ما هي الحرية؟

مفهوم الحرية (Freedom)، نشأته وتطوره، أنواع الحريات وارتباطها بالمسؤولية

الكاتب:
تاريخ النشر: 16/04/2016
آخر تحديث: 30/11/2016
ما هي الحرية وما هي أنواعها وما الحدود التي تحكم الحرية

"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" بهذه الجملة ردّ الخليفة عمر بن الخطاب على والي مصر عمرو بن العاص؛ عندما قام ابن عمرو بضرب شخص لأنه غلبه في سباق الخيل. وقال الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو في عام 1788: "وِلدَ الإنسان حراً إلا أنه مكبل بالأغلال"، انطلاقاً من ذلك أصبحت الحرية مطلباً فردياً وجمعياً، مطلباً للإنسان والمجتمع، ربما جعل الناس ينساقون للمعنى الظاهري وهو التحرر من القيود، ويتجاهلون المعنى الحقيقي وهو المسؤولية.

الحرية من المصطلحات الشائعة في عصرنا الراهن، هي مطلب الكل، فما المقصود بالحرية، وهل نحن أحرار فعلا؟ وهل للحرية حدود حيث ترتبط بمسؤوليات؟ كل ذلك نناقشه من خلال هذا المقال.

الحرية، المفهوم والنشأة

يعود مصطلح الحرية للكلمة اللاتينية (Liber) وتعني القدرة على القيام بعمل والتحرك بالحد الأدنى من القيود، وقد ظهر مصطلح الحرية للمرة الأولى في نهاية العصور القديمة، وذلك عندما منحت الحرية الدينية للمسيحيين بصدور مرسوم من الحاكم ساردس، ثم في قسنطينة مع مرسوم ميلانو (313 م)، حيث أشارت الكنيسة الكاثوليكية حينها:إلى أن الإنسان خُلِق حراً لكنه أساء استخدام الحرية عندما أكل ثمرة من ثمار شجرة معرفة الخير والشر.

وبهذا المعنى تتضمن الحرية وجوهاً عدة، فمنها الإيجابي الذي يعبر عن الاستقلالية والعفوية في التصرف والعمل، ومنها الوجه السلبي ويعني رفض ممارسات بعض الأفراد كالعبودية وإجبار الآخرين على القيام بأعمال لا يرغبون فيها (مثال: الرق)، والوجه النسبي وهو يجمع بين الوجهين السابقين، ويقوم على مبدأ أن الحرية هي أن تكون قادراً على  القيام بكل ما لا يتعارض مع النظام أو الآداب العامة وفق تعريف القانون الدستوري، وبكل ما لا يضر بالآخرين وفق المادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

منظروا الحرية وأشهر آرائهم حولها

برز العديد من المفكرين والفلاسفة الذين كان لهم رأيهم في الحرية ومنهم:

  • باروخ سبينوزا ، Baruch Spinoza (1632- 1677)، هو فيلسوف هولندي، ويقول: "الإنسان ليس إمبراطورية داخل إمبراطورية"، بمعنى أن الإنسان ليس مستقلاً، قراراته تخضع للقوانين في المجتمع، لذلك  لا يستطيع الخروج عن هذه القوانين، وبالتالي فلكي يمارس الحرية كما يشاء عليه أن يمارسها في الحدود التي وضعها له القانون.
  • توماس هوبز (Thomas Hobbes 1588- 1679)، هو فيلسوف بريطاني، يقول: "إن وجود القوانين تجعل ممارسة الحرية أمراً ممكناً".
  • جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau (1712-1778)، هو فيلسوف فرنسي، يقول: " في الحكم الذاتي.. يجب أن تطيع نفسك فقط "، بمعنى أن القرارات التي يصدرها عقلك هي ما عليك الالتزام بها، هذا هو جوهر الحرية السياسية في طاعة الإرادة العامة، كل مواطن لا يطيع إلا نفسه.

الحرية الفردية

تقسم الحرية الفردية لعدة أقسام وفقا لمجال ممارستها، ومن أشهر أنواع الحريات المنتشرة حاليا وفقا لمجال ممارستها:

  • الحرية الطبيعية: وتعني أنه بالفطرة يمارس الإنسان حريته في اتخاذ ما يراه مناسباً من أقوال وأفعال (مثال: مع من يتكلم؟ ماذا يتكلم؟ متى ينام؟ متى يستيقظ؟).
  • الحرية المدنية:  وهي الحرية التي أعطيت بموجب القوانين، فالإنسان حر شرط ألا تؤذي حريته الآخرين، بعبارة أخرى: تتوقف حريتي عندما تبدأ حرية الآخرين. (مثال: أنا حر في بناء طابق ثان فوق منزلي ولكن إذا كان سيحجب ضوء الشمس عن جاري أصبحت حريتي في اتخاذ هذا القرار مقيدة).
  • الحرية السياسية: وتعني أن للفرد كامل الحرية في الترشح للانتخابات والتصويت فيها لمن يرغب من المرشحين.
  • حرية التنقل: وهي تتعلق بالتنقل داخل البلد، ولا يشعر بتقييد حرية تنقله غالباً إلا المشتبه بهم، حيث تصبح حركة تنقلهم مقيدة بإبلاغ السلطات المعنية (الشرطة) ريثما تتم إدانتهم أو تبرئتهم، وتم تمديد هذه الحرية في أوروبا بفضل اتفاق شنغن (Schengen)، ( وتعني حرية التنقل داخل بلدان الاتحاد الأوروبي لأي شخص يحصل على تأشيرة دخول إلى إحدى دول الاتحاد).
  • حرية العبادة وحرية الضمير، حيث يحق لكل فرد ممارسة الديانة التي يؤمن بها، من دون تدخل من الآخرين، أو أن يقوم أحد بإجبار غيره على ممارسة دين لا يقتنع به.
  • حرية الرأي، وهي تسمح  للجميع بالتفكير والتعبير عن أفكارهم دون رقابة،  ولكن هذا لا يعني أن ينتقد الشخص الآخرين دون أدلة وإلا يعرضه ذلك للمساءلة القانونية.
  • الحرية الاقتصادية: فلكل شخص الحق في اختيار عمله، وبالتالي الحصول على الدخل، ويمكن التنازل عن عمله متى شاء، ولا يجوز حرمان أحد من العمل لأسباب أخرى غير المؤهلات المهنية (مثل الجنس أو العرق أو السن أو الدين).
  • الحرية التعاقدية: فالناس أحرار في تحديد شروط التعاقد مع الآخرين، على مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، بشرط أن لا تخالف شروط العقد قوانين البلد.

الحرية الجماعية

كما أن للحرية الفردية مجموعة من الانواع وفقا لنطاق الممارسة، فهناك انواع للحرية الجماعية أشهرها:

  • حرية الإعلام والصحافة: حيث يحق للجميع الكتابة والنشر في أي صحيفة أو موقع، ولكن هذه الحرية قد تنطوي على ضغوط نتيجة التمويل حيث يفرض الممول في بعض الأحيان التركيز على قضايا قد لا توافق عليها الصحيفة أو القناة التلفزيونية.
  • حرية تكوين الجمعيات والأحزاب: حيث يحق للأفراد تأسيس الجمعيات والأحزاب بموجب القانون، مثل:  (الجمعيات الخيرية في بلد ما، الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية).
  • حرية التجمع: حيث يحق للأفراد التجمع في صيغة مؤتمرات أو اجتماعات لمناقشة قضايا تعنيهم.

ارتباط الحرية بالمسؤولية

هناك علاقة وطيدة بين الحرية والمسؤولية، فامتلاكك للحرية لا يعني أن تكون غير مسؤولا عن تصرفاتك، وعلى العكس إن كانت تصرفاتك قسرية فقد تصبح غير مسؤول عنها.

أخيرا... تعد الحرية مطلباً فردياً وجماعياً لكل الناس، ولكنها مقرونة بالمسؤولية، وبعدم الإضرار بالآخرين، وبالتالي تصبح الحرية مجرد شعار إن لم تكن منسجمة مع الأنظمة والقوانين، وحرية الآخرين، فبقدر ما تمنحك الحرية حقوقاً بقدر ما تحملك واجبات تستطيع أو لا تستطيع تحملها.

يحاول الكاتب إيضاح المصطلحات والمفاهيم بطريقة مجردة، لذا فما هو وارد في المقال لا يعبر عن وجهة نظر الكاتب أو الموقع بالضرورة.
التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر