أجمل ما قاله شاعر الرَّسول حسان بن ثابت

أجمل أبيات وأشعار شاعر الجاهلية والإسلام حسان بن ثابت
تاريخ النشر: 23/09/2017
آخر تحديث: 23/09/2017
شعر حساب بن ثابت الملقب بشاعر الرسول

وقال حسان بن ثابت في مديح رسول الله محمد ﷺ:

وأحْسَنُ مِنكَ لمْ ترَ قَطُّ عَيني وأجمَلُ مِنكَ لمْ تَلدِ النِّسَاءُ، خُلِقتَ مُبرَّئاً مِن كُلِّ عَيبٍ كَأنَّكَ قَدْ خُلِقتَ كَما تَشاءُ.

كان حسان بن ثابتٍ الأنصاري شاعراً متميزاً في الجاهلية، و كذلك في الإسلام أيضاً حتى استحق لقب شاعر الرَّسول، كما واكب الرَّسول ﷺ ودافع عنه بلسانه وكلماته، كان رجل لسان لا رجل سنان كما وصفه العرب.

سنتعرف وإياكم إلى أجمل ما قاله حسان بن ثابت في مديح رسول الله ورثائه، إضافة إلى القصائد التي نظمها في تعظيم الإسلام وتخليد معارك الرعيل الأول من المسلمين.

1

أسلم حسان بن ثابت في الستين من عمره تقريباً

هو أبو الوليد حسان بن ثابت بن حرام الأنصاري اليثربي، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقِّب بشاعر الرَّسول، حيث أسلم حسان بن ثابت مع الأوس والخزرج، وكان قبل ذلك من شعراء الجاهلية المميزين بالمديح.

قال عنه الشاعر الحطيئة: "أبلغوا الأنصار أنَّ شاعرهم أشعر العرب"، وقيل أن شعره في الجاهلية كان أقوى من شعره بعد دخوله الإسلام وفق مقدمة ديوانه الصادر عن دار المعرفة في بيروت، وذلك لأنَّه كان صادقاً لا يغالي والشعر كما يقال أعذبه أكذبه.

شعر حسان بن ثابت الأنصاري

كان حسان بن ثابت يجاهد مع المسلمين بقوله ولسانه فكان يهجو قريش ويمدح النبي ﷺ وصحابته، فقال له رسول الله ﷺ: كيف تهجوهم وأنا منهم؟!، فأجابه حسان: أسلّك منهم كما تُسلُّ الشَعرة من العجين، فقال له الرَّسول: اهجم ومعك روح القدس.

عاش حسان بن ثابتٍ الأنصاري نصف حياته تقريباً في الجاهلية يمدح الملوك والأمراء وينتقل بين القرى والمدن، وعاش نصفها الآخر في الإسلام يهجوا المشركين ويمدح الرَّسول وصحابته، حيث توفي عن 115 عاماً في سنة 54 للهجرة، وجُمع ديوانه باسمه.

2

ومما قاله حسان بن ثابت في مديح رسول الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم:

ثَوى في قُريش بِضعَ عشرَةَ حجَّةً يُذْكِّرُ، لَو يَلْقى خَليلاً مُؤاتِيا

ويَعرِضُ في أهْلِ المَواسِمِ نَفسَهُ، فلَمْ يَرَ مَنْ يؤوي ولَمْ يرَ دَاعِيا

فلمَّا أتانا واطمأنَّتْ بِهِ النَّوى، فأصبحَ مسروراً بطِيبةَ راضِيا

فأصبحَ لا يَخشى عَداوةَ ظَالمٍ قَريبٍ ولا يخشى من النَّاسِ باغيا

بَذلْنا لهُ الأمْوالَ مِن جُلِّ مَالِنا وأنفُسَنا عِندَ الوَغَى والتّآسِيا

نُحاربُ مَنْ عادى مِنْ النَّاسِ كلِّهم جميعاً، وإنْ كانَ الحَبيبَ المُصافِيا

ونَعلمُ أنَّ اللهَ لا رَبَّ غَيرهُ وأنَّ كتابَ اللَّهِ أصبحَ هَادِيا

وقال حسان بن ثابت الأنصاري يمدح رسول الله ويبين قيمة رسالته وأثرها:

أغرُّ، عليهِ للنُّبوَّةِ خاتمٌ مِنَ اللَّهِ مَشهُودٌ يَلوحُ ويُشهَدُ

وضَمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمهِ، إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ

وشقَّ لهُ مِن اسمهِ ليُجلَّهُ فذو العرشِ مَحمودٌ، وهذا مُحمَّدُ

نَبيٌّ أتانَا بَعدَ يَأسٍ وفترَةٍ مِنَ الرُّسلِ، والأوثانِ في الأرضِ تُعبَدُ

فَأمْسَى سِرَاجاً مُستَنيراً وهَادِياً، يَلُوحُ كَما لاحَ الصَّقِيلُ المُهنَّدُ

وأنذَرَنا ناراً، وبشَّرَ جنَّةً، وعلَّمَنا الإسلامَ، فالله نَحمَدُ

وأنتَ إلهُ الخَلقِ ربِّي وخالِقي بذلكَ ما عمرتُ في الناسِ أشْهَدُ

تعالَيْتَ رَبَّ الناسِ عن قَوْلِ مَنْ دَعا سِواكَ إلهاً، أنتَ أعلى وأمْجَدُ

 لكَ الخلقُ والنعماءُ، والأمرُ كلهُ فإيَّاكَ نَستهدي وإيَّاكَ نَعْبُدُ

وله أيضاً في مديح رسول الله والإسلام قوله أيضاً:

واللهِ ربِّي لا نُفارقُ ماجِداً عفَّ الخليقَة، ماجِدَ الأجدادِ

متكرماً يدعو إلى ربِّ العُلى بذلَ النصيحةِ رافعَ الأعمَادِ

مِثلَ الهلالِ مُباركاً ذا رَحمةٍ سَمحَ الخَليقةِ طيِّبَ الأعوَادِ

إنْ تَترُكوهُ فإنَّ رَبّي قادِرٌ أمسى يَعودُ بفضلِهِ العَوَّادِ

واللهِ ربِّي لا نُفارقُ أمرهُ ما كانَ عَيشٌ يُرتجَى لمَعادِ

لا نبتغي ربَّاً سواهُ ناصراً حتى نُوَافي ضَحْوَةَ المِيعَادِ

وأنشد حسانُ بن ثابت الرَّسول صلى الله عليه وسلم يقول:

شهدتُ بإذنِ اللهِ أنّ محمداً رسولُ الذي فوقَ السَّماواتِ مِن عَلُ

وأنَّ أبا يحيَى ويحيَى كِليهِما لَهُ عَمَلٌ في دينِهِ مُتَقَبَّلُ

وأنَّ التي بالجزعِ مِنْ بطْنِ نخلَةٍ، ومَنْ دانَها فِلٌّ منَ الخَيرِ مَعزِلُ

وأنّ الذي عادى اليهودُ ابنَ مريمٍ رَسولٌ أتى من عندِ ذي العرْش مُرْسَلُ

وأنّ أخَا الأحْقَافِ إذ يعْذُلُونَهُ يقومُ بدينِ اللهِ فيهمْ، فيعدلُ

وقال شاعر الرَّسول يهجو أبا جهلٍ:

لقَد لعنَ الرَحمَنُ جمعاً يَقودهم دَعِيُّ بَني شِجعٍ لحَربِ مُحَمَّدِ

مَشومٌ لعينٌ كانَ قِدماً مُبغَّضاً يُبيِّنُ فيهِ اللؤمَ مَن كان يَهتَدي

فدلَّاهمُ في الغَيِّ حتَّى تهافَتوا وكانَ مُضِلّاً أمرهُ غيرَ مُرشِدِ

فأنزلَ رَبِّي لِلنَبِيّ جُنودَهُ وأيَّدهُ بالنصرِ في كُلِّ مَشهَدِ

3

صوَّر حسان بن ثابت في شِعره خسارة قوم النبي ﷺ عندما حاربوه ونبذوه

لمَّا عزم النبي على الهجرة خرج ومعه أبو بكر فمكثا في غار ثور أسفل مكَّة ثلاثة أيام، ثم تابعا الطريق مع الدليل، فوقفا عند عاتكة بنت خالد الخزاعية وطلبا منها لبناً، لكن أم معبد لم يكن لديها لبن، فمسح رسول الله بيده على ضرع شاةٍ مجهدةٍ حتَّى شرب وحلب وسقى القوم.

ولما عاد أبو معبد عجب لأمر شاته الجافة وقد درَّت لبناً، وسمع أهل مكة هاتفاً ينادي بهذه الأبيات دون أن يعرفوا قائلها:

جزى الله ربُّ الناسِ خيرَ جزائهِ رفيقينِ قالا خيْمتـَي أمَّ مَعبَدِ

هُما نزلاها بالهُدى واهتدتْ بهِ فقدْ فازَ مَنْ أمسى رفيقَ مُحمَّدِ

فيا لـقصيٍّ ما زوى اللهُ عنكمُ بهِ مِن فِخارٍ لا يُجارى وسؤدَدِ

لِيُهنِ بني كعبٍ مقامُ فتاتِهم ومَقعدُها للمؤمنينَ بمَرصَدِ

سلوا أختكم عن شاتِها وإنائِها فإنَّكم إنْ تسألوا الشَّاةَ تشهدِ

دعاها بشاةٍ حائلٍ فتحَلـَّبَتْ لهُ بصريحٍ ضرّةُ الشاةِ مُزبِدِ (ضرَّة الشاة: لحم الضرع وأصل الثدي)

فغادرَها رَهنـًا لديها لِحالبٍ يرددها في مَصدَرٍ ثم موردِ

فلما سمع حسان بن ثابت هذا القول نظم الأبيات التالية عن خيبة قريش برحيل النبي عنها وعن فوز أهل المدينة بوصول محمدٍ إليها:

لقد خاب قومٌ زالَ عنهم نبيُّهم وقُدِّسَ مَن يسري إليهم ويَغتَدي

ترَحَّلَ عن قومٍ فضلَّت عقولُهم وحلَّ على قومٍ بنورٍ مجَدَّدِ

هداهم بهِ بعدَ الضَّلالةِ رَبُّهم وأرشَدَهم، مَن يتبعِ الحقَّ يَرشَدِ

وهلْ يستوي ضَلالُ قومٍ تسفَّهوا عمى وهُداةٌ يهتَدون بمهتدِ؟

لقدْ نزلَتْ منهُ على أهل يثربٍ رِكابُ هدى حَلَّتْ عليهم بأسعَدِ

نبيّ يَرى ما لا يَرى النَّاسُ حولهُ ويتلو كتابَ اللهِ في كلِّ مَشهدِ

وإنْ قال في يومٍ مقالةَ غائبٍ فتصديقـُها في اليومِ أو في ضُحى الغَدِ

ليهنِ أبا بكرٍ سعادةُ جدِّهِ بصحبته، من يُسعِدُ اللهُ يَسعْدِ

4

كان حسان بن ثابت يرثي شهداء المسلمين ويخلد معاركهم

إلى جانب حبِّه الكبير للرسول ﷺ وما قاله فيه مديحاً ورثاءً بعد وفاته كان حسان بن ثابت يستخدم الشعر في تخليد معارك المسلمين ورثاء شهدائهم، وكان بذلك يشارك بالحرب النفسية إن صح القول، ومن بين هذه القصائد قوله في شهداء مؤتة:

فلا يُبعِدَنَّ اللهُ قَتلى تتابعوا بمُؤتةَ مِنهُم ذو الجناحَينِ جعفرُ

وزيدٌ وعبدُ الله حينَ تَتابَعوا جَميعاً وأسبابُ المنيَّةِ تَخطِرُ

غداةَ غدوا بالمُؤمِنينَ يَقودُهُم إِلى المَوتِ مَيمونُ النَقيبَةِ أَزهَرُ

أغرُّ كلونَ البَدرِ مِن آلِ هاشمٍ شجاعٌ إِذا سيمَ الظلامَةَ مِجسَرُ

فَطاعنَ حَتَّى ماتَ غيرَ مُوَسَّدٍ بِمُعتركٍ فيهِ القَنا يَتَكَسَّرُ

فَصارَ مع المُستَشهِدينَ ثَوابُهُ جِنانٌ ومُلتفُّ الحدائِقِ أخضَرُ

وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه في بدر الكبرى:

ألا ليتَ شِعري هلْ أتى أهْلَ مكَّةٍ إبارتُنَا الكُفّارَ في ساعَةِ العُسْرِ

قتلنا سراةَ القومِ عندَ رحالهمْ فلمْ يَرجعُوا إلاّ بِقاصِمةِ الظَهْرِ

قَتَلنا أبا جَهلٍ وعُتْبَةَ قبلَهُ وشيبةَ يكبو لليدينِ وللنَحْرِ

وكمْ قدْ قتلنَا مِنْ كريمٍ مُرَزّإ لَهُ حسبٌ في قومهِ نَابِه الذِّكْرِ (مزرأ: كريم سخي)

تَرَكْنَاهُمُ للخَامِعاتِ تَنُوبهمْ ويصلوْنَ ناراً بعدُ حاميةَ القعرِ (الخامعات: الضباع)

بكفرهمِ باللهِ والدينُ قائمٌ وما طَلبوا فِينا بطائلةِ الوترِ

لَعَمْرُكَ ما خَامَتْ فَوَارِسُ مالِكٍ وأشْيَاعُهمْ يوْمَ التَقَيْنا على بَدْرِ

وقال حسان بن ثابت الأنصاري في يوم أُحُدْ:

وقلْ: إنْ يكنْ يومٌ بأُحُدٍ يعدهُ سفيهُ، فإنّ الحَقَّ سَوفَ يَشيعُ

وقد ضارَبَتْ فيه بنو الأوْسِ كلُّهُمْ وكان لهم ذِكْرٌ هناكَ رَفِيعُ

وحَامَى بَنو النَّجارِ فيهِ وضاربوا وما كانَ مِنهمْ في اللِّقاء جَزُوعُ

أمامَ رَسولِ اللهِ لا يَخذلُونَهُ لهمْ ناصرٌ مِن رَبِّهمْ وشفيعُ

وفوا إذ كفرتمْ يا سخينَ بربكم ولا يَسْتَوي عَبدٌ عَصَى وَمُطِيعُ

بأيمانهمْ بِيضٌ إذا حَميَّ الوغى فلا بُدَّ أنْ يَردى بِهنَّ صَريعُ

أولئكَ قوْمي سَادَةٌ من فُرُوعِهِمْ ومنْ كلّ قومٍ سادةٌ وفروعُ

بهنَّ يعزُّ اللهُ حينَ يُعزُّنا وإنْ كان أمْرٌ يا سَخِينَ فظيعُ

فإنْ تذكروا قتلى وحمزةُ فيهمُ قَتِيلٌ، ثَوَى لله وهْوَ مُطِيعُ

فإنَّ جِنانَ الخُلْدِ منزِلهُ بِهَا وأمرُ الذي يَقضي الأمُورَ سَريعُ

وقَتْلاكُمُ في النّارِ أفضَلُ رِزْقِهِمْ حَمِيمٌ معاً في جوْفِها وضَرِيعُ

5

كما مدحه في حياته رثا حسان بن ثابت النبي ﷺ بعد وفاته

كان حسان بن ثابت لسان المسلمين في الحرب والسلم، فقدَّم إلى الإسلام ما استطاع من الشعر الذي كان له قيمة كبيرة عند العرب، وإلى جانب مديحه وتعظيمه فقد رثا حسانٌ النبي بعد وفاته بقصائد مشهورة، منها قوله:

ما بَالُ عينِكَ لا تنامُ كأنَّما كُحِلَتْ مآقِيها بكُحْلِ الأرْمَدِ

جزعاً على المهديّ أصبحَ ثاوياً يا خيرَ من وطئَ الحَصى لا تَبعدِ

جنبي يقيكَ التربَ لَهفي لَيتَني غُيِّبتُ قَبلكَ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ (الغرقد: شجيرة شائكة تشبه العوسج)

بأبي وأمّْي مَنْ شَهدتُ وفاتهُ في يومِ الاثنينِ النبيُّ المُهتَدي

فظَلِلْتُ بعدَ وفَاتهِ مُتَبَلِّداً يا لهْفَ نفسي لَيتَني لم أُولَدِ

أأُقِيمُ بعدكَ بالمدينَةِ بَينَهُمْ؟ يا ليْتَني صبّحْتُ سُمَّ الأسْوَدِ

أوْ حلَّ أمرُ اللهِ فينا عاجلاً في رَوحةٍ مِنْ يومنا أو في غَدِ

فتقومُ سَاعتُنا، فنلقى طَيباً مَحضَاً ضَرَائِبُهُ كَريمَ المَحْتِدِ

يَا بِكْرَ آمِنَةَ المُبَارَكِ ذِكْرهُ ولدَتْكَ مُحْصَّنةً بِسعْدِ الأسعُدِ

نُوراً أضَاءَ على البَرِيَّةِ كلِّها مَنْ يُهْدِ للنُّورِ المُبَارَكِ يَهْتَدِ

يا ربُّ فاجْمَعنا فمَاً ونَبِيَّنَا في جَنَّةٍ تَثْني عُيُونَ الحُسَّدِ

في جَنَّةِ الفِردَوسِ واكتُبْها لَنَا يا ذا الجَلالِ وذا العُلا والسؤدُدِ

واللَّهِ أسمَعُ ما بَقِيتُ بهالِكٍ إلا بكيتُ على النبيّ محمدِ

يا ويحَ أنصارِ النبيِّ ورهطهِ بَعْدَ المغَيَّبِ في سَوَاءِ المَلْحَدِ

ضاقتْ بالأنصارِ البلادُ فأصبحتْ سوداً وجوههمُ كلونِ الإثمدِ

وَلَقَدْ وَلَدْنَاهُ، وَفِينَا قَبرُهُ وفضولُ نعمتهِ بنا لمْ يجحدِ

والله أكْرَمَنا بِهِ وَهَدَى بِهِ أنْصَارَهُ في كُلّ سَاعَةِ مَشْهَدِ

صَلَّى الإلهُ وَمَنْ يَحُفُّ بِعَرْشِهِ والطيبونَ على المباركِ أحمدِ

وفي رثاء محمدٍ ﷺ قال حسانُ بن ثابتٍ الأنصاري أيضاً:

بطيبةَ رسمٌ للرسولِ ومعهدُ منيرٌ وقد تعفو الرسومُ وتهمدُ

ولا تنمحي الآياتُ من دارِ حرمةٍ بها مِنْبَرُ الهادي الذي كانَ يَصعَدُ

وواضِحُ آياتٍ وَبَاقي مَعَالِمٍ وربعٌ لهُ فيهِ مصلىً ومَسجِدُ

بها حجراتٌ كانَ ينزلُ وسطها مِنَ الله نورٌ يُسْتضاءُ وَيُوقَدُ

معالمُ لم تُطمسْ على العَهدِ آيُها أتَاهَا البِلَى فالآيُ منها تَجَدَّدُ

عرفتُ بها رسمَ الرَّسول وعهدهُ، وقبراً بِهِ وَاراهُ في التُّرْبِ مُلْحدُ

ظللتُ بِها أبكي الرَّسول، فأسعَدَتْ عُيون ومِثْلاها مِنَ الجَفْنِ تُسِعِدُ

تذكرُ آلاءَ الرَّسول وما أرَى لهَا مُحصِياً نَفْسي فنَفسي تبلَّدُ

مفجعةٌ قدْ شفها فقدُ أحمدٍ فظلتْ لآلاء الرَّسول تُعدِدُ

وما بَلغتْ منْ كلِّ أمْرٍ عَشِيرَهُ وَلكِنّ نَفسي بَعْضَ ما فيهِ تحمَدُ

أطالتْ وقوفاً تذرفُ العينُ جهدها على طللِ القَبرِ الذي فيهِ أحمدُ

ومن رثاء حسان لخاتم الأنبياء قوله أيضاً:

نبِّ المساكينَ أنَّ الخيرَ فارقهمْ معَ النبيِّ تولى عنهمُ سَحَرا

مَن ذا الذي عندهُ رحلي وراحلتي، وَرِزقُ أهْلي إذا لمْ يُؤنِسوا المَطَرَا

أمْ مَنْ نُعاتبُ لا نخشَى جَنادِعَهُ إذا اللّسانُ عَتا في القولِ أوْ عَثَرَا

كانَ الضياءُ، وكان النورَ نتبعهُ بَعْدَ الإلهِ وكان السّمْعَ والبَصَرَ

فَلَيْتَنا يوْمَ وَارَوْهُ بِمَلْحَدِهِ وغيبوهُ، وألقوا فوقهُ المدرا

لمْ يَتْرُكِ اللهُ مِنّا بَعْدَهُ أحَداً ولمْ يُعِشْ بعدَهُ أُنْثى ولا ذَكَرَا

ختاماً... عاش حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه 115 سنة، سخَّر نصفها لخدمة الإسلام والمسلمين والذود عنهم بقوله وكلماته، وتبقى عاطفته الجياشة تجاه رسول الله محمدٍ ﷺ هي التي منحت شِعره نقاءً كان ينقصه أيام الجاهلية، وقد تجلت عاطفته هذه خاصَّة في رثاء النبي، ومنها قوله:

كُنتَ السَّوادَ لناظِري فعميَّ عنكَ النَّاظرُ

مَن شاءَ بُعدكَ فليَمُتْ فَعليكَ كُنتُ أحاذِرُ

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر