اضطراب الهوية الجنسية وآثاره النفسية

هل يمكن أن يكون الشخص عالقاً ضمن جسد لا يشعر بالانتماء إليه؟
تاريخ النشر: 02/10/2017
آخر تحديث: 04/10/2017
تعرف على مفهوم اضطراب الهوية الجنسية

يعتبر اضطراب الهوية الجنسية واحداً من أغرب الاضطرابات النفسية المتعلقة بالجنس وأكثرها إثارة للجدل بين الأطباء وعلماء النفس المختصين، وحتى بين الكثير من الأشخاص غير المختصين الذين ينقلب بعضهم إلى مؤيد وداعم والآخر إلى رافض ومستهجن.

في هذا المقال، سنتعرف بشيء من التفصيل إلى اضطراب الهوية الجنسية.

بعد موجة حركات المطالبة بالمساواة والحقوق المشروعة للمثليين التي اجتاحت العديد من دول العالم منذ القرن الماضي انتقلت الأقليات الجنسية وبخاصة مثليو الجنس (Homosexuals) إلى العلن، وبدؤوا يأخذون ما يعتبرونه حقوقهم تدريجياً من ناحية الاعتراف الرسمي والتقبل الاجتماعي لحالتهم.

حتى أن المثلية ألغيت كاضطراب نفسي من بعض المراجع النفسية، وأصبحت تصنف كميل جنسي طبيعي، كان هذا عاملاً مساعداً على نشر الوعي العالمي بخصوص الأقليات الجنسية التي كانت مجهولة ومتخفية على مر التاريخ، ومن هذه الفئات مجموعة تدعى المصابين باضطراب الهوية الجنسية، فما هو هذا الاضطراب؟

1

تعريف اضطراب الهوية الجنسية

تعتبر تسمية اضطراب الهوية الجنسية (Gender Identity Disorder) اسماً قديماً لحالة نفسية باتت تعرف باسم عدم الرضى عن الجنس (Gender Dysphoria).

وبغض النظر عن الاسم تعني هذه الحالة أن الشخص غير مرتاح بسبب عدم الشعور بالتوافق بين الجنس البيولوجي (Biological Sex) الذي ولد به وبين هويته الجنسية (Gender Identity) من الناحية النفسية.

الجنس البيولوجي يحدد أثناء الولادة اعتماداً على مظهر الأعضاء التناسلية بشكل أساسي، أما الهوية الجنسية فهي الجنس الذي يشعر الشخص بالانتماء إليه والراحة لدى تصنيفه ضمنه، وهما متطابقان لدى أغلب الأشخاص.

لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للجميع مع الأسف، إذ قد يكون الشخص رجلاً من الناحية الجسدية لكنه يشعر بأنه أنثى، حتى أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالانتماء إلى أي جنس محدد.

قد يصعب تقبل هذه الفكرة لدى بعض الأشخاص، حتى أنهم قد يعتبرونها أمراً مضحكاً وغير منطقي، إلا أن عدم التطابق بين الجنس البيولوجي والهوية الجنسية يولد شعوراً بالقلق والانزعاج لدى المصاب مما يسبب عدم الرضى عن الجنس.

كانت هذه الحالة تعتبر مرضاً نفسياً حتى وقت قريب، أما اليوم فهي تعتبر حالة اضطراب مرضي قد يحتاج العلاج في بعض الحالات، إنما ليست مرضاً نفسياً.

بعض المرضى يملكون رغبة جامحة ومستمرة بأن يعيشوا حياتهم كشخص من الجنس الآخر (الذي يشعرون بالانتماء إليه)، قد تدفعهم هذه الرغبة إلى ارتداء الملابس المخصصة للجنس الآخر أو حتى استخدام العلاجات الهرمونية أو العمليات الجراحية بهدف تغيير شكلهم الجسدي وجعله متوافقاً مع الهوية الجنسية خاصتهم.

2

علامات اضطراب الهوية الجنسية

تظهر أولى علامات عدم الرضى عن الجنس في عمر مبكر خلال الطفولة، إذ قد يرفض الطفل ارتداء الملابس التقليدية المرتبطة بجنسه، مثلاً قد يفضل الصبي ارتداء فستان أو تفضل الفتاة ارتداء أحذية مخصصة للأطفال الذكور.

كما قد يرفض الطفل المشاركة في الألعاب أو النشاطات المخصصة لأبناء جنسه، مثل اللعب بالدمى الذي يعتبر مخصصاً للفتيات.

في معظم الحالات تكون هذه التصرفات جزءاً من عملية التطور النفسي والسلوكي الطبيعي للطفل الذي يعتريه الفضول والرغبة في اختبار الحياة من وجهة نظر إخوته مثلاً.

أما في حالة اضطراب الهوية الجنسية فتستمر هذه الاهتمامات غير التقليدية خلال المراهقة وصولاً إلى سن البلوغ، لذلك يشعر البالغون المصابون بهذا الاضطراب أنهم محتجزون في جسد لا ينتمون إليه.ومن الصعب تصحيح هذه المشكلة.

يشعر المصابون باضطراب الهوية الجنسية بالاستياء بسبب اضطرارهم للتصرف بشكل مخالف لهويتهم الجنسية في المناسبات الرسمية والاجتماعية، كما قد يقومون بمحاولة التخلص من الصفات الجسدية التي تعبر عن الانتماء إلى جنس ما أو إخفائها، مثل الثديين والشعر الطويل لدى الأنثى وشعر الوجه والجسد لدى الذكر.

3

مغالطات شائعة حول اضطراب الهوية الجنسية

بسبب المعلومات القليلة المتوافرة باللغة العربية عن الميول والانتماءات الجنسية المختلفة؛ تنتشر الكثير من الأفكار الخاطئة أو حالات الالتباس واختلاط المصطلحات ببعضها.

ويقتصر الفهم الجيد لحالات كهذه على المختصين في الطب النفسي، أو من يملكون فضولاً كافياً للبحث في المصادر المكتوبة بحيادية إلى حد ما، لذلك سنحاول توضيح بعض المفاهيم عن المصابين باضطراب الهوية الجنسية:

اضطراب الهوية الجنسية والمثلية ليسا أمراً واحداً.

يتخيل الكثيرون أن المثلي هو الشاب الذي يتصرف كفتاة مثلاً، إلا أن هذا الأمر ليس دقيقاً، لأن المثلية الجنسية (Homosexuality) هي ميل جنسي (Sexual Orientation) وليست هوية جنسية، فالشخص المثلي هو الشخص الذي ينجذب جنسياً للأشخاص الآخرين من الجنس نفسه، بغض النظر عن كونه متصالحاً مع الجنس البيولوجي الذي ولد به أم لا.

اضطراب الهوية الجنسية أمر مختلف تماماً عن الخنوثة.

الخنوثة (Intersex) هي مجموعة من الحالات الطبية التي تشترك في كون الجنس البيولوجي للشخص غير منتم إلى فئة الذكور أو الإناث، مثل ولادة طفل بدون قضيب أو طفلة بدون مهبل، أو حتى الأطفال الذين يولدون بأعضاء جنسية ذكرية وأنثوية معاً.

أما اضطراب الهوية الجنسية فهو حالة نفسية قد يكون فيها جنسه البيولوجي منتمياً بالكامل إلى فئة الذكور مثلا، وهو بالرغم من ذلك يشعر أنه أنثى.

4

ما مدى شيوع اضطراب الهوية الجنسية؟

من الصعب تقدير شيوع أمر كعدم الرضى عن الجنس؛ لأن عدداً قليلاً من المرضى يلجأ إلى الطبيب طلباً للعلاج بسبب الإحراج الكبير الذي يعانيه المريض من حالة كهذه، إضافة إلى كونها قد تقضي على حياته الاجتماعية، وتعرضه لخطر الموت في العديد من الدول التي تحكم بالموت على الأشخاص المختلفين جنسياً، أو تتغاضى عن جرائم القتل المرتكبة بحقهم.

في دراسة أجريت في عام 2012 من قبل لجنة المساواة وحقوق الإنسان (Equality and Human Rights Commission) نشرها موقع خدمة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة (NHS)، شملت هذه الدراسة 10 آلاف شخص، ووجدت أن واحداً في المئة من الأشخاص المستجوبين يعتبر غير تقليدي إلى حد ما من ناحية الهوية الجنسية.

تبدو أعداد المصابين باضطراب الهوية الجنسية قليلة نوعاً ما، ويبدو أن عدد الحالات المسجلة في البلدان الغربية يزداد بشكل تدريجي؛ بسبب ازدياد الوعي ضمن فئات المجتمع حول هذه الاضطرابات.

كما أن تقبل المجتمع لهم بدأ يصبح مقبولاً شيئاً فشيئاً، إلا أن العديد من الحالات لا تزال غير مكتشفة إما بسبب الضغط والإحراج الاجتماعيين، أو بسبب كون الشخص يعيش في حالة إنكار لهويته الجنسية الحقيقية.

5

علاج اضطراب الهوية الجنسية

يهدف العلاج على اختلاف أنواعه إلى التعامل مع القلق وعدم الارتياح الذي يرافق هذا الاضطراب، لذلك يعتمد العلاج على الحوار مع الطبيب النفسي حول الاضطرابات النفسية المرافقة لاضطراب الهوية الجنسية أو المسببة له.

بعض المصابين يختارون أن يقدموا على خطوات فعلية من أجل تحويل مظهرهم الجسدي لكي يتوافق مع هويتهم الجنسية، قد يعني ذلك ارتداء ملابس مخصصة للجنس الآخر أو تغيير الاسم من اسم مذكر إلى آخر مؤنث أو بالعكس، كما أن هناك بعض العلاجات الدوائية أو الجراحية التي قد تكون مفيدة في هذه الحالات منها:

1. كابحات البلوغ (Puberty Blockers):

نعلم أن فترة البلوغ تحدث في سنوات المراهقة المبكرة، ويتم في هذه الفترة تحول الفتى أو الفتاة إلى مظهر ناضج يحمل صفاتاً جسدية جنسية مثل ظهور الشعر على الوجه لدى الذكر، وبدء نمو الثديين وازدياد عرض الوركين لدى الأنثى.

وتتم هذه العملية بتأثير الهرمونات التي يزداد إفرازها بشكل متسارع، فإذا تم تشخيص اضطراب الهوية الجنسية في عمر مبكر يمكن وصف أدوية هرمونية تلعب دوراً معاكساً لتلك المسببة لظهور الصفات الجسدية الذكرية أو الأنثوية.

وهذا ما يمنح المراهق متسعاً من الوقت لكي يصل إلى سن البلوغ ويتخذ القرار المناسب حول هويته الجنسية، يجب أن يخضع منح هذه الأدوية إلى إشراف طبيب أطفال كما يجب إجراء استشارة نفسية للطفل، وتوضيح إيجابيات العلاج وسلبياته بشكل مفصل.

2- العلاج الهرموني:

يمكن أن يوصف لدى المراهقين والبالغين على حد سواء، ويهدف إلى تطوير صفات جسدية موافقة للجنس الذي يتوافق معه الشخص المعالج.

3- العمليات الجراحية:

هذه العمليات بالتصحيح الجنسي أو إعادة تعيين الجنس (Sex Reassignment Surgery)، وهي طيف واسع من العمليات الجراحية التي تهدف إما إلى تغيير بعض الصفات الجسدية مثل الثديين أو زرع الشعر في الوجه، أو عملية تبديل الجنس بشكل كامل ويتم فيها تحويل الأعضاء الجنسية بالإضافة إلى الصفات الجسدية والعلاج الهرموني فيما بعد.

يختار كل شخص الإجراء العلاجي الذي يناسبه بناء على اختيار الطبيب والنصائح التي يقدمها، كما يجب أن يستمر العلاج النفسي طوال الوقت لأن المصاب يقع تحت ضغط نفسي كبير بسبب صعوبة تقبل التغير الحاصل من قبل الأصدقاء والأقارب والأشخاص المحيطين بالمريض.

ماذا عن الحالات غير المعالجة؟

تكمن أهمية التشخيص المبكر وعلاج اضطراب الهوية الجنسية في كون هذه الإجراءات تقي من إصابة الشخص بأمراض نفسية لا حصر لها على المدى البعيد، إذ يبدو أن الأشخاص المصابين باضطراب عدم الرضى عن الجنس معرضون أكثر من غيرهم للإصابة بعدة أمراض عقلية ونفسية.

ففي تقديرات نشرها موقع (WebMD) الطبي الشهير ذكر أن نسبة 71% من الأشخاص الذين شُخِّص لديهم عدم الرضى عن الجنس؛ سوف يتم تشخيص اضطراب نفسي آخر لديهم خلال حياتهم.

أبرز هذه الاضطرابات هي اضطرابات المزاج على اختلاف أنواعها، اضطرابات القلق، انفصام الشخصية، الاكتئاب، إدمان الكحول والمخدرات، اضطرابات التغذية، وحتى محاولات الانتحار.

وفي الختام.. نعلم أن الطريق نحو مجتمع متقبل لجميع الفئات والأقليات العرقية والدينية والجنسية أمر بعيد وصعب المنال في المستقبل القريب، إلا أن الخطوة الأولى في هذا الطريق هي الاطلاع على ما يميز هذه الفئات المختلفة قبل التسرع ونعتهم بأنهم شواذ وغير طبيعيين.

فبالرغم من عدم وجود تعريف واحد حول العالم لما هو طبيعي وما هو غير طبيعي، يتفق معظمنا على وجوب احترام الأشخاص المختلفين عنا وعدم إيذائهم طالما لم يبادروا بالعداء والإساءة.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر