العالم ابن النفيس

العالم.. الطبيب العبقري والباحث المُكتشف.. تعرف على إنجازاته
تاريخ النشر: 31/05/2017
آخر تحديث: 28/07/2017
صورة تعبيرية للعالم المسلم ابن النفيس

يشتهر العالم العربي ابن النفيس بكونه الطبيب الذي اكتشف الدورة الدموية الصغرى، ولكن أبحاثه واكتشافاته الأخرى لا تقل أهمية عن هذا، فقد أُثِر عنه كثرة مؤلفاته، سرعته في تأليفها وثقته الكاملة بما كان يصل إليه أو يقوله.

كل هذا جعل منه شخصية لامعة في تاريخ الطب العربي الإسلامي تستحق أن نستعرض عنها البدايات، رحلته في البحث عن المعرفة، مؤلفاته وإنجازاته.

ولد أبو الحسن علاء الدين علي بن أبي الحزم الخالدي المخزومي في قرية قرش بالقرب من غوطة دمشق عام 1213 ميلادي، أُطلق عليه لقب (القرشي) نسبةً إلى مكان ولادته، عُرف بكونه أحد أهم أعلام الطب في ذلك الزمن وأحد رواد علم وظائف الأعضاء أو ما يُعرف اليوم بعلم الفيزيولوجيا، إضافة لاطلاعه على الآداب وعلوم الفلسفة واللغة والمنطق وتأليفه للعديد من الكتب في هذه المجالات.

1

نشأته وبدايات مسيرته الطبية

نشأ ابن النفيس في مدينة دمشق مع بداية القرن الثالث عشر الميلادي وتعلم في مجالس علمائها، وعندما وصل لسن السادسة عشر تتلمذ على يد طبيب العيون مهذب الدين عبد الرحيم في البيمارستان (المستشفى) النوري الكبير، متلقيّاً علوم الطب السريري وأساليب البحث العلمي السليم من ملاحظة وتجربة، معاصراً  أهم أطباء ذلك الوقت بمن فيهم مؤرخ الطب الشهير ابن أبي أصيبعة مؤلف كتاب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء).

كما درس الفقه على مذهب الإمام الشافعي واهتم بالدراسة الإسلامية وتفسير القرآن، بقي في دمشق حتى أنهى دراسته للطب، ثم انتقل بعدها إلى القاهرة حوالي 1236 ميلادي حيث عاش فيها اثنين وخمسين عاماً كرس فيها حياته لنهل العلم، وبقي دون زواج لتركيزه على التأليف والدراسة.

بدأ ممارسة الطب في المستشفى الناصري ثم في المستشفى المنصوري، اختاره السلطان الظاهر بيبرس طبيباً خاصاً له وعينه السلطان ناصر الدين محمد الأيوبي رئيساً لقسم طب العيون في المستشفى ذاته وبعدها رئيساً للأطباء فيه، حيث علم فيه الكثير من الأطباء الذين ذاع صيتهم آنذاك وكان مسؤولاً عن محاسبتهم ومراجعتهم في أخطائهم، وكان يقيم المجالس التعليمية في داره والتي كان يحضرها كبار الأطباء والعلماء والأمراء آنذاك.

2

مؤلفات ابن النفيس

كثيرةٌ هي مؤلفات ابن النفيس، منها ما هو ضمن المجال الطبي وأخرى في مجال اللغة والفقه والفلسفة والشريعة، وقد اتصفت كتاباته بالجرأة وحرية الرأي والنقد العلمي البناء والأمانة العلمية في نسبها الإنجازات إلى أصحابها، من أهمها:

  1. كتاب (المهذب في الكحل المجرب): يعرض الكتاب الكثير من الأمراض العينية وطرق علاجها، وتحفظ منه مخطوطة في مكتبة الفاتيكان، وهو مشابه إلى حد كبير لكتاب (الحاوي) لأبي بكر الصديق.
  2. كتاب (موجز القانون في الطب): شرح لكتاب ابن سينا (القانون في الطب)، للموجز أربعة أجزاء تناول فيها كل أجزاء القانون فيما عدا التشريح ووظائف الأعضاء، يحفظ في جامعات مهمة حول العالم مثل باريس وأكسفورد.
  3. كتاب (فاضل بن ناطق): جدال فقهي يرد فيه على كتاب ابن سينا (حي بن يقظان)، ويحكي قصة افتراضية عن ولادة إنسان في جزيرة نائية من العناصر الأربعة للطبيعة، وكيف توصل هذا الإنسان إلى العلم والحكمة لوحده بالفطرة فقط.
  4. طريق الفصاحة: كتاب في النحو وقواعد اللغة العربية.
  5. كتاب (الرسالة الكاملية في السيرة المحمدية) وكتاب (مختصر في علم أصول الحديث)، وقد فُقدت مؤلفاته المشابهة في الشريعة بعد إحراق المغول لمكتبة بغداد، ولكن عُرفت بعد ذكرها من قبل مؤرخي تلك الفترة الزمنية.
  6. كتاب (شرح تشريح القانون لابن سينا): يعد من أهم مؤلفاته الطبية، نشر في عام 1242 للميلاد، وقد حوى على أهم اكتشاف له وهو الدورة الدموية الصغرى وبعض المعلومات عن الشرايين الإكليلية المغذية للقلب وتشريح الشريان التاجي، جمع فيه ابن النفيس التفاصيل التشريحية الواردة في كتاب ابن سينا ووجه لها الكثير من الانتقادات.
  7. كتاب (الشامل في الطب): هو أضخم موسوعة طبية كتبها شخص واحد في التاريخ، أراد ابن النفيس أن يجعل من هذا الكتاب موسوعة من 300 مجلد تحتوي على الصياغة النهائية لأهم ما توصلت إليه علوم الطب والصيدلة في ذلك الوقت، لكنه توفي قبل أن يكمل منها 80 جزءاً.
  8. كتاب (المختار من الأغذية): جمع فيه العلاجات الغذائية لبعض الأمراض، ولم يُذكر في أي ترجمة له.
  9. كتاب (شرح تقدمة المعرفة): وهو شرح لكتاب التقدمة لأبقراط.
  10. كتاب (شرح الأدوية المركبة): كان تعليقاً على الجزء الأخير من قانون ابن سينا للأدوية، وتمت ترجمته إلى اللاتينية عام 1520، كما نشرت منه نسخة في مدينة البندقية (Venice) عام 1547 استفاد منها الطبيب وليام هارفي (William Harvey) في أبحاثه المشابهة.
3

أهم اكتشافاته وإنجازاته الطبية

اكتشف الدورة الدموية الصغرى وشرحها بالتفصيل بعد أن تتبع مسارات الدم داخل أوعية الجسم واتصالاتها بالأعضاء قائلاً: "إن الدم ينقى في الرئتين من أجل استمرار الحياة وإكساب الجسم القدرة على العمل، حيث يخرج الدم من البطين الأيمن إلى الرئتين ويمتزج بالهواء ثم إلى البطين الأيسر"، بعد أن كان الرأي السائد آنذاك بأن الدم يتولد في الكبد وينتقل بعدها للبطين الأيمن ومنه إلى أعضاء الجسم المختلفة، وهو الرأي الذي أيده جالينوس وابن سينا قبله، وبقي اكتشافه هذا مجهولاً إلى أن شرحه وكتب عنه العالم محي الدين الطاوي عام 1924 للميلاد.

وقد مهد اكتشافه هذا الطريق للطبيب وليام هارفي لكي يكتشف الدورة الدموية الكبرى. إضافة إلى ذلك، كان لابن النفيس إسهاماته الطبية المهمة في مجال التشريح وعلم وظائف الأعراض، أهمها:

  1. اكتشاف عدم صحة وجود اتصال ما بين البطينين في القلب، وأنهما مفصولان بجدار سميك بينهما.
  2. شرح عمل الرئة في تنقية الدم ووضح تركيبها وبنيتها التشريحية، فوصف اتصال الأوردة بالشرايين الرئوية والفروق البنيوية بين جدار كل من الشرايين والأوردة، وذكر مسير الدم من الجزء الأيمن من القلب إلى الرئة ومنها إلى الجزء الأيسر.
  3. وضح آلية عمل العين في الإبصار، وذكر اتصال العين مع الدماغ: يقول: "إن العين آلة للبصر، وليست باصرة، وإلا لرأينا الشيء الواحد اثنين"، فقد فرق بين فعل التخيل وفعل الإبصار، ووصف القرنية وطبقاتها الأربع وأنها شفافة خالية من الأوعية الدموية.
4

مرض ابن النفيس ووفاته

مع اقتراب ابن النفيس من عمر الثمانين عاماً بدأت صحته بالتدهور، وشعر الطبيب في أحد الأيام بمرضه فلازم فراشه ستة أيام، فاشتد به المرض رغم محاولات طلابه وزملائه مداواته ومعالجته، حاولوا تقديم الخمر له لتسكين آلامه والحد من معاناته، فرفض ذلك وفضل الألم قائلاً: "لا ألقى الله وفي جوفي شيء من الخمر"، ورحل بعدها في صباح يوم الجمعة الموافق ل 17 كانون أول/ديسمبر عام 1288 ميلادي، تاركاً بيته، مكتبته الغنية بالمؤلفات والمخطوطات الرائدة، وقسماً من ماله للبيمارستان المنصوري في القاهرة؛ وهو المكان الذي قضى فيه أغلب وقته.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر