• منتديات بابونج

    منتديات بابونج، منتديات ثقافية متنوعة، تعرف على اصدقاء جدد وشاركهم معارفك وآرائك في بيئة نقاشية مفيدة

مدوّنتي الخاصة

منصة مخصصة لنقاشات الأعضاء، بدون قيود يناقشون خواطر وأفكار وما يدور في خلدهم في بيئة أخوية ومنفتحة، مع تقبل رأي الآخر
صورة العضو الشخصية
.فــارس.
عضو نشيط
عضو نشيط
مشاركات: 2295
اشترك في: الأربعاء يوليو 08, 2009 3:24 am

مدوّنتي الخاصة

مشاركةبواسطة .فــارس. » السبت أغسطس 20, 2011 5:13 pm

بسم الله الرحمن الرحيم


1-العالميّة والعولمة

صورة


العالميّة والعولمة..

انصهرت حروفهما لتشكّل لفظهما ،تقاربٌ في اللّفظ واختلافٌ في الدّلالة ، شذوذٌ وتناحر ، تفاعلٌ وإرتقاء ،تسلّطٌ وهيمنة .

بين العالميّة والعولمة ،فروقٌ في الفكرِ شاسعة ، تباينٌ في المذاهب واضحة ، تباعدٌ في الأهداف ،وغطرسةٌ لهيمنةٍ متزايدة.

في الرّحلة حول حقيقتِهما ، وفي تتبّع الأثر لأصولهما ، يتراءى لنا من بعيدٍ إرثٌ افتقدناهُ وغيّبناه ، واستتباعٌ حضاري قبِلناه وقبّلناه .

للكشف عن غموضِهما، وتحرّي اختلاف المدلول في لفظِهما، لا بُدّ من وضعِهما تحت المجهر والبحثِ في مفهومِهما ، وإدراكُ أيّ اللّفظين أقرّه العقل البشري والقيمُ الفاضلة ، وأيّها كان أشدّ افتراساً لخطوط الجغرافيا وحدود السياسة القائمة .

بالنّظر إلى مفهوم العالميّة كما دارت في أفلاكهِ آراءُ الباحثين والمُفكّرين، فهو إدراكُ لقيمة الوجود البشريّ وارتقاءٌ بالإنسانيّة، احتكاكٌ ثقافيّ قائمٌ على الإنفتاحِ على الآخر مع الحِفاظ على الإنتماءِ والهويّة والأصالة ، وطرح الرّؤى والمُثاقفة القائمةِ على الإعتراف المتبادل بالكيانات والقوميّات والدّيانات والثّقافات ، دون فرضِ الآخر على الآخر مبادئه أو عقائده أو إرثه الحضاريّ ، فلا تنشبُ النّزاعات ، ولا تنشأُ الصّراعات ، فالحروب مستنكرةٌ يرفضها العقلُ السليم ، وتستنكرها القيمُ الفاضلة ، وتدحرُها مبادئُ الأديان الحقّة ، فهي دعوةٌ للبحثِ عن الحقيقة الواحدة ،وإثراءٌ للفكرٍ وتبادلٌ للمعرفة.

أمّا العولمة تلك الكلمة الصامتة، فأشكالُها مُتعدّدة، مُسمّياتُها مختلفة ،كائنٌ شرسٌ لا يبالي بسياج القوميّات، ولا يعترف باستقلال الإقتصاديّات ، في عروقه تجري الهيمنة ،وتتّسعُ في حدقات عينيهِ حبّ النّفوذ وبسطُ السّيطرة .

العولمة ، الكونيّة أو الكوكبةُ والشّوملة، ظاهرةٌ نتجت عقِب انهيار سور برلين ، وتفكّك الإتّحاد السوفييتي وانهياره بوجه النّظام الرأسماليّ الإمبرياليّ ، والذي يدعو إلى النّظام الرأسمالي وتبنّي آيديولوجية النّظام العالمي ، وهي مرحلةٌ متطورةٌ من هيمنة النّظام الرأسماليّ الغربيّ على العالم ، وتحليلُها بالمعنى الّلغوي يفيدُ بتعميم الشّيء وإضفاء الصّبغة العالميّة عليه ليتجاوز الحدود الجغرافيّة والخطوط السياسيّة ويشمل العالم .

غموضُ العولمة جعلها محلّ خلافٍ بين الباحثين والمفكّرين لتحديد مفهومِها، فما بين الهيمنةِ الأمريكيّة والثّورة التكنولوجيّة والإجتماعيّة والظّاهرة الإقتصاديّة دارت التّعاريف في أفلاكِها .

فالعولمةُ على أساس الهيمنة الأمريكية ،هي هيمنةُ التكنولوجيا الأمريكيّة على العالم وتعميم حضارتِها من خلالها ، وهي هيمنةٌ نتجت عقِب نهاية الحرب الآيديولوجية بين الرّأسماليّة والشّيوعيّة لتنتهي بانهيارِ الإتّحاد السوفييتي وسيطرةِ الولايات المتّحدة الأمريّكيّة على قُطبيّة الحكم في العالم .

والعولمة على الأساس الإقتصادي أدهى وأمرّ ، ولعلّ الأزمة الإقتصاديّة العالميّة الثانية في العقد الأخير عام 2008 خيرُ دليلٍ على ذلك ، إذ أنّها -أي العولمة الإقتصادية- تقوم على أساسِ نشرِ القيم الغربيّة في الإقتصاد، فلا معنى للإقتصاديّات الوطنيّة فيها ولا معنى لقوّة اقتصاد الدّولة، فالعالم سوقٌ واحد واقتصادٌ واحد اندمجت فيه جميعُ الأسواق ، يخضع فيها لقوى السّوق العالميّة ،العنصر الأساسي في هذه الظاهرة هي الشّركات الرأسماليّة الضّخمة متخطيةً القوميّات، وعازلةً لسيادة الدولة ، يصبح العالمُ فيها مقسّماً إلى قسمين ، قسمٌ ينتج ويطور ، وهو الدّول الغربيّة ، وقسمٌ يستهلك ويستورد وهي الدول النّامية،فهي تعكس التبادل غير المتكافئ بين قوى اقتصاديّة عالمية غير متوازنة.

أمّا العولمةُ على أساس الثّورة التّكنولوجيّة والإجتماعيّة، فهي الإتّجاهُ الذي يسعى لجعل العالم قريةً صغيرةً تزول معها الحدود الجُغرافيّة والخُطوط السياسيّة ولا يعتبرُ بها، من خلال التّداخل الواضح لأمور الاقتصاد والسّياسة والثّقافة والسّلوك عبر وسائل التّكنولوجيا المتقدّمة ووسائل الإتّصال الحديثة وشبكاتِ الإنترنت ،لتُصبح الحياةُ الإجتماعيّة بعدها متداخلةً بين الأمم ،دون انتماءٍ إلى وطنٍ محدّد أو لدولةٍ معيّنة.

يتّضح في النّهايةِ ومن خلال هذا السّردِالبسيط حول مفهوم العولمةِ أنّها في الحقيقة(أمركة)وأنّها مذهبٌ غربيّ يسعى للسّيطرةِ على العالم ثقافيًّا وسياسيّا واقتصاديّا ، من خلال التّكنولوجيا المتقدّمة ووسائل الإعلام والشّركات الرأسماليّة الكُبرى ، لفرضِ الحضارة الغربيّة وتعميمها على العالم .

هي أشبهُ ما تسمّى بثقافةِ الإختراق واجتِياح الثّقافات ،اختراقٌ لمقدّساتِ الأُمم والشّعوب ، تسعى لتفريغِ الوطنِ من إرثه الحضاريّ ، وانتمائه القوميّ والسياسيّ والدينيّ ، لا يصبحُ بعدها إلا تابعاً منصاعاً لقوى العالم الكبرى وحضارتهم الغربية .

العولمةُ -حسب رأيي الشخصي- استعمارٌ سياسيّ واقتصاديّ وثقافيّ اجتماعيّ وهيمنةٌ أمريكيّة تسعى للوصولِ بالبشريّة إلى نمطٍ واحدٍ في التّغيير والأكلِ والملبس والعاداتِ والتّقاليد في صورة ظاهرةٍ يطلق عليها لفظ العولمة الدّاعية للإقتصاد الحرّ والرّبح والمُنافسة، والعالمُ قريةٌ صغيرة واحدة يغدو فيها بدون دولة، بدون أمّة، بدون وطن، فقط هو عالمُ المؤسّسات والشّبكات.

بعد الحديثِ عن العولمةِ بشكلٍ مختصر حول مفهومها ودلالتها وأشكالِها ، وخطرها الإستعماريّ السّاعي إلى تعميمِ نمط الحضارة الغربيّة على العالم ،نأتي للمُقارنةِ بينها وبين العالميّة .

إنّ العالميّة بجوهرها تعكسُ ارتقاء الإنسانيّة من خلال التّفاهم والتّعاون بين الأمم، والإنفتاحِ على الآخر القائمِ على الإعتراف بهويّته وحضارتِه وإرثه ، والإحتكاكُ القائمُ على إثراء الفكر وتبادل المعرفة ، سعياً في الوصول إلى سعادة البشريّة الّتي تحضّ عليها القيم الفاضلة ، على عكسِ العولمة القائمةِ على خلاف ذلك من خلال بسط الهيمنة والنفوذ وتعميمِ صياغةٍ أيديولوجيّة لحضارةٍ معيّنة على البشريّة جمعاء.

إنّ أوضح مثالٍ للعالميّة ، هو المُحتوى الرّئيسيّ والرّساليّ لحضارتِنا ، وهو الإرث الذي غيّبناه وقيدناه عن عالميّته بحججٍ واهية ، وأفكارٍ مهترئة ، وتصوّراتٍ مستلَبة ، فحين جاء الإسلامُ خاتماً للأديان ،جاء يُخاطب جميع البشر ، دينٌ عالميّ يصلح لكلّ الأزمنة والأمكنة ، لا يعرف الإقليميّة أو القوميّة أو الجنس ،جاء لجميع الفئات والطّبقات ، فلا تحدّه الحدود ، وقد دعا النّاس إلى عقيدته وشريعتِه وقيمه الأخلاقيّة، من خلال الدّعوة بالحكمة والموعظة والجدالِ الحسن

(وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)
(العنكبوت 46)

دون فرضٍ أو إكراه

(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

(البقرة 256)

ودون نبذٍ للآخر والإقرار بواقعِ الإختلاف الموجود في هذا الكون

(وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)

(المائدة 48)

ومن يقرأُ تاريخ البشريّة عامّة ، سيرى أنّ الحضارة الإسلاميّة لم تُمارس العولمةَ بمفهُومها الدّال على الهيمنة والإمبرياليّة والتوسّع، والتسلّط والإكراه وفرضِ الحضارة ، بل كانت عالميّة تنطلق من مبادئ دينها ، فقد اعترفت بواقعِ الأديان والّلغات والقوميّات ، فعاملتها معاملةً كريمةً من خلال الإنفتاح عليها، حتّى أصبح المجتمعُ الإسلاميّ مثالاً في التّقدم والرّقيّ والإزدهار ، والأمن والأمان والإستقرار، رُغم التّنوع الديموغرافيّ والدّيني والثّقافي

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

(الحجرات:13)

إنّ العولمةَ التي نشهدُها اليوم في العصرِ الحديث ، والمتمثّلة في الهيمنة الأمريّكية وصياغتِها لآيديولوجيّةالحضارة الغربيّة وتعميمها على العالم ، قد أثبَتت وَهنَها وضعفَها وعجزَها ، ولعلّ ما يثبتُ ذلك هو الأزمة الإقتصادية العالميّة التي تلوحُ في الأُفق اليوم، ولعلّ ما يثبتُ أيضاً نجاعة إرثنا الحضاريّ ومعجزة المحتوى الرّئيسيّ لأمّتنا في ارتقاء الأمم وازدهارها وتقدم الإنسانية، بالرّغم من تغييبنا إيّاه ، وبالرّغم من عدم زجّنا إيّاه في كثير من حقول الحياة ، إلا أنّه أثبت تفاعُله مع قضايا النّاس واندماجه معهم في جميع شؤون الحياة،وإيجادهِ للحلول لكلّ قضاياهم ،وهذا من كمال هذا الدّين وإعجازه ،فهو دينٌ تفاعليّ حضاريّ منذ نشأته ، وأقرب مثالٍ على ذلك هو دعوةُ بعض من الإقتصادييّن الأوروبييّن للعمل بالنّظام الإقتصاديّ الإسلاميّ عقبَ الأزمة العالميّة الثّانية عام 2008، الأمرُ الذي أثبت وَهن النّظام الرأسماليّ المُعولم والذي تسعى الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّة من خلاله للسيّطرة على العالم وتكريس مفهوم النّظام العالميّ الجديد الذي تُباركه الماسونيّة العالميّة، والهادف إلى نشر الإلحاد وتفتيت الأمة الإسلامية تحت مسميات منمّقة من حرّية ديمقراطيّة وغيرها .

أرى أنّ إدراك عالميّة رسالة المسلم،أصالةً ثقافيّةً لا بُدّ له من إدراكها والذّود عنها في وجه ما تواجهُه اليوم من حربٍ فكريّة ظاهرةٍ مُعلنة، وإنّي لأرى أنّ الوعي بمسألةِ العولمةِ أمرٌ في غاية الأهمّيّة، إذ أنّها لا تعدو أحد مورثاتِ الصليبيّة ، روح الاستيلاء على العالم هي أساسُها ،لكن بطريقةٍ نموذجيّة يرضى بها المُستَعمَرُ ويهلِّلُ لها ،بل ويرى من هذه الصليبيّة الغربيّة المتلفّعة بلباسِ العولمة مطلباً ضروريّا للتّقدم والتّطوّر ..


صورة العضو الشخصية
.فــارس.
عضو نشيط
عضو نشيط
مشاركات: 2295
اشترك في: الأربعاء يوليو 08, 2009 3:24 am

واقعنا الثقافي المعاصر بين الأصالة والحداثة والإستلاب

مشاركةبواسطة .فــارس. » السبت أغسطس 20, 2011 5:22 pm

2-الأصالة والحداثة والإستلاب

صورة

حين ضعُفت أصالة الفكر والثّقافة ، وحين تمدّد واستشرى فكرُ ومفهوم الحداثة ،حدث الإستلاب العقلي مفرّغا الأمّة من محتواها الفكريّ والثّقافي ،فباتت تستورد الثّقافات ، وتنقادُ نحو الفكر الوافد الجديد طواعيةً وبمحضِ الإرادة ،مسجّية إبداعها وتطوّرها بمفاهيم حضارتها ضمن أصالتها في تابوت النسيان ..

قد تداخلت بتلك السّطور المفاهيمُ والمصطلحات ، وتعدّدت بها الإسقاطات والدّلالات ، فما هي أصالة الفكر والثّقافة ،وما هو فكر ومفهوم الحداثة ، وكيف نشأ لنا ذاك الإستلاب العقلي .

إنّ الفكر الإنساني وإعمالُ العقل والخاطر ، هو قدرةُ العقل البشري على التّطور والإبداع والإبتكار ، واستنباط وتأسيس النظريّة والمفاهيم من مصادره الموروثة، وكل إنتاجٍ فكريّ له أصالةٌ يستمدّ منها نهجه وصفته وهويّته.

تُشكّل أصالة الفكر مناعةً وحصانةً فكريّةً للفرد في مجتمعه من أيّ غزوٍ فكريّ أو ثقافيّ امتلك القدرة على ذلك إمّا بالقوّة العسكريّة أو الوسائل الإعلاميّة المختلفة ، استهدافاً لثقافةٍ يجب السّيطرة عليها لتتمّ السّيطرة بعدها على الأمّة المستهدفة فكريّا .

ولم تكن أصالة الفكر والثّقافة الإسلاميّة ، إلا ذاك الدّرع المتين ،والحصن الحصين للمجتمع العربي وشخصيّة الفرد المسلمة حين خاض غمار الغزو الفكريّ والحضاريّ في القرن الأول الهجري ، فاستطاع من خلال أصالته الفكرية وما أنتجته من قوّة التمييز والنّقد والمحاكمة ،أن يُغربل ذاك الفكر الوافد بالنّقد والردّ الحاسم وإعادة الهيكلة، فحفظ الأصالة الفكريّة والشخصيّة الفرديّة المفكّرة من اختلاط أفكارها وتفريغها من محتواها الفكريّ والثقافيّ المعرفيّ.

الأصالةُ تلك هي عماد الفكر الإسلامي، وأسسه وضوابطه الملتزمة التي يقوم عليها ويستمدّ منها وجوده ، وتكمُن أصالة الفكر الإسلامي في المصدر نفسه وعناصره المتكاملة وضوابطه الملتزمة واستغناءه عن طلب التلفيق والإستعارة، القواعد الأصيلة التي تحفظ الشخصية الفكرية الإسلامية من الإضمحلال أو الخواء الفكري ،دافعةً إياها نحو الإنتاج الأصيل والملتزم للفكر والمعرفة ، مولّدةً حصانةً فكريّةً تتمثّلُ في الفرز والتّشخيص والرّفض حين تعاملها مع الأفكار الأخرى الوافدة.

لكن حين ضعُفت تلك الأصالة الفكريّة والثقافيّة ، ضعُفت معها مناعة المجتمع العربي والإسلامي من التصدّي للفكرِ الوافد الغربيّ خلال الغزو الإستعماريّ والحضاريّ الأوربي ، فتسرّبت لنا النّظم الهدّامة والمفاهيمُ المختلفة، والأفكار الّتي أُريد لها وخُطّط لها أن تُغيّب الهويّة الحقيقيّة الإسلاميّة عن المجتمع العربي ،وأن تمحو الثّقافة الإسلاميّة من خلال سيطرتها على الشّخصيّة المُفكّرة المُسلمة ، من خلالِ إيجاد سوقٍ فكريّ زاخرٍ بالنّظريّات والمفاهيم الغربيّة التي تخصّ كافّة جوانبِ الحياة السياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة ، كبديلٍ للفكرِ والمعرفة والثّقافة الإسلاميّة، لتقوم بإفراغ الإنسان المسلم ومجتمعه من محتواه الرّسالي، وطرح الفكر الأوربّي الغربيّ بديلاً له ، سِمتُه الأهمّ هو نتاجه العقلي الذي قام بلا ضوابط تحكمه ،وبما حمله من شطحات وتجاوزات .

ومع كلّ الخُططِ المدروسة ، والهجمة الشّرسة الفكريّة المدعومة بالقوّة العسكريّة والإعلاميّة بمختلف أشكالها ومؤسّساتها ومراكزها، ومع كل التّداعي الذي كانت تُعاني منه الشخصيّة الفكريّة المسلمة من ضعفٍ في أصالتها الفكريّة والثقافيّة ، إلا أنّه كان هناك نوعٌ من التّصادُم في علاقةِ المثاقفةِ ما بين المجتمع الإسلاميّ والمجتمع الغربيّ ، فقد صمد المُفكّرون والمُثّقفون والعلماء والكُتّاب الإسلاميّون الملتزمون والحركات السّياسة ومؤسّسات التّعليم الإسلامية بوجه هذا التيّار الفكريّ الوافد، وتمكّنوا من الحؤول دون تغييب ومحقِ الأصالة الفكريّة والثّقافيّة ككلّ ، إلا أنّ البُنية الفكريّة والمعرفيّة والثقافيّة للشّخصيّة المُسلمة كانت قد تداعت بسبب معاولِ الفكر الغربيّ .

لينتهي هذا النّوع من التّصادم الفكريّ ، ولِتسقط حصانةُ التّمحيص والنّقد والرفض التي أوجدتها الأصالة الفكريّة الإسلامية ضدّ أي وافدٍ فكريّ، ولتسير الأمّة بمحضِ إرادتها نحو انسلاخها عن هويّتها الثّقافية ، كان لا بد من طرح مفهومِ الحداثةِ في السّوق الفكري الغربيّ المُعولَم ،تتوارى خلف مفهوم النّقد الأدبي ، تحمل في مدلولها ثورةً على كافةِ مجالات الحياةِ الإنسانيّة التّراثيّة والفكريّة .

فإن كانت اللّيبراليّة والعلمانيّة وغيرهما من النّظم الفكريّة الغربيّة الهدّامة تضُرّ بمجتمعاتنا ، فإن الحداثة بمدلولها الغربيّ أشدّ فتكاً وضراراً على الفرد والمجتمع .

فحين تمتثل الحداثة كفكرٍ وافدٍ بمفهومه الغربيّ أمام مطرقة عدالة الفكرِ الإسلامي ، وبعد تداول قضيّتها من المفكّرين الإسلاميّين والنّظر لأصولها ودُعاتها ومُروّجيها وأهدافهم ، فهي تتعرّى من مفهوها النّقديّ الأدبيّ المُزيّف ، وتظهر حقيقتها الجليّة بأنّها ثورةٌ ومعول هدمٍ جاءت للقضاء على كل ما هو إسلامي دينًا ولغةً وأدباً وتراثاً ، للتّخلص منه ، وإحلالِ مجتمعٍ فكريّ عربيّ محلّه يعكس ما في المجتمعات الغربيّة من انحلال أخلاقيّ نُحر باسم الحداثة والتّنوير .

وبما أنّنا نعيش في زمنٍ قد بات فيه من الصّعب الحؤول دون الغزو الثّقافي والحضاريّ الغربيّ لنا ، لأنّ غربلة الفكر الوافد قد غُيّبت ودُجّنت وضُيّق الخناق حولها ، فقد وجدت الحداثة أجسادًا مضيفة تنمو وتترعرع في زوايا خيالها الفكري المُتهالك المنسلخ عن أصالته.

لا يمكننا أن نغضّ الطّرف عن حقيقتنا ، فالشّباب العربيّ اليوم بات يعيش في دوامةِ الأصالة والحداثة ، إذ بات يرى من عمليّة استحضار التّراث الأصيل والفكرِ والثّقافة الأصيلة وإسقاط حاضره عليها ،رجعيّة تخلّفيّة تعكس الرّجوع إلى الخلف بعكس التّقدم إلى الأمام والتّطور الحضاري، وأعمت عقدة الأجنبي البعض بأن تلك العملية ضرورةً ملحّةً لتصحيح مسار هذا الحاضر ،والتوجّه بثقةٍ نحو المستقبل، وبات التّطور والإرتقاء من المنظور الحداثوي الغربيّ الذي انتهجته فئةٌ واسعةٌ من الشباب العربيّ المعاصر، هوأن يقتات من فتاتِ الغربِ الدّساتير والنّظم الّتي تساعده على الّلحاق بركب التّطور والحداثة -وهذا ما نُشاهده اليوم بعينِ الحقيقة في ظلّ المتغيّرات التي نُعاصرها-، فانقاد نحو الفكرِ والثّقافة المستوردة بمحضِ الإرادة حين فقد أصالته الفكريّة والثّقافيّة ، وسار حثيث الخُطى خلف الحداثة الغربيّة ، لينشأ لنا الإستلاب العقلي منتجاً لنا (نُكران الذّات) ، المصطلح الذي يعاني منه شبابُنا اليوم.

فحين تتفرّغ الأمّة من مُحتواها الفكريّ والثّقافيّ الأصيل، يصبح العقلُ المفكّرُ بعدها أسيرًا لفكرةٍ مّا أو ثقافةٍ ما ، يطلق عليه اسم (العقلُ المستلب ) .

وبمعنى آخر، هوانسلاخ من الذّاتية الثّقافيّة وخضوعٍ للتّبعيّة للآخر كحضارةٍ أو ثقافة ،وفراغُ الأمّة فكريّا وثقافيّا يجعلها جوفاء تسهل السيطرةُ عليها وقيادتها نحو الفكرِ الوافدِ الجديد بلا غزوٍ فكريّ أو ثقافيّ ، وهذا ما يطلق عليه مفهوم الإستلاب العقلي ، وهو المفهوم الذي نجده دومّا في الإتّجاه الناقدِ لتقليد الغرب ،ولتوصيف علاقة المُثاقفة ما بين المجتمع العربيّ والغربيّ .

نشأةُ الإستلاب العقليّ في الواقع الثقافيّ العربيّ ، كانت له معطياته الّتي أدّت إلى انتشاره وزحف جذوره في العُمق والبعد الفكريّ ، من خلال بُعد المجتمع بمجمله عن أصالته الفكريّة والمعرفيّة والمحتوى الرّئيسي وهو الدّين الإسلامي ، ودور الحكومات العربيّة المُباشر بجهلها أو الأحرى استجهالِها بواقعها المعاصر وضرورةِ توسيع مناهج التّعليم لديها لتُصبح أكثر فاعليةً في خلق روح الإبداع الفكريّ وعدم إقصائها بمنهج التلقين المكثّف ، وقلّة دعم المثقفين والمفكّرين للقيام بدورهم في نهضةِ الأَمّة فكريّا وثقافيّا ضمن أصالةٍ إسلاميّة ترتقي بمفهوم الحضارة ، بدل مُمارسات التّدجين المُقنّنة بحُجّة الإرهاب الفكريّ والرجعيّة التّخلفيّة .

ومن هنا فإنّه بات من الواجب القول ، أنّ تداعي الواقع الثّقافي والفكريّ العربيّ واستلابه لثقافةِ الآخر يكمُن أوّلا بسبب ابتعاده عن أصالتهِ الغنيّة في الأصل عن التّلفيق أو طلبِ التّكامل والإستعارةِ من غيرها، والمُناداة بمفهومِ الحداثة -بدلالتها الغربيّة- للإرتقاء والتّطور بمفاهيم الحضارة ، فنشأ لنا عقلٌ عربيّ مستلب الإرادة الفكريّة ناكرٌ للذات ، ينقاد طواعيةً نحو استيراد النّظم والدساتير والثّقافات ، مؤمنًا بها موقنًا أنًها سبيلُ التُقدمِ والإرتقاءِ والتّطور ..

هذا ما ورثناه من استلابٍ عقليّ ، حين تفشّت الحداثة كفكرٍ هدّام توارت خلف منهج النّقد الأدبيّ، وكانت أصالة الفكر مقيّدةً مُغيّبة بسلاسل الرجعيّة والتخلّف.

صورة العضو الشخصية
.فــارس.
عضو نشيط
عضو نشيط
مشاركات: 2295
اشترك في: الأربعاء يوليو 08, 2009 3:24 am

الفكر الإسلامي وثقافة الآخر

مشاركةبواسطة .فــارس. » السبت أغسطس 20, 2011 5:33 pm

3-الفكرُ الإسلامي وثقافة الآخر

صورة

في زمن قد تعددت به انماط الفكر ، وتعددت به أيضا مقدماته ومعطياته لتتلوها بعد ذلك نتائجه وصفاته وهوياته، كان لا بد من البحث عن النمط الفكريّ السليم ، والذي لا يكون إلا حرا مستقلا ضمن ضوابط وقواعد سليمة لا يساهم إلا في تقدم المجتمع وتطوره فكرا وثقافة ومعرفة .

إن المجتمع الإنساني بشتى تنوعاته الديموغرافية، خاضع لأيديولوجيات مختلفة ومتعددة ، وكل نمط فكريّ تتبعه شتى الشرائح الإجتماعية ، تؤثر سلبا أو إيجابا في حياة الفرد والمجتمع على حد سواء .

فالسياسي ونمط فكره ونتاج عملية التفكير لديه وفق مقدماتها ومعطياتها، قد يقود المجتمع وفق نظم سياسية علمانية أو ليبرالية أو شيوعية أوإسلامية ، ليكون نمط فكره مؤثر بشكل مباشر في المجتمع الإنساني ككل ،بأفراده ومقوماته ومؤسساته .

ويتبع هذا الأمر أيضا ، الإعلام ومؤسسات التربية والتعليم ، والأدباء والشعراء والمثقفون وغيرهم ، فهم مؤثرون بمحيطهم ومجتمعاتهم وبيئتهم كلٌّ حسب نمط فكره وحسب صفته وهويته .

ومن هنا فإننا نرى أن الفكر له دوره الهام في ترسيخ المفاهيم والقيم والمعرفة والثقافة ، إذ بدوره يعطي صفة الحركة والنمو والتطور والفاعلية لمسيرة البشرية ، بعيدا عن الجمود الذي قد يلقي بها في السقوط والغياب التاريخي .

وإن كنت من خلال هذه السطور باحثا عن النمط الفكري السليم لمجتمعنا العربي والإسلامي ، والذي يكون الأداة المثلي في حل جميع مشكلاتنا العصرية والقضايا الإختلافية وفقا للمبادئ والقيم الإسلامية ،في زمن قد تعددت به مسميات وهويات الفكرالإنساني ، وتعدد متبنوه وآرائهم ، وتعددت مسمياتهم وأوصافهم ،فكان لا بد أولا من معرفة ماهية نتاج عملية التفكير وكيفية أدائها، والمسماة بين قوسين (فكر) ، وأهمية كونها ناتجة من معطيات وقواعد سليمة .

إن كلمة الفكر بظاهرها وبشكل مختصر، تدل على تحرير العقل من الجمود الفكري، وإعمال خاطره في البحث حول أمر مجهول ، بمعطيات معلومة تقوده نحو معرفة المجهول .

أي هو عملية عقلية في المعلومات المتوافرة والحاضرة ، لأجل الوصول إلى المطلوب من علم غير بديهي أو قضايا مجهولة كانت وغير متوافرة ، ومن خلال تلك العملية العقلية تنمو مدارك الإنسان وعلومه وأفكاره في الحياة ، فهي رحلة عقلية تبدأ من المعلوم للإنتهاء إلى كشف المجهول .

تنطلق تلك العملية من خلال النشاط العقلي حول التفكر في شتى مجال المعارف الإنسانية ، كالتشريع والفلسفة والتوحيد وعلم الأخلاق وعلم النفس الإجتماعي وما إلى ذلك ، وتنطلق اولا من مجال فكري محدد وحسب معطيات محددة ، لتسير وفق نظرة المفكر وأيديولجيته وفلك مسيرةعملية التفكير لديه ، لتنتهي إلى نتيجة محددة الصفة والهوية ، يطلق عليها اسم(فكر) .

وتلك العملية بمقدماتها ومعطياتها وخط سيرها ونتيجتها الحاصلة ،لها صبغة وصفة هوية ، حسب أيديولوجية المفكر المتبعة ، فإن كان الأيديولوجية المتبعة في تلك العملية العقلية (أي التفكير)علمانية ، كانت نتيجتها الحاصلة (اي الفكر) علماني ، وكذا إن كان ليبراليا أو إسلاميا أو شيوعيا أو ما إلى ذلك .

ومن خلال الوصول إلى هذه النقطة ، فإنه لا بد لنا أن نتيقن أن الفكر الإنساني للفرد المسلم لا بد أن يكون مؤدلجا ضمن ضوابط وقوانين معينة ، ليس بأيديولوجية علمانية أو ليبرالية أو شيوعية أو غيرها من أنماط فكر غربية متعددة ، بل لا بد من أدلجة فكر الفرد المسلم إسلاميا ، فهو سلم النهوض للأمة الإسلامية والعربية ،وهو ماأُمرنا به كمسلمين من التفكر والعلم والمعرفة واكتشاف قوانين الفكر والطبيعة والحياة والمجتمع .

قال تعالى في كتابه :
(إن في خلق السماوات والأرض واختلاف والليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار )
[آل عمران:191]


وقال تعالى في كتابه :
(كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون )
[البقرة:219]

والدلائل والبراهين التي تحضنا على التفكر وإعمال الخاطر كثيرة .

إن أدلجة الفكر ليكون إسلاميا ، لا تعني تلك الراديكالية الأصولية بالمفهوم الغربي ،ولا تعني أن الفكر الإسلامي متقوقع حول نفسه نابذ لرأي الآخر وثقافة الآخر ..

فإسقاط مسألة ثقافة الآخر حسب منظور الفكر الإسلامي، تتمثل في أنها ثقافة بحد ذاتها لا ينكر وجودها ، لكن الدعوة إلى الإنفتاح على ثقافة الآخر ، هي ما ينكرها الفكر الإسلامي إن كانت دعوة لتمييع الثقافة الأصلية .

إن الإنفتاح على ثقافة الآخر ، حسب منظور الفكر الإسلامي لها وجهان:

الوجه الأول : هو انفتاح قائم على التأثر المباشر بثقافة الآخر ، من خلال دراستها وإضافتها للثقافة الأصلية ، لاستحسانها أو لأوجه التشابه بين الثقافتين ، ويؤدي ذلك المفهوم والإنفتاح حسب الفكر الإسلامي ، إلى التأثر المباشر بثقافة الآخر ، واعتناق أفكارها وإضافتها للثقافة الأصلية ودمجها، ليكون السبب في ضياع الثقافة الأصلية واندحارها لاندماجها واختلاط أفكارالثقافة الأصلية مع ثقافة الآخر ، وهذا ما ينكره الفكر الإسلامي .

أما الوجه الثاني: فهو الإنفتاح على ثقافة الآخر ، من خلال دراستها وفهمها بصورة شاملة وواضحة بعد التمكن من إدراك وفهم الثقافة الأصلية ،ومن ثم مقارنة ما تحتويه مع تلك الأخيرة ، واستعارة ما يستحسن منها من المعاني والإنتفاع بها، انتفاع دون تأثر مباشر ودون دمجه مع الثقافة الأصلية ودون تبن إلى أفكار ثقافة الآخر ، ودون دمج أو خلط ما بين الثقافتين ، يؤدي إلى زوال الأصلية منهما .

هذا الوجه الثاني من الإنفتاح على ثقافة الآخر، يُقِرّه الفكر الإسلامي ، لكن بشرط أن تكون دراسة ثقافة الآخر ، مبنية على أسس ومبادئ صحيحة وقويمة ، وعقيدة إسلامية متينة ،لتكون هي المنطلق الأساسي في دراسة ثقافة الآخر ، ولكي لا تتأثر بالفلسفة والمنطق ، ولكي تكون العقيدة الإسلامية ، هي أساس الثقافة الأصلية التي تحول دون هدمها ودمجها مع ثقافة الآخر بما يتناقض مع مبادئ الإسلام .

إن الحفاظ على الفكر والثقافة الأصلية وفق المنظور الإسلامي ، هو ما يحفظ هوية مجتمعاتنا الإسلامية والعربية ، جاعلا حلقات انتمائنا وطنيا وقوميا وإسلاميا وإنسانيا في تماسك وتعاضد تام مع المجمتع العربي والإسلامي ، دافعا عجلة التقدم والعلم والمعرفة ، يحول دون جمودها ودون غيابها وسقوطها التاريخي ..


صورة العضو الشخصية
.فــارس.
عضو نشيط
عضو نشيط
مشاركات: 2295
اشترك في: الأربعاء يوليو 08, 2009 3:24 am

الثورات العربية وأثرها على القضية الفلسطينية

مشاركةبواسطة .فــارس. » الأربعاء أغسطس 24, 2011 3:15 pm

4-الثورات العربية وأثرها على القضية الفلسطينية

صورة


عقب تنامي الأحداث بصورة ملفتة لعين المشاهد العربيّ في الآونة الأخيرة ، وُصفت بالحراك الشّعبيّ المُطالب بالتغييرالسّلميّ والتطبيق الحقيقي للديمقراطيّة المغيّبة ، وإنهاء حالة الإستبداد المنظّم واستحكار السّلطة ومبدأ التّوريث ،وإسقاط كل الحدود والسّدود والجدران التي أريد لها أن تعلو وتشهق وتحجب، حتّى تُعمى العين عن أختها العين ،وإصرار الشّعوب العربيّة على نيل حرّيتها وتجسيد عزمها في خلق أنظمة سياسيّة جديدة تعبّر عن إرادتها وتطلّعاتها ، فإنّ تلك الأحداث قد دخلت التّاريخ العربيّ الحديث والمعاصر من أوسع أبوابه وتربّعت في أعلى سطوره وعلى عناوين صفحاته ، وإن هي نجحت في تحقيق أهدافها وغاياتها فإنّها ستتّجه نحو خلق واقعٍ جديد في العالم العربي على مختلف الأصعدة والمجالات السياسيّة والإقتصاديّة والثقافيّة والإجتماعيّة بل وحتى العسكريّة ، الأمر الذي سيكون له تأثيره المباشر على القضيّة الفلسطينيّة لارتباطها الغائر في وجدان وعقل الفرد العربي .

هذا التّغيير الذي سيطرأ على القضيّة الفلسطينيّة ،سيهدف إلى ضرب وزعزعة موازين القوى في العالم العربي ، لتُصبح بعدها عين الكيان الصهيونيّ في تسمّر للمشهد الدّراميّ العربيّ أمام هدم وتداعي جهوده الحثيثة في إبقاء ميزان القوّة بيده ،مستغلا تفكّك وانقسام وتخلّف الشّارع العربي ، ورقوده في سبات الغفلة عن واقعيّة القضيّة الفلسطينيّة ، وارتباطها المباشر في حرّية الأمة العربيّة والإسلاميّة .

ومن هنا فإنّه لا بد من الإشارة إلى أن التحدّيات القادمة التي سيواجهها الكيان الصّهيوني والتي يراها من خلال قزحيّته المتهالكة موجة تسونامي عارمة ستمحق وجوده من خلال تأثير حراك الشارع العربي في القضيّة الفلسطينيّة ، ستنعكس على مسار التطبيع الإسرائيلي والتسوية العربيّة والتقليل من أهمية الإتفاقات الموقعة وكذلك ستنعكس على ملف قطاع غزة ، وتفعيلها خيار المقاومة بدل ترهّات المساومة .

ومن خلال هذه التحدّيات التي تمثّلها مسيرات وتحرّكات الشّارع العربيّ في الوضع الإقليمي ، فإنه بات من المحتم أن الكيان الصهيونيّ ومن معه من ساسة الغرب ودُعاة الديمقراطية لن يكونوا من تلك الأحداث فارغي الفاه شاردي الذهن أمام لقطات وسائل الإعلام التراجيديّة ، بل سيسعون إلى الحفاظ على مصالحهم في منطقة الشرق الأوسط عبر التّأثير المباشر أو غير المباشر في مسيرة التحركات العربية من خلال توظيف الإمكانات الهائلة السياسية أو الإقتصادية أو العسكرية أو الإعلامية الهائلة التي يمتلكونها، الأمر الذي سيعطي لها مشهدا متعدد الفصول والسيناريوهات إما بنجاحها الكلّي أو الجزئي أو فشلها المحتم ، أو ربّما حربٍ طائفية تودي للمزيد من الإنقسام والتفتت للجسد الواحد ..

لم يكن للشّارع العربي وأصواته المتعالية أن يرعد مفاصل السّياسة التبعيّة الهرمة وأن يجعلها تجثو أمام مطالبه إلا من خلال عنفوان شبابه المتثمل بمطالبه اللّافئوية أو الحزبية والتي تجاوز حدود المعقول في تنظيمه وصوته الواحد وقدرته على التّغيير بفترة وجيزة إما بإسقاط أنظمة أو تداعي بعضها الآخر ، أو حصوله على تنازلات سياسيّة ورفع سقف الحرّيات لديه وحصوله على خدمات إجتماعيّة ، المُعطيات التي تُشير إلى أنّه لو نجحت تحرّكات الشّارع العربي من أجل التّغيير ، فإن تداعيات كثيرة إيجابية ستؤثر بالقضيّة الفلسطينيّة، جاعلةً كيانا صهيونيًّا أدمن الرٌّقاد أمام حالةِ قلقٍ مضطرب .

إذ أنّ الكيان الصّهيوني لم يكن ليصل إلى هذه الدّرجة من العنجهيّة العمياء ، إلا من خلال تبنّي الأنظمة العربيّة مشروع التّسوية السّلمية واستبعاد المواجهة العسكرية المباشرة للإعتقاد الجازم بعدم القدرة على هزيمة الكيان الصهيوني .

وقد ساهم هذا الإعتقاد الأجوف في الحفاظ على أمن في إسرائيل طيلة عقودٍ من الزمن ،وأجبرت حالة التفكّك والإنقسام التي تعيشها الدول العربيّة تنامي قدرة الكيان الصهيوني في الإستيطان وتهويد القدس وقمع الشعب الفلسطيني وهضم حقوقه بمعدةٍ شرهةٍ دون مبالاة بما يمثّله الرأي العام العربي والموقف السياسي المتخاذل .

وعلى هذا فلو نجح الشارع العربي في مسيراته السّلمية والإصلاحيّة ، واستطاع أن يخلق سياسة تمثل إرادته ورأيه ،فإن الموازين ستختلف ، والحسابات ستُعاد جدولتها، والخُطط ستُنسخ بأخرى جديدة .

وسيكون لهذا التغيير أثره المباشر على القوى الفلسطينيّة وسيدفعها إلى الإتّفاق والإلتفاف حول مصالح الشعب الفلسطيني ، بعيدا عن الفئوية والحزبية التي لا تمثل بدورها سوى المصالح الشخصية ، وسيكون له الأثر الكبير في تحديد أولويّات المشروع الفلسطيني متجرّداً من أي تدخّلات أمريكية أو إسرائيليّة ، تنطلق من قاعدتها الوطنية والقوميّة العربيّة ، ترجح بها كفّةالمقاومة في ظل تبنّ الشارع العربي لها بسياسات تمثّل إرادته ، وتقذف بكفة التسوية والمباردة العربية جانبا ، وكلّ تلك التغيّرات مقترنةٌ بنجاح الشارع العربي أو فشله ، وستكون إمّا على المستوى القريب أو البعيد ..

وأيضا مقترنة بفاعليّة حراك الشّارع العربيّ ، ومدى قدرته على إكمال مسيرته الإصلاحيّة ، فنحن إن لم نكن على يقين بما نمتلكه من قدرةٍ على التغيير ،ووعيٍ كامل حول كيفيّة التغيير والإصلاح ، فسرعان ما سينطبق المثل القائل ،وانقلب السحر على الساحر ، إذ أن الحراك الشعبي في الشارع العربي يمثل رأيًا عامّا ذا وزن ثقيل على سياسات رُسمت منذ عقود ، فحصاد التغيير الذي قطفت ثماره بعض الدول العربية إما بإسقاط أنظمتها أو رفع سقف الحريات لديها ، لن يجعل ذلك القوى العالميّة أو الإقليميّة تقف مكتوفة اليدين ترى تداعي مصالحها وانهيار مخططّاتها في الشّرق الأوسط ، وقد تسعى جاهدة لهيكلة هذا التّحرك الشعبي العربي ليتحوّل إلى صالحها ، من خلال مبدأ(نشر الفوضى الخلاقة) عبر تأجيج الصراعات العرقيّة واستغلال حالة الحراك الشعبي لإشعال فتيل الفتنة الطائفية للوقوع في أتون الفرقة والخلاف ، لنُضحي بعدها أكثر انقيادًا وتبعيّة ، وأكثر اتكاء على ساسة الغرب والقوى الإقليمية.

ومن هنا ولضمان نجاح تحرّك الشّارع العربي والوصول إلى الغايات المنشودة من التغيير الجذري للسياسات التي تتعارض وتطلّعات ومصالح شعوبها من حرّية وديمقراطية ونهضة حضاريّة ، ولكي تكون ذا تأثيرٍ مباشرٍ على القضيّة الفلسطينيّة ، فإنه لا بد من الإبقاء على صِبغة المسيرات بطابعها السلميّ ، بعيدًا عن المطالب الفئوية والحزبية ، والوعيُ الكاملُ لما يُحاك لهذه التحرّكات من خططٍ خبيثة تهدف إلى خلق حالةٍ من الإرباك للشّارع العربي عبر تأجيج الصراع والفتنة الطائفيّة

وكذلك عولمة القضية الفلسطينية بهويّتها القوميّة والإسلامية على تحرّكات الشارع العربي وجعلها القضيّة الأولى والأهم ، وإعادة صياغتها وفق أجندة وطنيّة شاملة .


تمّ بحمد الله .





صورة العضو الشخصية
.فــارس.
عضو نشيط
عضو نشيط
مشاركات: 2295
اشترك في: الأربعاء يوليو 08, 2009 3:24 am

الدّولة المدنية والدولة الدينية

مشاركةبواسطة .فــارس. » الأربعاء أغسطس 24, 2011 3:30 pm

5-الدولة المدنيّة والدولة الدينيّة

صورة

في ظلّ ربيع الثورات العربيّة التي نعيشها ، وفي ظل خِضَمّ الموجة الشعبية العاتية التي اكتسحت مختلف الاقطار والأمصار من عالمنا العربي ، أدّت إلى قلب بعض أنظمة الحكم وتداعي بعضها الآخر ، خرجت لنا على السّاحة الفكريّة السياسيّة مصطلحات ومسمّيات عدة ، بعضها كان للتهويل من قلب أنظمة الحكم ، وبعضها الآخر كان مطلبا بديلا عقب زوال أنظمة الحكم ..

الدولة المدنيّة والدولة الدينيّة ، لطالما كانتا مثار الجدل بين العقل السياسي والعقل الدّيني ، ولطالما اختلفت حول مفهومها وجهات النظر ، وتعددت حول معانيهما الآراء ، ولطالما كانت التيارات السياسيّة المتعددة الفكر والمنهج في اختلاف حول إسقاط أيّ منهما على أرض الواقع .

فبالرغم من أن لفظ كلا المصطلحين عربيّ اللغة ، إلا أن نشأتهما وما تحملانه من مدلولٍ في طيّاتهما هو ما جعل مثار الجدل دائرًا إلى الآن بين النخب السياسية والتيّارات الفكرية المتعددة .

وبما أن بعض الأنظمة العربية قد هوّلت شعبها وأرعبت غربها من قيام دولة دينيّة عقب سقوطها ، وبما أن الدولة المدنيّة كانت من ضمن المطالب التي رفعتها الشعوب العربية في ثوراتها ، كان لا بد من معرفة معنى المصطلحين ومدلولهما، وهل مطالب الثورات العربية في إحلال الدولة المدنيّة يتفق وفق الفكرة الإسلامية ورؤيتهافي مفهوم الدولة ، أم يختلف معها ..

الدولة الدينيّة :-

اللفظ بظاهره في اللغة العربية ،يدل على الدولة ذات المرجعية الدينيّة ، إلا أن مدلوله يمتد للقرون الوسطى حيث كانت أوروبا تعيش في غياهب ظلام الجهل والتخلّف جراء تسلّط حكم الكنيسة الكهنوتي 1 والباباوات ،و كانت تلك الدولة تسمى (الدولة الثيوقراطيّة) ،حيث تقوم على الحكم بالحق الإلهي المطلق ، يزعم الحاكم فيها أنه يحكم نيابة عن الله وأنه مفوّض منه ، وأن قداسته هي من قداسة الله -تعالى- .

أدّى هذا الإستبداد من الكنيسة وباباواتها إلى الثورة على نظام الحكم وعزل الكنيسة داخل جدرانها ، ونشأ الفكر العلماني في ذاك العصر حيث سمي عصر التّنوير ، ونتج عنه الدولة العلمانيّة التي تقوم على أساس فصل الدين عن الدولة ، وترتكز على ثلاثة مبادئ حسب المفهوم الغربي وهي :

2-secularism-4 nationalism-3 democracy


من خلال معرفة مدلول الدولة الدينيّة ، فإننا نرى أن بعض الأنظمة العربية قد استخدمت مدلوله لا لفظه لإخافة الناس من الحركة الإسلامية والمشروع الإسلامي ، فهو نموذج لدولة لم يعرفه التاريخ ولا التراث الإسلامي ، وكان الهدف منه هو خلق إسلاموفوبيا جديدة في عالمنا العربي من المشروع الإسلامي عبر محاصرته بمعان سلبية كقيام الدولة الدينية الثيوقراطية.

وإذاكان التّاريخ والتّراث الإسلاميّ لم يعرف الدولة الدينية بمفهومها الثيوقراطي ، فهل عرف الدولة المدنية ..

الدولة المدنية:-

إن أردنا الإختلاف حول مفهومها فما علينا سوى إسقاط مدلولها لا لفظها على أرض الواقع ، حيث ستبقى مثار الجدل بين النخب الفكريّة والتيّارات السياسيّة ، ولن نصل إلى حقيقة المطالب التي تطالب بها ثوراتنا العربية من تحقيق دولة مدنيّة ، إذ أن مصطلح الدولة المدنية مصطلح غربيّ النشأة كما يراه بعض المفكرين والمثقفين ، وهو ما يرفض البعض إسقاطه بمدلوله والمطالبة به على أرض الواقع .

لكن لو قلنا أن الدولة المدنية ولفظها تعني ، عدم قداسة الحاكم وبشريّته ، وأنّ الشعب هو مصدر السلطات لا مصدر التشريع ،وأنها تقوم على أساس حرية إبداء الرأي (الديمقراطية) واستقلال السلطات 5 والتمثيل النيابي وحق المواطنة 6، وإذا قمنا بإسقاط مفهومها وفق الرؤية الإسلامية لقيام الدولة وأركانها ، فسنرى أن مفهوم الدولة في الفكر الإسلامي هو الدولة المدنية .

حيث أن الدولة الإسلامية ومفهومها ، هي دولة مدنيّة ذات مرجعيّة إسلاميّة ، فالإسلام قد أقرّ جميع أركان الدولة المدنية الحديثة ، من ديمقراطية تتمثل في الشورى وابداءالرأي (أهل الحلّ والعقد)، وحق مواطنةٍ وسلطةٍ مصدرهاالشعب وكذا حقّ التّمثيل النّيابي ، وكان النّظام الإسلامي والشرع الإلهى هو الذي يمثل حلقات الوصل بين أركان الدولة المدنية جميعها ، إذ يحفظ أركانها ونظامها وحق شعوبها من تحوّلها إلى دول وأنظمة ذات مسميات لم يعرفها التاريخ ولا التّراث الإسلامي ، من علمانية ودينيّة ثيوقراطية وما إلى ذلك .

ومن هنا فإنه بات على النّخب العلمانية وتيّارتها وكذا الأنظمة العربيّة ، ألاّ تهوّل من الحركة الإسلاميّة وفكرتها بحجة تحوّل الدولة إلى دينية أو ثيوقراطية ، تُرعب الغرب من مدلولها ، وتغذّي الإسلاموفوبيا في عقول شعوبها ، وبات للشعوب أن تعرف حقّا ، أن المطالبات بتحقيق الدولة المدنيّة ، لا تعني المطالبة بالدولة العلمانيّة ، ما دُمنا ندرك حقيقة معنى الدولة المدنيّة التي لا تخالف في مدلولها الرؤية الإسلامية ..




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-الكهنوت

سلطة عليا تابعة للكنيسة الكاثوليكية ممثلة بالأساقفة والكهنة.

democracy-2

حكم الشعب الذي يعرف بالديمقراطية .

nationalism-3
القومية أو الوطنية.

secularism-4
العلمانية والّلا دينية.

5-استقلال السلطات
كاستقلال القضاء عن السياسة وحيادته .

6-حق المواطنة
ضمان حرية وحقوق جميع المواطنين ضمن الوطن الواحد .


صورة العضو الشخصية
.فــارس.
عضو نشيط
عضو نشيط
مشاركات: 2295
اشترك في: الأربعاء يوليو 08, 2009 3:24 am

ISLAMOPHOBIA

مشاركةبواسطة .فــارس. » السبت أغسطس 27, 2011 5:31 pm

6-إسلاموفوبيا ISLAMOPHOBIA

صورة


إسلاموفوبيا ، أو إسلام فوبيا ،انطقها كيفما أردت ،أو اجعل نظراتك تتسمّر على تبرّجها الإنكليزي

~ISLAMOPHOBIA~

لا تتعجب بعدها من وقعها على مسمعك !!

فاللفظة تلك حقيقة سائدة ..
صورة

من الغريب حقا أن يتحول الإسلام ، إلى فوبيا مرهبة ، ومن الغريب أيضا أن تمارس التفرقة العنصرية بحق أتباعه ، وأن يكون التحيز ضدهم سمة واضحة في مجتمعات لا تنفك تتغنى بالحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية بسبب ما يسمى بالإسلاموفوبيا ..

الخوف من الإسلام ، أو الإسلاموفوبيا كما هو المصطلح المعروف ، مصطلح لا يحضّ إلا على الكراهية ، وعلى نبذ المسلم بكافة أشكاله ، وكذلك التفرقة العنصرية ، وللأسف فهي فوبيا قد وجدت أجسادا مضيفة ، حتى ممن هم يعيشون في بلاد لطالما كانت تسميتها إسلامية ..

لو عدنا لأصل ذاك المصطلح ، ولو بحثنا عميقا في نشأته، سنرى تعدد الروايات ، وسنرى أن هناك من يقول أنها نشأت قبل ما يقارب العقود الثلاثة ، وازدادت انتشارا في عقدنا الحالي .

ومنهم من يقول أنه مصطلح قديم يمتد من حرب صلاح الدين الأيوبي، أو حتى منذ ظهور فجر الإسلام واتساع رقعته بفتوحاته ..

هو رُهاب عضال يصيب العقول ، وخوف من الإسلام يكاد يكون منفِّرا ، ولو عدنا للمسببات المزعومة ، سنرى أن ما يُسمى بالإرهاب والتطرف ، والرجعية والتخلّف ، هي السبب في تأجيج ناره وانتشار لهيبه ..

لكن الأمر يحتاج إلى التدقيق أكثر ، والبحث أكثر في أصل ذاك المصطلح ، لنرى حقا هل أن ما نعتنقه هو مجرد فوبيا مرعبة، أم أن الغرب هو من أوجد تلك الفوبيا ، وبات يضرم النار لتتقد أكثر ، وتتأجج أكثر في عقول العامة .

صورة

نأتي للحقيقة لنرى أن إخفاق الغرب المنقوش في التاريخ على حصون القدس في حربه ضد صلاح الدين ، هو ما جعل الغرب في تلك االحقبة يكرس في عقول الأجيال الناشئة فوبيا الإسلام ، على أن أتباعه وقادته همجيون إرهابيون، لا يعرفون إلا إراقة الدماء وتمزيق الأشلاء، ما جعل ذاك المصطلح يصدح به الغرب ليتردد صداه إلى هذا الوقت .

ذاك الأمر هو الذي أدى إلى نشوء ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب ، ومن مظاهره كما نراه اليوم، منع من ارتداء الحجاب ، ومنع بناء المآذن ، وكذلك منع الكثير من التأشيرات للعرب والمسلمين إلى الخارج ،وكذلك الرسوم المسيئة وما إلى ذلك ، الأمر الذي أسعد الساسة الغربيين لكونه يحول دون انتشار مظاهر الإسلام في مجتماعتهم وبلادهم ..

صورة

لكن الأمر لم ينته عند هذه النقطة ، فلا زال الغرب يرمي مليار ونصف المليار بسهام التطرف والإرهاب ، ليجعل منا خلايا إسلاموفوبية لا تنشر إلا الخوف والرعب والدمار ، و لا بد له من مد يد المساعدة ليكوينا بنار عدله وديمقراطيته وانفتاحه بحجة أنه يريد معالجتنا من دائنا المسمى إسلاموفوبيا .

كانت معاجلته لها عبر احتلاله أفغانستان ، ومن ثم احتلاله العراق ، ودعمه اللامتناه في حماية إسرائيل ، وخططه الجديدة تحت مسميات شرق أوسط جديد خال من الإرهاب ، وترسيخ ديمقراطية الشعوب ، واستئصال الأنظمة المستبدة الإرهابية ، كل ذلك عبر أدوات جراحية مهلكة ، صواريخ عابرة ، دبابات مزنجرة ، وطائرات قاذفة , ومعتقلات كأبو غريب وغواناتنامو وغيرهما من معتقلات سرية وبشعة .

صراحة لو أردنا أن نرى أين هي الفوبيا العصرية ، سنرى أن الشعوب العربية والإسلامية ، هي من تعاني من الفوبيا الغربية ، ولو قال البعض أن تصرفات بعض المسلمين اللامحسوبة هي من ساهمت في ازدياد الإسلاموفوبيا ، فيجب أن يرى أولا تصرفات الغرب المحسوبة وما عاناه المسلمون من قسوته ، من مذابح البلقان كالبوسنة والهرسك ، وكذلك في كوسوفا وسراييفو وكرواتيا ، إلى احتلال العراق ومن قبله أفغانستان ، ومباركته الدب الروسي في تمزيقه للشيشان ، ودعمه اللامتناهي لإسرائيل ، ودوره الخفي أيضا في تقسيم السودان .

ألا يجب على الغرب أن يعي تلك المقولة جيدا ، أن لكل فعل ردة فعل ، وبدل أن يعالج الفوبية الإسلامية ، لا بد له من لجم شهوته في حب النفوذ وبسط السيطرة الإستعمارية .

الإسلاموفوبيا ، ما هي إلا فعلة من الغرب يثأر بها من إخفاقات الماضي ، لتتحول شيئا فشيئا إلى سلوك عدواني يثأر بها من لفظ المسلم أينما وجد في ضربات وقائية ، إما بحروب عسكرية أو اقتصادية أو إعلامية ، ما تخفيه خلاف ما تظهره ، فباطنها إيديولوجي محض ، وظاهرها تلبية لمصالح متعددة ..

*********************
تلك هي الإسلاموفوبيا لو سمعتها في أحد الأيام ، فتذكر جيدا أن تلك الكلمة ، ما تخفيه هي خلاف ما تظهره !!


العودة إلى “قاعة النقاش الحر”



الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر

المتواجدون حاليا

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر