الجندر، تمييز على أساس النوع الاجتماعي

ممارسات التمييز ضد أحد الجنسين، الجهود المبذولة من أجل تمكين المرأة، ومفهوم الجندر وممارساته

الكاتب:
تاريخ النشر: 24/05/2016
آخر تحديث: 29/06/2016
يستخدم مصطلح الجندر لوصف الممارسات والمعتقدات التي تميز بين الذكر والأنثى

لطالما شكل التمييز على أساس النوع الاجتماعي هاجساً للأنثى التي تعاني من الاضطهاد لمجرد أنها أنثى وليست ذكر، في المقابل يحصل الذكر على حقوقه باعتباره متفوقاً عليها، حتى يكون راتبه أعلى من راتبها أحياناً، رغم شغلهما تفس الوظيفة و العمل ذاته من حيث عدد الساعات.

يستخدم مصطلح الجندر للتعبير عن الآراء والمعتقدات والممارسات والأفكار المرتبطة بظاهرة التمييز بين الجنسين الذكر والأنثى، سواء في الممارسات العملية، أو كتمييز فكري، كما يستخدم المصطلح أحيانا من قبل الباحثين لدراسة ظاهرة معينة مع تبيان اختلاف تأثيرها على كلا الجنسين، وتعني الكلمة حرفيا النوع أو الجنس، وترمز الكلمة إلى أن الجنسين مختلفين، وقدراتهما مختلفة، وبالتالي هناك فرق بينهما يجب تكريسه والحفاظ عليه أو تبيانه على الأقل.

مفهوم الجندر

الجندر هو مفهوم يستخدم لوصف الاختلافات غير البيولوجية بين الذكر والأنثى، ظهر هذا المفهوم في 1950 في المجتمعات النفسية والطبية في الولايات المتحدة، وانتشر هذا المفهوم بعد ذلك من خلال الكتاب والمفكرين، ففي عام 1964 كتب المحلل النفسي روبرت ستولر مقالة حول هوية الجندر، أو الهوية الجنسية، ويقول في هذا المقال: "تبدأ الهوية الجنسية مع العلم والإدراك، بوعي أو غير وعي، عندما يدرك الإنسان أنه ينتمي لهذا الجنس لا لغيره".

كما استخدمت الحركات النسائية كلمة الجندر  في عام 1970 للدلالة على الممارسات القمعية التي تتعرض لها المرأة نتيجة التمييز المستخدم ضدها، ولإثبات أن عدم المساواة بين المرأة والرجل هي من العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

والتمميز وفقا للجندر ظاهرة اجتماعية تقوم على وجود اختلافات بين الجنسين الذكر والأنثى، تنعكس هذه الاختلافات البيولوجية، في اختلاف وظيفة ودور كل منهما في الحياة، فبناءً على ذلك يدخل التمييز بين الجنسين إلى كل المجالات، هذا ما تحاول التشريعات المحلية والدولية تجاوزه، باعتبار أن قدرة المرأة لا تقل عن قدرة الرجل، وبالتالي كان مبدأ المساواة بين الجنسين أساساً لكل القوانين الناظمة للحياة في هذه الدول. 

كما أن منظمة الصحة العالمية تستخدم مفهوم النوع الاجتماعي أو الجندر، "لاستحضار الأدوار التي يتم تحديدها اجتماعياً، والسلوكيات والأنشطة والصفات التي يتصف بها المجتمع الذي يمارس موضوع الجندر للتمييز بين الذكر والأنثى. في المقابل دعت منظمة اليونسكو  لتكريس المساواة بين الجنسين ضمن أولوياتها العالمية، معتبرةً أنه" من الضروري لتمكين النساء والرجال أن يتمتعوا  بحقوقهم كاملة".

كما أصدر برنامج الأمم المتحدة للتنمية مؤشرا سمي مؤشر التنمية الجندرية، يوضح من خلاله مقدار التراجع في سجل التنمية البشرية الناجم عن التمييز بين الذكر والأنثى، كما أصدر مؤشر التنمية البشرية المعدل بعامل عدم المساواة بين الذكر والأنثى، أو مؤشر التنمية البشرية المعدل بعامل الجندر، ليظهر مقدار الخسارة في سجل التنمية البشرية الناجم عن عدم المساواة بين الجنسين، وذلك لبيان تأثير هذا التمييز على سجل التنمية المسجل في بلدان العالم.

كيفية معالجة ظاهرة التمييز وفقا للجندر

دأبت المؤسسات المحلية والدولية على معالجة الجندر، بمنع ممارسته فيها، لكن هناك مجالات يستخدم فيها التمييز حسب النوع الاجتماعي (Gender)، كالعمل مثلا، حيث يستخدم التمييز بين الجنسين، في طريقة التعيين (ذكر أو أنثى)، كذلك شروط التعيين (كان يكون هناك شروط خاصة للإناث من ناحية اللباس مثلا)، وفي الترقيات أيضاً، حيث تتم ترقية الرجل باعتباره مهيأ للعمل وليس لديه انشغالات تتعلق بالأسرة، في المقابل لا توضع الأنثى في منصب، إذ يُكتفى بزيادة راتبها، لأنها قد تتزوج وتنجب الأطفال فتنقطع عن العمل.

ومن مجالات التمييز في العمل إعطاء المرأة راتباً يقل عن راتب نظيرها الرجل في العمل ذاته، على الرغم من أنهما يعملان عدد ساعات العمل ذاته، كما قد تحرم من العمل لمجرد اعتراض ولي أمرها كوالدها أو زوجها أو أخيها، كم كان التمييز بينهما قديماً في مجال التعليم، حيث يسمح للصبي بالتعلم، في المقابل تحرم منه الفتاة، بحجة أن العلم للذكور فقط وليس للإناث، ولا زالت هذه الظاهرة متفشية في العديد من الدول.

الأحكام التي شجعت أو قلصت من التمييز بين الجنسين حول العالم

  • بدأت العدالة تطبق في مجال مواجهة التمييز وفقا للجندر، باعتباره سبب للتمييز العنصري ضد الإناث، من مكانها الطبيعي وهو المحاكم، من خلال مجموعة من القضايا والأحكام، ففي عام 1980 رفعت السيدة سميث التي كانت تعمل مدير مستودع في بريطانيا بأجر أسبوعي 50 دولاراً دعوى على صاحب المؤسسة أمام محكمة بريطانية، وذلك لإعطائها أجراً أقل من أجر عين في نفس المنصب بأجر 60 دولاراً أسبوعياً، وكسبت السيدة سميث القضية التي اعتبرتها المحكمة تمييز غير مباشر على أساس الجنس.
  • وفي عام 1986 قررت محكمة بريطانية، أن إقالة السيدات قبل وصولهن للسن القانوني بغرض حرمانهن من الراتب التقاعدي الذي يحصل عليه الرجال تمييزاً على أساس الجنس، ودعت لمحاربته، كما أقرت هذه المحكمة في العام ذاته، حكماً اعتبرت فيه أن استبعاد العاملين بدوام جزئي وهم نساء غالباً من نظام التعاقد أمر  لا يمكن تفسيره بغير التمييز على أساس الجنس، كذلك طالبت بالمساواة في الأجر بين الرجال والنساء وفق حكم صادر عنها في ذات العام أيضاً، لذا يمكن اعتبار عام 1986 عام لمكافحة الجندر في أوروبا.
  • لم يتوقف دور المحاكم الأوروبية في محاربة الجندر عند هذا الحد، بل اعتبرت في حكم صادر عن إحدى هذه المحاكم عام 1990 أن خصم المستحقات المالية للمرأة الحامل بعد ولادة طفلها تمييز على أساس الجنس، وغير مبرر، إذ يجب إعطاء المرأة مستحقاتها خلال فترة الإرضاع، فلا يعتد بتبرير  رب العمل للخسارة المالية التي يتعرض لها نتيجة تغيب المرأة المرضعة عن العمل، وهذه قضية مهمة للمرأة.
  • أقرت محكمة العدل العليا في لوكسمبورغ؛ في عام 1995 ضرورة المساواة في التعاقد بين عمال وعاملات النظافة عند تعيينهم من قبل المؤسسات والجهات العامة والخاصة، كما أصدرت محكمة العدل الأوروبية في العام ذاته؛ حكماً بضرورة إقرار المساواة بين الجنسين في التشريعات الوطنية للدول الأوروبية، من خلال وضع مؤهلات لاختيار المرشحين للترقية بغض النظر عن جنسهم، ففي حال حصول نقص في أحد القطاعات التي تقل فيها نسبة الموظفات عن نسبة الموظفين؛ تعطى الأولوية في التعيين للنساء. كما منعت المحكمة ذاتها في عام 1998 فصل المرأة الحامل من عملها بحجة انخفاض إنتاجها نتيجة ظروف الحمل والولادة، في المقابل لم تعتبر محكمة العدل الأوروبية في حكمها الصادر عام 2000 استبعاد المرأة من الخدمة في الجيش الألماني تمييزاً على أساس الجنس، بل طالبت باعتماد مبدأ التناسب أي السماح للمرأة بالعمل في مجالات عسكرية لا تخل بطبيعتها البيولوجية، كالعمل في المجالات العسكرية الطبية والإدارية، كما ألغت المحكمة الدستورية البلجيكية في 30 حزيران/ يونيو من عام 2011 الانتقاص من مبدأ تأمين المرأة مقارنة بما يحصل عليه الرجل.

دراسات حديثة حول الجندر

أجريت في المغرب ثلاث دراسات حول قضية الجندر ومدى تطبيق المساواة بين النساء والرجال العاملين، فقد أجريت للمرة الأولى بين عامي 2011-2012 حول لوائح العمل ومشاركة المرأة في المغرب في سوق العمل، حيث كان الهدف من هذه الدراسة  معرفة مدى تطبيق مبدأ المساواة في الاستخدام والمهنة للعاملين، من خلال مقارنة عدد العاملين من الجنسين في المؤسسات، كذلك مدى إدراج مبدأ المساواة بين الجنسين في قانون العمل المغربي.

فيما أجريت الدراسة الثانية كجزء من برنامج تجريبي برعاية منظمة العمل الدولية (ILO) لتعزيز المساواة بين المرأة والرجل، وقد نشرت في 2013 تحت عنوان "عدم المساواة وممارسات الشركات الجنسين المغرب "، ويصف الجزء الأول؛ المساواة القانونية والاجتماعية والاقتصادية للنساء العاملات، كذلك نتائج مسح أجري من خلال مقابلات شبه منظمة مع الشركات والنقابات والمنظمات النسائية غير الحكومية والسلطات العامة، التي تعزز الصور النمطية والأحكام المسبقة وغيرها من العوامل؛ المساهمة في تركيز النساء في طبقات وظيفة معينة وتحديد ممارسات إدارة الموارد البشرية التي تحافظ على التمييز ضد المرأة. ولقد أثبتت هذه الدراسات تحقيق نسبة عالية من المساواة بين الجنسين في هذا البلد.

ونظراً لأهمية الجندر وخطورة ممارساته، أنشأ في جنيف معهد للجندر، بهدف توحيد وتطوير البحوث حول الجندر، فتحول هذا المعهد إلى جزء من جامعة جنيف، كما ازدادت في الدراسات العليا الأبحاث حول الجندر بدعم من الجامعة السويسرية، وذلك بهدف تطوير الدراسات والشبكات الدولية في هذا المجال.

خلاصة

التمييز وفقا للجنس داء والمساواة بين الجنسين دواء هذا الداء، فليس باختيار الإنسان يولد ذكراً أو أنثى، لذا يجب أن تكون القدرات والكفاءات والخبرات العلمية هي معيار التمييز بين الأشخاص، وليس النوع الاجتماعي، أو  إلى أي جنس ينتمي، هناك دول وعت هذه الحقيقة منذ زمن كالدول الأوروبية، كذلك هناك دول تسعى للتخلص من هذه الظاهرة، كالدول الإفريقية، لكن الجميع بات يدرك خطورة هذه الظاهرة وأثرها السلبي في تطور العلاقات بين أفراد المجتمع.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر