غيرة الأطفال.. مظاهرها وأنواعها وطرق التعامل معها

سلوك الغيرة عند الأطفال بين الدوافع والمظاهر والأسباب.. أنواع الغيرة وكيفية مواجهتها

الكاتب:
تاريخ النشر: 13/05/2016
آخر تحديث: 31/05/2016
لغيرة الأطفال آثار سلبية عادة إلا أنها قد تحمل بعض الآثار الإيجابية أحيانا

لا تقتصر غيرة الأطفال على الانزعاج فقط أو الشعور بالضيق، حيث لا تؤدي نتائجها دائماً إلى التفوق وزيادة روح المنافسة والإصرار، إنما قد يكون لها مضاعفات وانعكاسات سلبية على نفسية الطفل وخصائصه الشخصية، ومن هنا وجب أن نتعرف على الغيرة وعلى منشئها وكذلك العوامل المسببة لها، من ثم مظاهرها وأنواعها وأخيراً أساليب التعامل معها.

يرغب الأطفال عموماً بأن يتعامل معهم الآخرون على أنهم مركز الحياة وأن يتركز حولهم كل ما فيها من حب أو اهتمام؛ لا يرغبون فقط بل ويشعرون بحقيقة هذه الفكرة أيضاً، فيتعلقون بها ويقومون بكل ما من شأنه الحفاظ على قيمتهم هذه، وعندما يأتي أحد أو شيء ما ويأخذ منهم هذه الميزة لسبب أو لآخر من الطبيعي أن ينزعجوا ويشعروا بالغيرة؛ ربما يصل بهم الأمر لأن ينتفضوا غضباً في محاولة لاسترداد مكانتهم المفقودة والدفاع عنها، وعادة ما يأخذ دفاعهم هذا أشكالاً وطرقاً عديدة تسمى جميعها.. سلوكيات الغيرة.

تعريف انفعال الغيرة عند الأطفال (Emotion of Jealousy)

يمكن أن نعرّف الغيرة على أنها انفعال أو شعور سلبي تجاه موضوع أو شخص معين، ويتميز هذا الشعور بالنظرة السلبية نحو الذات والآخرين؛ فينظر الطفل لذاته على أنه أقل شأناً وحظاً من أقرانه، وينظر للآخرين موضوع الغيرة على أنهم يملكون الكثير من الأشياء التي يفتقدها في شخصه أو أسرته أو  قدراته وحتى ممتلكاته .. الخ.

ويقوم تركيب انفعال الغيرة على مجموعة من مشاعر الغضب والأنانية أو الحسد والتوتر الدائم، عادة ما يحصل هذا الانفعال عند ملاحظة الطفل أن الشخص موضوع الغيرة يملك أو يتمتع بأشياء ومميزات هو لا يملكها ويفتقدها، ومن هنا فإن شعور الغيرة قد يؤدي إلى الغضب وربما بعض التصرفات العدوانية وحتى إلى كبت مشاعر الحقد والكراهية في بعض الأحيان تجاه موضوع أو مسبب انفعال الغيرة، هذا بالإضافة لأن الطفل صاحب انفعال الغيرة يشعر بالنقص عن الآخرين وقد يفقد جزءاً من ثقته بنفسه.

أبرز المظاهر السلوكية الطبيعية والمرضية؛ المصاحبة للغيرة عند الأطفال

الغيرة: انفعال طبيعي وهو موجود لدى كل البشر صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً؛ وموجود لدى الكائنات غير البشرية كبعض أنواع الحيوانات مثلاً. فمن لا يشعر بهذه الغيرة يمكن أن يوصف بأنه مريض ولديه برود في مشاعره، ولكن يبقى هذا الانفعال طبيعياً طالما كانت التصرفات التي يعبر عنه من خلالها طبيعية، ولكن عندما يصبح التعبير عن هذه المشاعر زائدا عن حده ومبالغ فيه ويأخذ أشكالاً تعتبر مؤذية للذات والآخرين، يمكننا هنا تسمية هذا الانفعال (بالغيرة المرضية Pathological Jealousy)، ومن هنا جاز تصنيف مظاهر الغيرة إلى نوعين؛ الغيرة الطبيعية والغيرة المرضية على الشكل التالي:

أولا ـ مظاهر الغيرة الطبيعية

  • الانزعاج في حال حضور من يغار منهم الطفل: فالطفل الذي يغار من المولود الجديد سيشعر بالانزعاج كلما رآه  في أحضان الوالدين يداعبانه ويهتمان به.
  • الحسد أو الشعور بالحزن والاكتئاب لفترة ودرجة محدودة: ويحدث هذا إذا استمر الطفل بالتفكير بالموقف أو الموضوع الذي أدى لشعوره بالغيرة باستمرار  كحال التلميذ الذي يغار من زميله المتفوق.
  • محاولات أثبات الذات: من خلال تطوير القدرات وزيادة الرغبة في المنافسة بهدف التفوق على موضوع الغيرة.
  • محاولات لتحجيم وتسخيف قدرات وميزات الشخص موضوع الغيرة: كالتربص بأخطاء الشخص موضوع الغيرة؛ فعندما يخطئ الزميل المتفوق بالدراسة مثلاً بحل أحد التمارين في المدرسة، تجد الطفل الذي يغار منه يبالغ بالسخرية منه وتحجيم قدراته.
  • الكذب بدافع أظهار قدرات وإمكانيات غير محدودة وغير واقعية: كالأطفال الذين يكذبون على أصدقائهم بوصف المركز الذي يتمتع فيه والديهم، أو الألعاب والملابس التي يملكوها وهذا ما يدعى بالكذب الادعائي.
  •  كما يحاول الطفل الغيران لفت الانتباه إليه بشكل دائم: كالحديث بصوت مرتفع أو إثارة المشاكل باستمرار والشجار مع الزملاء والأقران أو الأخوة.

ثانياً ـ مظاهر الغيرة المرضية عند الطفل

  • تصرفات تعبر عن النكوص مثل: مص الأصابع وقضم الأظافر. كذلك التبول اللا إراديـ
  • الاعتداء على موضوع الغيرة: فالطفل الذي يشعر بغيرة كبيرة من المولود الجديد؛ قد يحاول إيذائه كأن يقرصه أو يعضه أو يضربه في حال غياب الوالدين.
  • الاستسلام لنوبات الغضب الحادة  لأتفه الأسباب.
  • السرقة: مثل سرقة ممتلكات زميل المدرسة المتفوق حتى يزعجه أو سرقة النقود من الوالدين كي يصرفها أمام الأطفال الذين يغار منهم لتعويض شعوره بالنقص والدونية.
  •  إضمار مشاعر الحقد والكراهية: وهذا يفسر الدخول في منافسات ومشاحنات كلامية مبالغ فيها مع موضوع الغيرة ومعارضته في كل شيء دون وجود أسباب أو حجج مقنعة.

أسباب ذاتية ودوافع محيطة تجعل الطفل يغار

عند الحديث عن الأسباب التي تدفع الطفل نحو سلوك أو انفعال الغيرة لا يمكن تحديد سبب بيولوجي أو نفسي أو اجتماعي نفسر من خلاله شعور الأطفال بالغيرة، حيث أن أسباب هذا الانفعال متغيرة بحسب الموقف أو العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر في مدى شدة وطريقة التعبير عن هذا الانفعال، ولذلك وفي محاولة منا لمقاربة الدقة والشمول في تحديد أسباب شعور الأطفال بالغيرة، يمكننا تصنيف هذه الأسباب إلى نوعين:

أولاً ـ أسباب تؤدي لانفعال الغيرة تتعلق بالطفل نفسه

  • الشعور بالنقص وعدم الثقة بالنفس: (وهذا ما يدفع الكثير من الأطفال للغيرة من كل المحيطين بهم من أطفال آخرين وكبار أيضاً).
  • الخوف من فقدان المكانة أو المركز  في المحيط: فالطفل اعتاد أن يتمتع بمكانة وميزات معينة وعند شعوره بأن هناك شيء ما سوف يهدد مكانته من الطبيعي أن يشعر بالغيرة والانزعاج.
  • شدة الأنانية عند بعض الأطفال وحب التملك والاستئثار بالرعاية والاهتمام؛ فالكثير من الأطفال يرغبون أن يكونوا محور اهتمام ومديح وإطراء الجميع ولا يريدون أن يروا غيرهم يتمتع بهذه الميزات.

ثانياً ـ أسباب موضوعية تتعلق بالبيئة الخارجية والمحيط

  • قدوم مولود جديد إلى الأسرة.
  • ظروف الأسرة الاقتصادية: (فبعض الأسر لا تستطيع تأمين الكثير من احتياجات طفلها بينما يلاحظ هذا الطفل وجود ما ينقصه عند رفاقه وزملائه وهنا سوف يشعر بالغيرة).
  • تفضيل بعض الأطفال على الآخرين: (مثل تفضيل الذكور على الإناث أو العكس أو تفضيل الابن الأكبر أو الأصغر.. الخ).
  • مقارنة الطفل بأطفال آخرين: (وبعض الأهل يرتكبون هذا الخطأ اعتقاداً منهم أن هذه المقارنة سوف تحفز الطفل على المنافسة والتقليد، ولكن هذه المقارنة كثيراً ما تأتي بنتائج عكسية على شخصية الطفل وثقته بنفسه).
  • كثرة الحديث عن أحد الأطفال وتوجيه المديح له.

من الطبيعي شعور الأطفال بالغيرة أحيانا

ما الذي يغار منه الأطفال؟ وما هي أنواع الغيرة عند الطفل؟

تتنوع المواقف التي يشعر فيها الأطفال بالغيرة بتنوع الأسباب أو المواضيع التي تؤدي لهذا الانفعال، فهناك الغيرة التي تتعلق بالعواطف أو الممتلكات وهناك ما يتعلق منها بالإمكانيات. كما يوجد من أنواع الغيرة ما يتعلق بالأهمية والرغبة في أثبات الذات، ومن هنا يمكن تحديد بعض أنواع انفعال الغيرة كما يلي:

  • الغيرة من المولود الجديد: وهذا النوع يعتبر الأكثر شيوعاً بين الأطفال،حيث يلاحظ الطفل أنه بدأ يخسر عناية والديه لصالح الطفل الوليد، وبالتالي سوف يعتقد أنه فقد حبهما أيضاً.
  • الغيرة من الزملاء الذين يتفوقون في التحصيل الدراسي؛ ويتمتعون بالاهتمام من قبل المعلمين والوالدين.
  • غيرة الإناث من الذكور: فالكثير من الأسر وخاصة في المجتمعات النامية تفرق بين أطفالها على أساس الجنس (وهذه المسألة تؤدي لغيرة الإناث من الذكور، وبالتالي العديد من المشاكل والاضطرابات النفسية).
  • غيرة الأخوة من الأخ المدلل: لأي سبب (المريض أو الأصغر سناً أو الأكبر، الذكر الوحيد أو الأنثى الوحيدة.. الخ).
  • غيرة الطفل من أحد أقرانه أصدقاء اللعب أو زملاء الدراسة أو الأقرباء؛ بسبب تمتعه باهتمام أكبر  من قبل الكبار أو لامتلاكه الألعاب أو الملابس والكثير من الأغراض الأخرى.
  • يشعر بعض الأطفال بالغيرة عند ملاحظة أن والديهم يهتمون بطفل غريب: سواء كان من الأقرباء أو الجيران أو من أبناء الأصدقاء.
  • غيرة الطفل الذكر من والده أو الأنثى من أمها: (وهذا ما تحدث عنه عالم النفس والطبيب النمساوي المعروف(سيغموند فرويد Sigmund Freud)في إطار نظريته عن عقدتي ( أوديب وألكيترا) النفسيتين، فالطفل يغار من والده عندما يلاحظ توجه اهتمام والدته نحو الوالد؛ وبنفس الطريقة تشعر الطفلة بالغيرة من أمها لأن والدها يهتم بالأم وتشعر بأن هذا الاهتمام من حقها).

نصائح حول كيفية مواجهة مشكلة غيرة الأطفال

الكثير من الأهل ينزعجون من انفعال الغيرة لدى أطفالهم، ولكن عندما تمعن النظر في أسباب هذا الانفعال يمكن أن تلاحظ ببساطة أن الأهل في بعض تصرفاتهم أو الكثير  منها هم أنفسهم من يغذًون هذا الشعور لدى الأطفال، ولذلك عندما ترغب بمواجهة هذه المشكلة ما عليك سوى التعامل بصبر مع طفلك ومن ثم اتباع مجموعة من الخطوات الوقائية والتي نورد البعض منها:

  • حاول دعم ثقة طفلك بنفسه ومساعدته على تطوير قدراته كي يتمكن من التفوق على من يغار منهم.
  • تجنب مقارنة طفلك مع أطفال آخرين والتقليل من إمكانيته وإعلاء شأن إمكانياتهم بهدف تحفيزه على تقليدهم والإقتداء بهم، فهذه المسألة تعتبر من أكثر الأشياء التي تزعج الأطفال وتشعرهم بالنقص والغيرة.
  • لا تؤنب طفلك أمام أطفال آخرين وخاصة إذا كان يغار منهم؛ فهذا سوف يشعره بالخجل ويزعزع ثقته بنفسه، ويعتقد أنه أقل شأناً منهم وربما يعتقد أنهم يسخرون منه.
  • ينبغي أن تغرس لدى طفلك قيمة القناعة والرضى عن النفس (فالكثير من العائلات ذات الإمكانيات الاقتصادية المحدودة لا تستطيع أن تؤمن لطفلها الكثير من الألعاب و الأغراض، التي يراها عند أصدقائه وأقرانه ولا يمكن مواجهة هذه المسألة إلا من خلال تعليمه بأن القناعة كنز لا يفنى وتعويده على الرضى بالحال).
  • يجب أن تزرع فيه روح المنافسة ولكن عند تعرضه للفشل يجب أن تعلمه تقبل ذلك بصدر  رحب وروح معنوية عالية، حيث توجد دائماً فرصة أخرى للنجاح ويجب عدم الشعور باليأس.
  • حاول إشعار  طفلك بأهميته وأنه مقبول من قبل الجميع، كما ينبغي أن يشعر بأن الآخرين ليسوا أفضل منه، فالأفراد يختلفون في قدراتهم فما ينقصه من الطبيعي أن يكون موجود لدى غيره، ولكن من جهة أخرى فما هو موجود لديه ينقص الكثيرين غيره.
  • تجب إشاعة أجواء العدالة والمساواة بين جميع الأطفال في المنزل أو المدرسة، وعدم تمييز أحد عن الآخر في المعاملة أو في الحقوق والواجبات.
  • كما يجب عليك عدم تأنيب الطفل أو التعامل معه بقسوة لأنه يشعر بالغيرة من المولود الجديد؛ بل يجب أن تشعره بأن أخاه الأصغر سناً هو مسئوليته ويتوجب عليه رعايته والاهتمام به، كما يجب أن لا يشعر بأنه فقد قيمته بعد دخول المولود الجديد إلى الأسرة. وحاول أن توعيه بأن هذا المولود هو طفل ضعيف ويحتاج إلى العناية وهذه المسألة لن تؤثر على مركزه أو مكانته في المنزل.
  • أخيراً وليس آخراً يجب عدم تدليل الطفل بشكل مبالغ فيه وتعويده بأن كل شيء له ومن حقه، وأن عليه واجبات و ومسئوليات يجب أن يلتزم بها.

في النهاية.. تناولنا في هذه المقالة البحثية شعور الأطفال بالغيرة، من حيث هو انفعال طبيعي وموجود لدى كل البشر؛ بعد وضع تعريف عام وشامل لهذا الانفعال، ثم تطرقنا لأكثر مظاهره شيوعاً وأبرز أنواعه بحسب الموقف المتسبب في تشكله، كما أوضحنا أهم الأسباب التي تدعو الطفل لأن يستجيب بانفعال الغيرة، وفي النهاية قمنا بوضع مجموعة من الخطوات الوقائية التي تساعد المربين في مواجهة هذه المشكلة وحماية طفلهم من نتائجها.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر