ذكرى تأسيس الجمهورية العربية المتحدة

عيد الوحدة السورية المصرية.. تعريفها.. أسبابها.. انتهائها
الكاتب:منارة دمشق
تاريخ النشر: 25/03/2017
آخر تحديث: 03/08/2017

شكلت الوحدة السورية - المصرية أول محاولة وحدوية بعد استقلال الدول العربية في القرن العشرين، حيث استمرت منذ إعلانها رسمياً تحت عنوان (الجمهورية العربية المتحدة) في الثاني والعشرين من شهر شباط/ فبراير عام 1958، واستمرت حتى الثامن والعشرين من شهر أيلول/ سبتمبر عام 1961.

ظهرت الدول العربية بشكلها الحالي كنتيجة للتقسيم الذي فرضته الدول الأوروبية خلال الحرب العالمية الأولى، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الدول العربية تحصل على استقلالها تباعاً، من بين هذه الدول كانت سورية التي احتفلت بجلاء آخر جندي فرنسي عن أراضيها في السابع عشر من شهر نيسان/ أبريل عام 1946، كما احتفلت مصر بجلاء القوات البريطانية عن أراضيها في الثامن عشر من شهر حزيران/ يونيو عام 1956.

وما بين تحرر البلدين من الاستعمار ظهرت إسرائيل ككيان في الخامس عشر من شهر أيار/ مايو عام 1948، وما بين استقلال سورية ومصر ووحدة البلدين في دولة واحدة  "الجمهورية العربية المتحدة" سنوات قليلة لكنها مهمة، فكيف كانت أوضاع البلدين قبيل الوحدة؟ وما هي الأسباب التي دفعت البلدين للتوحد تحت قيادة واحدة؟ كيف كانت ردود الفعل على الوحدة السورية - المصرية؟ بماذا تميزت فترة الوحدة؟ وكيف حصل الانفصال؟ كل هذا سنجيب عنه في المقالة.

1

قبيل الجمهورية العربية المتحدة

خرج آخر جندي فرنسي من سورية في السابع عشر من شهر نيسان/ أبريل عام 1946، عندها رفع رئيس الجمهورية العربية السورية شكري القوتلي علم الاستقلال قائلاً: "لن يرفع فوق هذا العلم بعد هذا اليوم إلا علم الوحدة العربية"، وفق ما ورد في كتاب (أربعون عاماً على الوحدة السورية المصرية) الذي ألفه عدد من المؤلفين المصريين، وبعد مرور عامين وتحديداً في الخامس عشر من شهر أيار/ مايو عام 1948 أُعلن قيام إسرائيل وبدأت حرب فلسطين (نكبة فلسطين)، حيث شاركت فيها قوات سورية، وفي شهر تموز/يوليو عام 1949 وقعت اتفاقية هدنة مع إسرائيل.

بدأت مرحلة الانقلابات العسكرية في سورية، حيث حصل الانقلاب الأول على الرئيس شكري القوتلي في الثلاثين من شهر آذار/ مارس عام 1949 نفّذه حسني الزعيم، الذي لم يدم حكمه سوى لأشهر قليلة، حيث أطاح به سامي الحناوي في انقلاب عسكري ثانٍ في الرابع عشر من شهر آب/ أغسطس عام 1949، أما الانقلاب الثالث فقد حصل في شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 1949حيث قاده العقيد أديب الشيشكلي الذي استمر في الحكم حتى شهر شباط/ فبراير  1954.

ثم استقال من رئاسة الجمهورية وغادر البلاد بعد اندلاع مظاهرات ضده، فاستلم رئاسة الجمهورية مأمون الكزبري في السادس والعشرين من شهر شباط/ فبراير عام 1954، وفي الثامن والعشرين من شهر شباط/ فبراير عام 1954 أصبح هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، فعاشت سوريا بعد ذلك في ظل الحكم الديمقراطي حتى اندماجها مع مصر في الجمهورية العربية المتحدة في الثاني والعشرين من شهر شباط/ فبراير عام 1958، ونذكر أنه خلال العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 أعلنت سورية حالة الطوارئ، فحشدت قواتها على الحدود تحسباً من غزو إسرائيلي محتمل، كما شهد شهر تشرين الثاني/ نوفمبر تدمير خطوط الأنابيب النفطية العراقية المارة ضمن الأراضي السورية رداً على دخول العراق في حلف بغداد، وفي ذات الشهر وقعت سوريا اتفاقية مع الاتحاد السوفيتي حصلت بموجبها على الطائرات والدبابات والمعدات العسكرية من الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي أشعر تركيا بالخطر لاسيما بعد تعيين عفيف البزري برئاسة الأركان السورية (والذي تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية موالي للاتحاد السوفيتي) فقامت بإخطار تركيا لحشد قواتها على الحدود مع سوريا في عام 1957.

فقام الرئيس السوري شكري القوتلي بزيارة مصر والتشاور مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر حول التهديدات الأمريكية التركية لسوريا، حيث صدر في أعقاب اللقاء بيان مشترك يندد بالمؤامرة الأمريكية على سوريا، وأعلن الرئيس المصري جمال عبد الناصر وقوف مصر إلى جانب سوريا، معتبراً أن أي هجوم على سوريا هو هجوم على مصر، وأرسل عبد الناصر قوات إلى سورية للوقوف إلى جانب القوات السورية في وجه التهديد الأمريكي - التركي، فانسحبت القوات التركية من الحدود في عام 1958، الأمر الذي زاد من عوامل التقارب السوري المصري في تلك الفترة والذي مهد للوحدة بين البلدين، ذلك وفق ما ورد في كتاب (أربعون عاماً على الوحدة السورية المصرية).

مصر قبيل الجمهورية العربية المتحدة

شكلت ثورة الثالث والعشرين من شهر تموز/ يوليو عام 1952 في مصر على الملك الفاروق، ونجاحها في إلغاء النظام الملكي وإعلان النظام الجمهوري، مرحلةً جديدة لمصر التي كانت تتمتع باستقلال سياسي في ظل احتلال بريطاني، حيث قام جمال عبد الناصر بمطالبة الحكومة البريطانية بالانسحاب من مصر، وهو ما تحقق من خلال توقيع الاتفاقية الإنكليزية – المصرية في التاسع عشر من شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1953، التي تنص على انسحاب جميع القوات البريطانية من مصر، حيث انسحب آخر جندي بريطاني من مصر في الثامن من شهر حزيران/ يونيو عام 1956.

وفي العشرين من تموز/ يوليو عام 1956 قام وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس بسحب العرض الأمريكي لتمويل السد العالي، فرد الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس بعد خمسة أيام أي في الخامس والعشرين من شهر تموز/يوليو عام 1956، الأمر الذي على إثره قامت كل من (إسرائيل، فرنسا، بريطانيا)؛ بعدوان ثلاثي على مصر في التاسع والعشرين من شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1956، وانتهى العدوان بانسحاب القوات البريطانية والفرنسية من مصر في أواخر عام 1956 وانسحاب القوات الإسرائيلية في أوائل عام 1957، الأمر الذي اعتبر نصراً لجمال عبد الناصر الذي زادت شعبيته في العالم العربي باعتباره بطلاً قومياً، كما زادت مكانة مصر بين شقيقاتها الدول العربية.

2

تعريف الجمهورية العربية المتحدة وأسباب قيامها

الجمهورية العربية المتحدة هي اتحاد سياسي قام بين سورية ومصر في الأول من شهر شباط/ فبراير عام 1958، وأُعلن رسمياً في الثاني والعشرين من شهر شباط/ فبراير عام 1958، وبموجب هذا الاتحاد أصبحت سوريا تمثل الجناح الشمالي للجمهورية العربية المتحدة في حين تمثل مصر الجناح الغربي للجمهورية العربية المتحدة، عاصمة الدولة هي القاهرة، ورئيسها جمال عبد الناصر، كما ألغيت الجنسيتان السورية والمصرية، ووضعت جنسية جديدة باسم الجمهورية العربية المتحدة، وفي الأمم المتحدة حلت الجمهورية العربية المتحدة مكان سورية ومصر كعضو في المنظمة الدولية.

أسباب قيام الجمهورية العربية المتحدة

هناك أسباب عديدة وقفت خلف قيام الجمهورية العربية المتحدة، منها:

  1. العروبة، حيث كانت مشاعر القومية العربية التي سادت بعد استقلال الدول العربية، فما يجمع الدول العربية أكثر مما يفرقها، فقد كان يجمعها (اللغة، الدين، الثقافة، التاريخ، العادات والتقاليد) ويفرقها (حدود سياسية رسمها الاستعمار الأوروبي الذي احتل المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى).
  2. فكرة الوحدة كانت سورية بامتياز، حيث أيد الوحدة كل من حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية الذي تأسس في السابع من شهر نيسان /أبريل عام 1947، حيث جعل شعاره (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) وحدد أهدافه التي يسعى إلى تحقيقها وهي: (الوحدة، الحرية، الاشتراكية)، كما أيدها الحزب الناصري في مصر، فأصبحت سوريا دولة ديمقراطية في عام 1954، حيث دعم الشعب في سوريا ومصر لدولة عربية شاملة، بالتالي أبدت الأحزاب السياسية كالحزب الشيوعي السوري والإخوان المسلمين تأييدها للوحدة باعتبارها تعني تمددهم خارج الحدود السورية، كما أيّد التجار في سوريا الوحدة على اعتبار أنها ستوسع نفوذ تجارتهم إلى سوق استهلاكية جديدة هي مصر، وفق ما ورد في كتاب (أربعون عاماً على الوحدة السورية المصرية).
  3. الخوف من النفوذ الشيوعي، حيث شعر القادة السياسيون والاقتصاديون بالقلق من ازدياد نفوذ الحزب الشيوعي السوري، ومن أن تصبح سورية شيوعية، لذلك كانت الوحدة خياراً مرغوباً كوسيلة للتخلص من النفوذ الشيوعي، وفق ما كتبه المفكر العربي محمد حسنين هيكل في مذكراته.
3

التحضير لقيام الجمهورية العربية المتحدة وشروط عبد الناصر

زار مجموعة من القادة السياسيين والعسكريين السوريين (عددهم أحد عشر شخصاً) مصر، وكان على رأسهم رئيس الجمهورية شكري القوتلي، ورئيس الوزراء خالد العظم، وذلك في الحادي والثلاثين من شهر كانون الثاني/ يناير عام 1958، واقترحوا على رئيس مصر جمال عبد الناصر الوحدة بين الدولتين، فتردد جمال عبد الناصر خشية المشاكل والصعوبات التي قد يواجهها لدمج المؤسسات لبلدين مختلفين في النظام الاقتصادي، إضافةً لصعوبة دمج وتوحيد المؤسسات المدنية والعسكرية لدى الدولتين في دولة واحدة.

وافق الرئيس المصري على الدعوة السورية للاتحاد، لكن الرئيس المصري جمال عبد الناصر اقترح أن يكون الاتحاد فدرالياً (لكل دولة دستورها وحكومتها، ويجمع الدولتان حكومة مركزية، الجيش، العلاقات الخارجية) وليس وحدة الاندماجية (أي توحيد المؤسسات في الدولتين وأن يكون لها نظام واحد ومؤسسات واحدة)، حيث كان حزب البعث العربي الاشتراكي، قد اعتمد النظام الأول (الاتحاد الفدرالي) ومن ثم ألغاه الرئيس جمال عبد الناصر في عام 1961 لصالح الوحدة الاندماجية.

شروط جمال عبد الناصر لقيام الجمهورية العربية المتحدة

وضع الرئيس المصري جمال عبد الناصر شروطاً لقيام الجمهورية العربية المتحدة، وهذه الشروط التي اعتبرها عبد الناصر حاسمة وغير قابلة للتفاوض، هي:

  • إجراء استفتاء لأخذ رأي السكان في سوريا ومصر حول الوحدة.
  • حل الأحزاب السياسية في البلدين.
  • انسحاب الجيش من الحياة السياسية.

وافق القادة السوريون على شروط عبد الناصر لإنشاء الجمهورية العربية المتحدة، وفي الأول من شهر شباط/ فبراير وقع الرئيس السوري شكري القوتلي ونظيره المصري جمال عبد الناصر بروتوكولات الاتحاد وتأسيس الجمهورية العربية المتحدة، وأصبح جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة، ثم أجري استفتاء في كل من سورية ومصر حول الوحدة؛ جاءت النتائج بموافقة الأغلبية في البلدين على الوحدة، التي أُعلنت رسمياً في الثاني والعشرين من شهر شباط/ فبراير عام 1958.

4

سياسة رئيس الجمهورية العربية المتحدة في شطريها الشمالي والجنوبي

أنشأ رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر دستوراً مؤقتاً جديداً، تضمن تأسيس الجمعية الوطنية (برلمان الجمهورية العربية المتحدة) مكوناً من ستمائة عضو، أربعمائة يمثلون مصر ومائتين يمثلون سوريا، كما تضمن الدستور حل جميع الأحزاب السياسية، بما فيها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي أيّد الوحدة، واعتمد الدستور في عام 1958.

تركز الحكم في الجمهورية العربية المتحدة بأيدي المصريين حتى في سورية، ففي الهيئة العامة للبترول السورية عيّن عبد الناصر أربعة مصريين من أصل ستة لقيادة هذه الهيئة وتسيير أمورها، كما أن الجيش السوري وضع تحت قيادة ضباط مصريين؛ الأمر الذي أثار استياء الضباط السوريين، كما قام رئيس الجمهورية العربية المتحدة في شهر تموز/يوليو عام 1961  أي قبل شهرين من الانفصال بما يلي:

  1. تأميم كل من (البنوك، شركات التأمين، جميع الصناعات الثقيلة).
  2. احتكر تجارة القطن.
  3. خفّض الحد الأقصى للملكية الفردية من مائتي فدان إلى مئة فدان.
  4. تم تخفيض أسعار الفائدة على المزارعين.
  5. فرض ضريبة وصلت إلى تسعين في المائة على الأثرياء.
  6. سمح للعمال والموظفين باختيار ممثلين عنهم في مجالس الإدارة.
  7. أعطى العمال والموظفين الحق في الحصول على حصة قدرها خمسة وعشرين في المائة من أرباح شركاتهم.
  8. خفّض ساعات العمل من ثماني ساعات إلى سبع ساعات، من دون تخفيض الأجر.

كما رفض المثقفون في حزب البعث العربي الاشتراكي سياسات جمال عبد الناصر في سوريا، في حين كان الوضع في مصر يتحسن بعد قيام الوحدة حيث زاد الناتج المحلي الإجمالي.

علم الجمهورية العربية المتحدة

صورة لعلم الجمهورية العربية المتحدة

اعتمدت الجمهورية العربية المتحدة العلم المصري مع إضافة نجمتين لتمثل شطري الجمهورية العربية المتحدة، ثم أصبح هذا العلم منذ عام 1980 هو العلم الرسمي للجمهورية العربية السورية.

5

ردود الفعل على قيام الجمهورية العربية المتحدة

لم تحظَ الجمهورية العربية المتحدة بتشجيع من الدول الأخرى، بل على العكس تعاملوا معها كخطر وجودي يجب مواجهته حيث تفاوتت المواقف كما يلي:

الاتحاد الهاشمي مقابل الجمهورية العربية المتحدة

بعد توقيع بروتوكول الوحدة بين مصر وسورية في الأول من شهر شباط/ فبراير عام 1958 ردّ الملك الأردني الملك حسين باقتراح الوحدة على العراق تحت مسمى (الاتحاد الهاشمي)، وذلك في الرابع عشر من شهر شباط/فبراير عام 1958 على أن يتم تشكيل قيادة عسكرية مشتركة (ثمانين بالمائة من العراق وعشرين بالمائة من الأردن)، لم يدم الاتحاد لأكثر من خمسة أشهر، حيث قام ضباط عراقيون بانقلاب عسكري وأطاحوا بالملَكية، وأنهوا الاتحاد الهاشمي معلنين النظام الجمهوري، فاعترف رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر بالحكومة الجديدة في العراق، واعتبر أن أي اعتداء على العراق هو اعتداء على الجمهورية العربية المتحدة، في المقابل دعمت الحكومة العراقية الجديدة الجمهورية العربية المتحدة، لكنها لم تبدي رغبتها في الانضمام للجمهورية العربية المتحدة.

لبنان خشي المدّ الوحدوي

خشي الرئيس اللبناني كميل شمعون ومعه المسيحيون في لبنان في أن يمتد المد الوحدوي إلى لبنان، بالتالي تنضم لبنان للجمهورية العربية المتحدة التي كان يؤيدها المسلمون في لبنان، فكان سبب اندلاع حرب أهلية في لبنان في شهر أيار/ مايو عام 1958، (وهي مختلفة عن الحرب الأهلية التي حصلت في عام 1975 وسنتناول هذه الحرب بالتفصيل في مقال مستقل) فقام رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر بدعم المسلمين بالأموال والعتاد، في المقابل قامت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بإنزال قواتهما في لبنان والأردن لمنع المد الوحدوي من التمدد إلى هذين البلدين، ذلك في الخامس عشر من شهر تموز/يوليو عام 1958.

استمرت الحرب الأهلية في لبنان حتى أقنعت الولايات المتحدة الأمريكية كميل شمعون بعدم الترشح لولاية ثانية، وانتخب فؤاد شهاب رئيساً للبنان الجديد عام 1958 حيث التقى جمال عبد الناصر بنظيره اللبناني فؤاد شهاب على الحدود اللبنانية السورية، واتفق الطرفان على ألا تنضم لبنان للجمهورية العربية المتحدة، في المقابل لا تكون لبنان منطلقاً لأي عمل عدائي ضد الجمهورية العربية المتحدة، بعد ذلك أوقف جمال عبد الناصر دعم المسلمين في لبنان، وانسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من لبنان، وبذلك تكون انتهت الحرب الأهلية اللبنانية.

6

انفصال سوريا عن مصر قضى على الجمهورية العربية المتحدة

لم تكن الجمهورية العربية المتحدة مثالية فقد حملت في طياتها أسباب انتهائها، فبدلاً من أن تكون هذه الدولة دمج لشعبين عربيين في إطار واحد، ما حصل هو العكس حيث أصبحت سوريا تابعة لمصر، من خلال ما يلي:

  • تراجع وتيرة الحياة السياسية في سوريا، بعد قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة حلّ الأحزاب السياسية، ما جعل الأحزاب والسياسيين يشعرون بالغربة في ظل الدولة الجديدة.
  • السياسة القمعية التي اتبعها عبد الحميد السراج تجاه المعارضين بعد تعيينه رئيساً للمجلس التنفيذي (مجلس بمثابة حكومة تسير المؤسسات في الجناح الشمالي للجمهورية العربية المتحدة-سوريا) في ربيع عام 1960.
  • إلغاء نظام الحكومات الإقليمية في شهر آب/أغسطس عام 1961، لصالح الحكومة المركزية التي تعمل في دمشق منذ شهر شباط/ فبراير حتى شهر أيار/ مايو، وفي القاهرة بقية العام (من شهر حزيران/ يونيو حتى شهر كانون الثاني/ يناير) أضعف سوريا.
  • نقل الشخصيات القيادية (حافظ الأسد، مصطفى طلاس) لاسيما في الجيش إلى القاهرة، واختيار شخصيات مصرية لحكم سوريا (عبد الحكيم عامر).
  • فرض سياسات مصر الاشتراكية على سوريا جعل تجار سوريا معزولين، بالتالي لم يستطيعوا الوصول إلى الأسواق المصرية، فواجهوا صعوبة في العمل في سوريا مثل: عدم ترويج السلع في سوريا نتيجة ارتفاع أسعارها مقارنة بأسعار البضائع المصرية.
  • تأميم الأراضي في سوريا؛ جعل أصحاب الأراضي الكبيرة (الإقطاعيين) أعداءً للوحدة.

كل ذلك خلق رد فعل عنيف من قبل رجال الأعمال والجيش في سوريا، مما أدى إلى حدوث انقلاب أُعلن فيه انفصال سوريا عن مصر؛ بالتالي انتهاء الجمهورية العربية المتحدة في الثامن والعشرين من شهر أيلول/ سبتمبر عام 1961، فعلى الرغم من أن قادة الانقلاب كانوا على استعداد لإعادة التفاوض لتحقيق اتحاد وفق الشروط التي شعروا بأنها سوف تضع سوريا على قدم المساواة مع مصر، فقد رفض جمال عبد الناصر مثل هذا الحل الوسط، فانتهت الوحدة.

وبعد شهرين من الانفصال نقل المفكر العربي محمد حسنين هيكل عن الرئيس المصري جمال عبد الناصر قوله: "لقد ثبت أن الوحدة ممكنة، والآن يظهر وغداً سوف يظهر أكثر أن الانفصال صعب، الآن فإن التركيز يجب أن يكون في مصر التي يجب أن تكون نواة للوحدة العربية"، ذلك وفق ما أورده كتاب (أربعون عاماً على الوحدة السورية المصرية)، وبقيت مصر تحتفل بذكرى الوحدة مع سورية في الثاني والعشرين من شهر شباط/ فبراير حتى عام 1967، حيث توقفت عن الاحتفال به نتيجة العدوان الإسرائيلي على الدول العربية (نكسة حزيران/ يونيو في عام 1967).

سورية ومصر بعد الانفصال

بعد انفصال سوريا عن مصر في الثامن والعشرين من شهر أيلول/ سبتمبر عام 1961 تراجع النظام الجديد في سوريا عن الإجراءات الاشتراكية التي نفّذها جمال عبد الناصر أثناء الوحدة (مثل الإصلاح الزراعي، تأميم المؤسسات التجارية الكبيرة)، الأمر الذي دفع حزب البعث للانقلاب على النظام الجديد فيما عُرف لاحقاً بثورة الثامن من آذار، التي حصلت في الثامن من شهر آذار / مارس عام 1963، حيث أرسل قادة الثورة إلى الرئيس جمال عبد الناصر رسالة مفادها:

"لقد ثأرنا للانفصال، ومحونا عاره" وفق ما أورده كتاب (أربعون عاماً على الوحدة السورية المصرية)، وطرحوا فكرة الوحدة المدروسة لتكون دولة تضم ثلاث دول (سوريا، مصر، العراق) لكن هذا المشروع فشل نتيجة غياب الثقة بين القادة السوريين والمصريين والعراقيين، وفي عام 1966 وقفت مصر إلى جانب سوريا أثناء الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية قبيل أشهر من قيام إسرائيل بعدوانها على مصر وسوريا والأردن في الخامس من حزيران/يونيو عام 1967؛ مما أدى لاحتلال إسرائيل الجولان السوري، وشبه جزيرة سيناء المصرية، إضافةً إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، الأمر الذي دفع مصر وسورية للتعاون من جديد في حرب تشرين التحريرية، التي اندلعت في السادس من شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1973 بهدف استعادة الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل في عدوان السادس من حزيران/يونيو عام 1967، وأسفرت حرب أكتوبر عن استعادة جزء من الجولان السوري المحتل وكامل شبه جزيرة سيناء المصرية.

في الختام.. شكلت الجمهورية العربية المتحدة تجربة فريدة ووحيدة دخلت حيز التنفيذ في التاريخ العربي، فاستمرت هذه الدولة لمدة ثلاث سنوات وسبعة أشهر، أعطت الأمل للشعوب العربية بإمكانية تجاوز التقسيم السياسي الذي فرض عليها من الاستعمار الغربي (الفرنسي، البريطاني)، لكن يبدو أن تخوف الرئيس جمال عبد الناصر من الوحدة كان في مكانه، حيث كِلا البلدين مختلفين عن بعضهما البعض في المؤسسات والنظام الاقتصادي؛ فأصبح كل قرار يتخذه الرئيس عبد الناصر يجلب للدولة الجديدة العداوات، وصولاً إلى الجيش السوري الذي أعلن عدد من ضباطه الانفصال في الثامن والعشرين من شهر أيلول/ سبتمبر عام 1961، ومع ذلك بقيت العلاقات السورية المصرية مميزة لاسيما عندما تعاونتا معاً في حرب تشرين التحريرية، فالخلاف على الوحدة لم ينعكس على عمق العلاقات المصرية السورية.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر