أهمية استشارة طبيب الأطفال أو حتى مرشدي الدعم النفسي السلوكي، وذلك للاستفادة من النصائح والأساليب التي يقدمها كل منهما والتي ستصب حتماً في مصلحة توطيد العلاقة بين الطفل وأبويه، إضافة إلى تقويم شخصية الطفل وتصرفاته بعيداً عن العنف والضرب المضرين بنفسيته وسلوكياته المستقبلية.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر