الكذب عند الأطفال وطرق التعامل مع الطفل الذي يكذب

متى يبدأ الأطفال بالكذب؟ ولماذا يكذب الأطفال؟ وكيف يمكن التعامل مع كذبهم؟
تاريخ النشر: 03/11/2017
آخر تحديث: 03/11/2017
كيف تعالج مشكلة الكذب عند الاطفال

في هذه المادة؛ سنتعرف معاً على طريقة تفكير الأطفال عندما يقدمون على قول معلوماتٍ غير حقيقية أو رواية قصص كاذبة، كما سنرى مدى قدرة البالغين على اكتشاف كذب الأطفال، وكيفية التعامل مع كذب الطفل.

هل يكذب ابنك؟! طبعاً إنَّه يكذب؛ لكن الكذب بالنسبة للأطفال ليس ذنباً فهم لا يعرفون بعد قيمة الصدق أو معنى الكذب، ولا يستطيعون التمييز بين المفاهيم الأخلاقية التي يكتسبونها بالتدريج.

لكن لماذا يكذب الأطفال؟ وكيف يمكن أن نتعامل مع الكذب عند الأطفال دون أن نسبب لهم ضرراً نفسياً أو انحرافاً سلوكياً؟ لا بد قبل ذلك أن نفهم ماهية الكذب عند الأطفال وأسبابه.

1

يطور الأطفال أسلوبهم بالكذب مع تطور نموهم العقلي والمعرفي

غالباً ما يحاول الأهل أن يقنعوا أطفالهم بضرورة قول الصدق، وقد يتبعون في هذا السبيل أساليب عنيفة لفظياً وجسدياً، وفي معظم الحالات تبوء محاولاتهم بالفشل.

يحتاج الأهل أن يتفهموا نوعية الكذب التي يواجهونها مع أطفالهم، فالكذب عند الأطفال أمرٌ مختلف جداً عن الكذب في مرحلة المراهقة الذي يختلف جداً عن كذب الكبار.

ويكون هذا الاختلاف بالدوافع والوعي والإرادة؛ لنبدأ معاً بالأسباب التي تدفع الأطفال للكذب وتطور وعي الأطفال بالكذب خلال سنواتهم الأولى.

يرتبط الكذب باكتشاف الأطفال لعالمهم الداخلي

يبدأ الأطفال باستخدام الكذب في مرحلة مبكرة بين السنة الثانية والثالثة من حياتهم، أي أنَّهم يتعلمون الكلام والكذب في وقت واحد! وتشير الكذبة الأولى التي يقدمها الطفل لذويه أنَّه اكتشف للتو عالمه الداخلي.

وعرف أنَّ أحداً لا يستطيع الدخول إلى هذا العالم غيره، فهو يقول أنَّه رأى أفعى في الحمام لأنَّه يعتقد أنَّ أحداً لن يتمكن من تقصي الحقيقة، كما يدَّعي أنَّه يتألم من بطنه لأنَّه يعرف أنَّ أحداً لن يتمكن من الشعور بالألم غيره.

ستستمر حالة الكذب هذه بشكل غير واعٍ نسبياً حتَّى السنة السابعة تقريباً، فحتَّى ذلك الوقت لا يدرك الأطفال تماماً الفرق بين الواقع والخيال، وغالباً ما يخلطون بين عالمهم الافتراضي وعالمهم الواقعي دون أن يدركوا ذلك إدراكاً عقلياً كاملاً.

2

لماذا يكذب الأطفال؟

بعد أن يكتشف الأطفال قدرتهم على الكذب سيلجؤون إليه بكثافة ولأسباب مختلفة نذكر أبرزها بالتفصيل الممكن، ولا بد أنَّنا جميعاً مررنا بهذه المرحلة.

فكذبنا على المعلمين في المدرسة، وأخفينا الكثير من الحقائق لنتجنب العقاب أو لنجنب غيرنا، كما أنَّ بعضنا ما يزال يحتفظ بسلوك الكذب الترفيهي لجذب الانتباه لا أكثر، تعالوا نتعرف معاً على الأسباب التي تدفع الأطفال للكذب.

1. يلجأ الأطفال إلى الكذب لتجنب العقاب والتهرب من المهام

تجنب العقاب واحد من أهم دوافع الكذب لدى الأطفال، بل أنَّ رغبة الطفل بتجنب العقاب تشكِّل الباحة الأوسع لتطوير الكذب.

فعندما نسأل الطفل بعنف "لماذا كسرت الطبق؟!" لا بدَّ أنَّه سيقول ببساطة "لستُ أنا"، وربما يتهم أحداً آخر ويصرُّ أنَّه رآه عندما كسر الطبق.

ليس فقط تجنباً للعقاب بل تهرّباً من المهام التي لا يحبها الأطفال، فسيجد الأطفال الكذب وسيلة جيدة للتهرب من أداء الواجب المدرسي.

كل ما عليهم قوله "انتهيت من كتابة الواجب"، حتَّى وإن كانوا يتوقعون انكشاف هذه الكذبة لكنهم يتأملون ألَّا تكتشف!.

2. العقاب على قول الصدق يجعل من الكذب أمراً جيداً

غالباً ما يتعرض الأطفال للتوبيخ وربما العقاب الجسدي عندما يقولون الحقيقة، فلن تكون الأم مسرورة إذا نقل الطفل أحاديثها إلى جارتها "أمي كانت تقول أنَّك ثقيلة الدم".

ولن يكون الأب مسروراً عندما يقول الطفل لصديقه "أبي أحضر نقوداً كثيرة إلى البيت"، وكلما اشتد العقاب على قول الحقيقة كلما ترسخت لدى الطفل أهمية استخدام الكذب للنجاة.

3. الخوف أحد أهم الدوافع للكذب عند الأطفال

هنا لا نقصد الخوف من العقاب بل الخوف من السؤال نفسه أو من التحقيق الذي يتم إجراؤه مع الطفل حول الذنب الذي اقترفه.

فقد لا يدرك الطفل أصلاً عواقب ما فعله ولا يعلم إن كان قد اقترف خطأً أم لا، لكنه سيكذب دون أن يريد عندما يتم توجيه أسئلة عنيفة إليه نتيجة الخوف من الصراخ ونبرة التهديد.

4. جذب الانتباه يدفع الأطفال للكذب

يكذب الأطفال لجذب الانتباه، حيث يلجأ الأطفال لاختلاق القصص والروايات بعد أن يعرفوا أي نوع من القصص الذي يجذب انتباه الآخرين، ونلاحظ أنَّ الأطفال يطورون طريقة تأليفهم للكذب يوماً بعد يوم لأنَّهم يتعرفون أكثر إلى معقولية القصص.

5. التلاعب بالقواعد أحد أبرز دوافع الكذب عند الأطفال

كما يلجأ الأطفال إلى الكذب للتلاعب بالقواعد التي يفرضها الأهل، فإذا كان الأهل يمنعون أطفالهم من تناول البوظة مثلاً يلجأ الطفل إلى الكذب فيقول لجدته أنَّ والدته تشتري له البوظة كل يوم.

والغش هو مرحلة متطورة من الكذب عند الأطفال، إذ غالباً ما تبرز قدرة الطفل على الخداع بين السنة الخامسة والسادسة، حيث يُعتبر الغش من هذا النمط بحد ذاته تطوراً معرفياً مهماً بالنسبة للطفل.

6. محاولة إقناع الآخرين من خلال اختلاق أحداث إضافية ضمن قصة حقيقية

محاولة الأطفال إقناع الآخرين بأمر معين تدفعهم إلى الكذب، فعندما يتعرض الطفل لموقف ما ويشعر أنَّه لم يكن موفقاً عندما رواه لوالديه يلجأ لخلق أحداث أكثر تشويقاً وتعقيداً لإقناعهم.

7. من أسباب الكذب عند الأطفال رغبتهم بحماية الآخرين أو الرغبة في الانتقام منهم

عندما يرغب الطفل بحماية أحد أصدقائه في المدرسة قد يكذب على المعلم، وعندما يرغب بحماية أخيه من العقاب قد يختلق قصَّة معقدة لهذا الهدف.

لكنه أيضاً قد يستخدم الكذب للإيقاع بالآخرين رغبة بالانتقام منهم لسبب أو لآخر، أو ليتجنب هو نفسه العقاب كما ذكرنا سابقاً.

8. الأطفال يتمتعون بخيال بلا حدود

أخيراً لا بد أن نتذكر دائماً أن قدرة الأطفال على التخيل غير محدودة، فهم يخلقون عوالم افتراضية كاملة بعيداً عن الدوافع المذكورة سابقاً.

وغالباً ما يقوم الكبار بتعزيز هذه العوالم من خلال الروايات الخيالية عن الغول وبابا نويل وجنيَّة الأسنان...إلخ، كما أنا الأطفال يستعينون بالخيال لتحقيق ما يريدونه في الواقع، فهم لا يهتمون إن كان خيالاً أو واقعاً، المهم أنَّه يحصل.

9. المنطقة الرمادية والكذبة البيضاء عند الأطفال

على عكس ما نتوقع فإن الأطفال يتمكنون من تمييز الكذبة البيضاء في مرحلة مبكرة من عمرهم، وهذا ما يجعلهم يستخدمون الكذب أحياناً لأهداف نبيلة.

كأن يقولوا لجدتهم أنَّهم أحبوا طعامها ويعترفون لاحقاً أنَّه لم يكن لذيذاً، لكنهم قالوا ذلك كي لا يزعجوها.

3

هل تعتقدون أنَّكم قادرون على اكتشاف كذب الأطفال؟

نشرت الجمعية الأمريكية لعلم النفس نتائج مراجعة لخمس وأربعين دراسة تناولت قدرة الكبار على اكتشاف كذب الأطفال.

وكانت النتائج مخيبة لآمال الأهل الذين غالباً ما يعتقدون بقدرتهم على اكتشاف الكذب ومعرفة الحقيقة من نظرة واحدة!

أجريت الدراسة على 1885 طفل من أعمار مختلفة، وشارك في تقييم صدق ما يقوله الأطفال 7893 شخص بالغ بعضهم من المختصين باستجواب الأطفال.

كانت النتائج أنَّ البالغين تمكنوا من تمييز الحقيقة من الكذب بنسبة 54% فقط، ما يعتبر أداءً ضعيفاً مقارنة بخبرتهم الاجتماعية الطويلة وقلة خبرة الأطفال.

ومقارنة بتصور الأهل أنَّهم قادرون على اكتشاف الحقيقة دائماً، كما أنَّ هذه النسبة تعني أنَّ البالغين أمام فرص عشوائية لاكتشاف كذب الأطفال تعتمد على الحظ والصدفة.

4

كيف نتعامل مع الكذب عند الأطفال؟

بالدرجة الأولى يجب أن نبتعد تماماً عن العنف اللفظي والجسدي عندما يكذب الأطفال، فهذا لن يجدي نفعاً وقد يزيد الأمور تعقيداً.

ثمَّ لا بد أن نمتلك قدرة على التصرف بما يتناسب مع عمر الطفل، فلا يمكن أن تكون دوافع الكذب ونوعيته عند الطفل في الخامسة هي ذاتها عند طفل في الثامنة، الصغير قد يقول أنَّه تعرف إلى صديق ما، الطفل الأكبر يقول أنَّه أنهى واجبه المنزلي وهو لم يفعل.

فالأول ما يزال يكتشف مهاراته العقلية ويحاول أن يتعرف على الفروق بين الحقيقة والخيال، أما طفلنا الكبير فهو يعرف تماماً أنَّه يكذب.

ويدرك أنَّه لم يقم بإنهاء واجبه المنزلي وإنَّما قضى الوقت وراء شاشة الهاتف المحمول يقوم بتجربة ألعاب جديدة، وسيكذب ويقول أنَّه لم يلمس الهاتف.

أخيراً لا بد أن نقرَّ أن الهدف مما نقوم به لن يكون تحويل أطفالنا إلى قديسين أو معصومين عن الكذب فهذه غايات لن تُدرك، ما أن يتعلم الطفل الكذب ويدرك قيمته حتَّى يرافقه بقية حياته.

لكن هدفنا هو أن يستطيع الطفل تكوين مفاهيم أخلاقية صحيحة تمنعه من استخدام الكذب استخداماً هدَّاماً سواء في الوقت الحاضر أو في المستقبل.

والهدف أيضاً أن نحمي أطفالنا من الكذب المرضيّ والحفاظ على سلامتهم النفسية مع مستوى كذب عادي كالذي نتمتع به نحن، ليتمكنوا من الفصل بين الأوقات التي تتطلب الصدق والأوقات التي تتطلب الكذب.

5

إليكم بعض النصائح التي تساعدكم على التعامل مع أطفالكم عندما يكذبون:

1. حاولوا دائماً ان تجدوا تفسيراً عميقاً للكذبة

ترى هل هو خائف من شيء ما؟ أم أنَّه يرغب بالحصول على شيء ما؟ هل يحاول أن يلفت الانتباه وحسب.... يجب أن تفكروا بطريقة الطفل لتتمكنوا من فهم ما يدور برأسه.

2. إذا وصلتم إلى السبب فابحثوا عن طريقة لمعالجته

فإذا كان الدافع للكذب هو الخوف سيكون من الذكاء أن تمنحوا طفلكم مزيداً من الشعور بالأمان، وإذا كان يرغب في الحصول على شيء ما ربما ستجدون وسيلة لمنحه إياه مع إخباره بطلبها مباشرة في المرة القادمة.

3. علموا أولادكم أن الكذب سيء

اعتمدوا سلسلةً من الإجراءات التي من شأنها أن تساعد طفلكم على التمييز بين الكذب العادي والكذب الضار، ولتكن هذه الإجراءات متنوعة بين الثواب العقاب، الترهيب الترغيب.

لكن العقاب يجب أن يكون متوافقاً مع جنس الفعل، ولأن الكذب جزء من نمو شخصية الطفل فلا يمكن أن يتعدى العقاب العقوبات البسيطة والأبسط.

4. تواصل مع أطفالك دائما

كما يجب أن يكون التواصل الفعال بينكم وبين أطفالكم البوابة الرئيسة لمساعدتهم على اكتشاف المفاهيم الأخلاقية التي تتحكم بقدرة أو رغبة الإنسان على قول الصدق.

وهذا التواصل لن يكون بالموعظة والكلام المباشر فقط، بلا لا بد من مشاركتهم أحاسيسهم وتفسير ما هو غامض بالنسبة لهم تفسيراً مقنعاً.

فعندما يسألنا طفلنا الصغير لماذا كذبنا وقلنا أنَّنا استمتعنا بصحبة جيراننا، ثم قلنا في البيت أن صحبتهم لم تكن ممتعة، لا بد أن نخبره بأهمية احترام مشاعر الآخرين وأنَّنا نضطر أحياناً لمجاملة الناس كي لا نجرح مشاعرهم...إلخ.

5. الأطفال يقلدونك فلا تكذب

ولأن الأطفال بارعون في التقليد، بل يكتسبون الكثير من معارفهم وسلوكياتهم من خلال التقليد والمحاكاة؛ لا بد أن نشكِّل إذاً مثالاً جيداً بالنسبة لهم، فلا نعدهم ونخلف الوعد، ولا نكذب عليهم كذبة ساذجة لأنهم سيتعلمون منا.

6. لا تكذبوا الأطفال فيزيد كذبهم

لا تُكذِّبوا أطفالكم بشكل مباشر وفج، ولا تنتقدوهم أمام الآخرين لأنَّ هذا يفسد فيهم أكثر مما يصلح، لتكن علاقتكم شخصية مع الأطفال، فلا توجهوا ملاحظات قاسية أمام الآخرين، ولا تحاولوا سرد قصصهم للأقارب فهذه التسلية تضرُّ بهم.

7. اشرحوا للأطفال أن الكذب سيء

لا بد أن تشرحوا للأطفال أنَّ الكذب يؤدي إلى فقدان الثقة، أخبروهم أنَّكم تثقون بهم وتعلمون أنَّهم لن يكذبوا، وحاولوا أن تكتشفوا الكذب دون أن تحاكموا الطفل محاكمة المجرمين.

8. لا تعاقبوا الأطفال على قول الحقيقة

من النقاط المهمة أيضاً ألَّا تعاقبوا الطفل على قول الحقيقة، حتَّى وإن تسبب لكم بمشكلات مع الأصدقاء أو الأقارب، فهو لا يعلم شيئاً عن القيود الاجتماعية التي تحيط بنا.

حاولوا أن تشرحوا له لماذا لا تخبرون أحداً عن رصيدكم البنكي! ولماذا لا تخبرون الجدَّة أن الكعكة التي تعدها غير قابلة للأكل!.

9. علموا أطفالكم أهمية الصدق

ومن المهم أن نخبر أطفالنا بقيمة الحقيقة والصدق، وبأن الصادق جدير بالاحترام والكاذب يتسبب بمشكلات لنفسه ولمن حوله.

أخيراً... لابد أن نؤكد مجدداً على الابتعاد عن العقاب اللفظي والجسدي العنيف، والتركيز على التعامل مع الكذب نفسه لا مع الطفل الذي يكذب، وربما سنستفيد من ذكرياتنا وكم كذبنا في طفولتنا!.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر