الإدمان على المخدرات

مشكلة الإدمان على المخدرات والعقاقير، الأسباب والنتائج وكيفية الحد منها
الكاتب:علي حسن
تاريخ النشر: 08/05/2017
آخر تحديث: 15/10/2017
صورة لبعض أنواع المخدرات

يعتبر الإدمان على المخدرات مرضاً خطيراً للغاية -سواء اجتماعياً أو حتى جسدياً- وعلى الرغم من اعتباره مشكلة اجتماعية من قبل العديدين فتأثيره الأول يكون على المدمنين نفسهم والذين غالباً يدخلون عالم الإدمان دون نية مسبقة لذلك ولا يستطيعون الخروج منه بعدها نظراً لطلب أجسادهم للمخدر.

وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة الأخيرة، يوجد اليوم حوالي 246 مليون شخص يتعاطون المخدرات والعقارات غير الشرعية في العالم.. هذا الرقم كبير للغاية فهو يشكل نسبة 3.5% من سكان الأرض وبذلك يكون واحد من بين كل 28 شخصاً يتعاطى نوعاً واحداً أو أكثر من المخدرات والعقارات غير الشرعية.

تزداد المشكلة لدى الشباب حيث قدر أن 5% من إجمالي الأشخاص بين عمر 15 و 64 سنة يتعاطون واحداً أو أكثر من العقارات غير الشرعية، وحوالي 27 مليون شخص حول العالم يصنفون كمدمنين لهذه المواد وحوالي نصفهم يتعاطون المخدرات بطريقة وريدية (عبر الحقن المباشر إلى الوريد) مما يزيد خطر انتقال أمراض مزمنة خطيرة كالتهاب الكبد الوبائي C ومرض نقص المناعة المكتسب (HIV).

كما قدرت الأمم المتحدة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية عدد الوفيات المرتبطة بالمخدرات عام 2013 فقط ب 187,100 حالة مما يجعل المخدرات واحدة من الأسباب الرئيسية للوفاة.

1

الإدمان على الأدوية

العقارات الدوائية

عند الحديث عن المخدرات غالباً ما يتبادر إلى ذهن الناس مخدرات كيميائية كالهيروئين والكوكائين والميثمفاتيمين وغيرها، لكن الذي يغيب عن الكثيرين أن العقارات الدوائية هي المشكلة الصاعدة اليوم، فعلى عكس المخدرات الكيميائية صعبة التهريب والصنع والنقل غالباً ما تدخل العقارات الدوائية إلى البلدان بطرق شرعية تماماً ليتم لاحقاً توزيعها بشكل غير شرعي أو شراؤها من الصيدليات بوصفات دوائية مزورة.

تعد العقارات الدوائية هدفاً أسهل بكثير لمعظم المدمنين، خصوصاً في البلدان التي تمتلك سياسات صارمة تجاه المخدرات وحدوداً محجمة تمنع تهريبها إليها.
أكثر العقارات انتشاراً في أوساط متعاطي المخدرات هي مسكنات الآلام القوية ومخدرات الإحساس مثل: المورفينات والكودائينات بالإضافة لأدوية الفصام ومضادات الاكتئاب والعقارات المسببة للهلوسة.

هل إدمان المخدرات مرض؟

وفقاً لموقع (webmd.com) الشهير، فإدمان المخدرات يعتبر مرضاً دماغياً يسبب رغبة وحاجة إجبارية على المدمن للحصول على المخدر واستخدامه بغض النظر عن العواقب التالية للتصرف، يعتبر الإدمان مرضاً لأنه يسبب تغييرات بنيوية في الدماغ تسبب الحاجة الدائمة للمخدر أو العقار بشكل خارج عن السيطرة الواعية للمدمن، وعلى الرغم من كون التعاطي الأول للعقار أو المخدر ينبع عن قرار واعي عادة؛ فالتغيرات المتراكمة على البنية الدماغية تجعل التعاطي أمراً مستقلاً عن الإرادة الواعية بحيث يصبح المخدر أمراً أساسياً كما الغرائز الرئيسية للبشر.

2

الأعراض الجسدية والسلوكية للإدمان

على الرغم من أن الأعراض الجسدية للإدمان تتباين بشكل كبير بين الأنواع المختلفة للمخدرات والعقاقير، فالأعراض السلوكية متشابهة إلى حد كبير، وفقاً لسلسلة عيادات (Mayo Clinic) الأمريكية فالأعراض تتضمن عادة:

  • الشعور بالحاجة الدورية لتعاطي المخدر أو العقار، وقد يصل تواتر ذلك إلى الحاجة اليومية أو الحاجة للتعاطي عدة مرات في اليوم.
  • الرغبة الشديدة جداً بالعقار.
  • الحاجة لتعاطي كميات متزايدة من العقار مع مرور الزمن لتحقيق نفس التأثير (حالة النشوة) المعتادة.
  • الاحتفاظ بمخزون دائم من العقار.
  • صرف المال على العقار حتى في حالة السعر المرتفع الذي لا يمكن تأمينه عادة.
  • التصرف بطريقة مختلفة عن الطبيعية والقيام بأشياء من غير المعتاد القيام بها وذلك في سبيل الحصول على العقار.
  • القيام بنشاطات خطيرة كقيادة السيارة تحت تأثير المخدر.
  • تركيز الكثير من الوقت والطاقة في سبيل الحصول على المخدر.
  • الفشل في محاولات الإقلاع عن المخدر.
  • المعاناة من "أعراض الانسحاب" عند التوقف عن التعاطي أو التأخر عن الموعد المعتاد.
3

أسباب وراثية تعزز إدمان المخدرات

كما العديد من الاضطرابات الدماغية، تؤثر العديد من العوامل المختلفة على بدأ التعاطي والإدمان لاحقاً وأهمها تصنف كالتالي:

  • الأسباب المحيطية: تشكل الاضطرابات والعلاقات العائلية السيئة والمشاكل الأسرية عاملاً مهماً في بدأ تعاطي المخدرات، بالإضافة لذلك فالتعامل المستمر مع مجموعات بشرية تميل لتعاطي المخدرات قد يزيد من احتمالية تجربة المخدرات وإدمانها لاحقاً.
  • الأسباب الجينية: وفقاً لـ (Mayo Clinic) فبعد بدأ التعاطي تلعب العوامل الموروثة من العائلة والأهل دوراً في سرعة الإدمان ووجوده أصلاً.. فالبعض يدمنون بشكل أسرع من الآخرين بينما البعض يحتفظون بقدرة كبيرة على مقاومة الإدمان لفترات طويلة رغم التعاطي الدوري.
  • التغييرات الدماغية: تلعب التغييرات البنيوية التي يسببها التعاطي المتكرر للمخدرات دوراً كبيراً في ميل الشخص للإدمان والاعتماد الدائم على المخدر.
  • نوع المخدر المستخدم: تختلف حالة الإدمان بشكل كبير تبعاً للمخدر الذي يتم تعاطيه فبينما يكون من الصعب وجود حالة إدمان على الماريجوانا (الحشيش) ترتفع احتمالية الإدمان بشكل مضطرد عند استخدام الكوكائين ومضادات الاكتئاب لتصل لحالة شبه مؤكدة للإدمان عند استخدام المخدرات التي تحقن وريدياً كالهيروئين.
4

آثار الإدمان على المخدرات

من الممكن للاعتماد الكبير على المخدرات أن يتسبب بمتاعب عديدة ومشاكل لا تحصى في مختلف مجالات الحياة، وأهم هذه الآثار:

  • انتقال عدوى مرضيّة: يجعل تعاطي المخدرات (وخصوصاً عن طريق الحقن) الشخص أكثر عرضة للإصابة بالعديد من الأمراض الخطيرة وأهمها نقص المناعة المكتسب (HIV) والتهاب الكبد الوبائي من النوع C.
  • مضاعفات صحية: تبعاً لنوع العقار أو المخدر المستخدم، يتسبب الإدمان بمضاعفات شديدة على الصحة العقلية والجسدية للمدمنين مما يزيد من الوفيات بينهم بشكل كبير.
  • الحوادث: غالباً ما يجعل الإدمان المدنين في حالة شبه دائمة من كونهم تحت تأثير المخدر؛ مما يؤثر على سرعة استجابتهم للطوارئ ويضر بقدرتهم على اتخاذ القرارات بالتالي ازدياد الحوادث بأنواعها وخاصة حوادث السير منها.
  • الانتحار: يميل المدمنون عادة إلى الإقدام على الانتحار أكثر من سواهم غير المدمنين بشكل كبير، وتعتبر مضادات الاكتئاب هي الأخطر في هذا المجال حيث تكون الميول الانتحارية عرَضاً جانبياً شائعاً للعديد من حالات الإدمان.
  • المشاكل العائلية: تغييرات المزاج والتغييرات السلوكية التي ترافق الإدمان تجعل الاحتفاظ بالعلاقات العائلية أمراً في غاية الصعوبة وتسبب التفكك الأسري وانقطاع العلاقات في الكثير من الحالات.
  • مشاكل العمل والدراسة: نظراً لتأثير المخدرات على وعي المدمن وقدرته على اتخاذ القرار، فمن الصعب جداً على المدمنين الحفاظ على سوية عملهم أو دراستهم مع تعاطي المخدرات مما يتسبب بمشاكل في العمل والدراسة غالباً.
  • المشاكل المالية: نظراً لكون المخدرات غالية الثمن عادة إضافة إلى حاجة المدمن لاستخدام كميات متزايدة من المخدر للوصول لحالة النشوة مع مرور الزمن، تشكل المخدرات عبئاً مادياً كبيراً يتسبب بعدم استقرار الوضع المالي واضطرار الكثير من المدمنين إلى صرف مدخراتهم وبيع أملاكهم للحصول على المخدر.
5

طرق حل المشاكل التي أدت للإدمان وعلاجه

يظن الكثيرون أن التخلص من الإدمان أمر لا يحتاج سوى الإرادة، لكن معظم المخدرات تتسبب عوارض خطيرة عند انقطاعها عن الجسم؛ وقد تتضمن هذه الأعراض الانخفاض السريع للوزن والأزمات القلبية ونوبات تنفسية وغيرها.
عادة ما يتم علاج الإدمان على عدة مراحل كالتالي:

  • الانسحاب: يتم في هذه المرحلة تخليص الجسم من العقارات والمخدرات الموجودة داخله بأفضل طريقة ممكنة، حيث تتم العملية عادة في المشافي أو في مراكز متخصصة بعلاج الإدمان، غالباً ما يتم تقليل الجرعة بشكل تدريجي بدلاً من إيقافها تماماً وذلك لتقليل أعراض خروج المخدر خارج الجسم قدر الإمكان.
  • العلاج النفسي: يتم عرض المدمنين السابقين على أطباء نفسيين مختصين بقضايا الإدمان وأسبابه لمحاولة علاج الأسباب التي قادت بهم إلى هذا الطريق. ونظراً لكون معظم حالات الإدمان تأتي بسبب مشاكل وخلافات اجتماعية للمدمن، كثيراً ما يساعد حل هذه المشاكل في تقليل رغبة المدمن في العودة للتعاطي.
  • العلاج الجماعي: ويكون على شكل لقاءات بين مجموعات من المدمنين دون أن يعرّفوا عن هويتهم للآخرين، يتم تبادل خبرات مقاومة المخدرات واستراتيجيات تجنبها تماماً في هذه الاجتماعات بحيث يساعد وجود مدمنين آخرين المدمن على مقاومة رغبته في التعاطي.
6

الحرب على المخدرات

يرى الكثيرون أن تجريم تعاطي المخدرات والعقوبات الكبيرة في هذا السياق هي الحل الأمثل للحد من تعاطي وإدمان المخدرات. لكن العديد من الأبحاث ومنها الخاصة بجامعة ستانفورد الأمريكية وجدت أن ذلك التكتيك ليس فعالاً تماماً، حيث أن 40 سنة من الحرب على المخدرات في الولايات المتحدة لم تحقق النتائج المرجوة ولم تقترب حتى من تحقيقها؛ فالمشكلة لا تكمن في إتاحة المخدرات بحد ذاتها، لكن في الموقف الاجتماعي والأسباب التي تؤدي للتعاطي أصلاً.

وفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة فالبرتغال التي تمتلك سياسة متسامحة تجاه المخدرات وتعتبر الماريجوانا (الحشيش) فيها قانونية تماماً تمتلك نسبة متعاطين للماريجوانا أقل بكثير من الولايات المتحدة الأمريكية التي قد يؤدي تعاطي الماريجوانا في معظم ولاياتها إلى عواقب قانونية والتجريد من الحقوق المدنية وحق الانتخاب، فالنسبة لا تتعدى 3.6% في البرتغال وتتجاوز 13% في الولايات المتحدة الأمريكية.

محاربة المخدرات تبدأ بالتوعية الدائمة بمضارها وتأمين ملاذ آمن للمدمنين الراغبين في الإقلاع لمساعدتهم على ذلك بدلاً من الملاحقة القانونية لهم مما يزيد المشكلة خطورة، فالمخدرات تجد طريقها عبر المهربين حتى عبر أشد الإجرائات الأمنية والحل الفعال يتضمن محاربة أسباب الإدمان لا المدمنين نفسهم فهم هنا مرضى فقط.

المخدرات في العالم العربي

تظهر إحصائيات الأمم المتحدة نسباً متدنية للغاية من تعاطي المخدرات في المنطقة العربية، إلا أن هذه النسب لا تعد دقيقة تماماً ولا يمكن الأخذ بها نظراً للقوانين الصارمة التي قد تؤدي للسجن لسنوات لمتعاطي المخدرات بالإضافة لنقص كبير في مراكز علاج الإدمان وغياب الأساليب الحديثة في مكافحته.

تعد الماريجوانا (الحشيش) أكثر الأنواع انتشاراً في المنطقة العربية نظراً لانخفاض ثمنها مقابل غيرها من المخدرات، بالإضافة لإمكان انتاجها محلياً عن طريق زراعة القنب بشكل غير قانوني، كما يشكل القرب الجغرافي لأفغانستان وكون أكبر منتجين للحشيش في العالم هما أفغانستان والمغرب؛ عاملاً إضافياً لانتشار الحشيش في المنطقة العربية.

في النهاية... من المهم تطوير سياسات مكافحة المخدرات لزيادة فعاليتها، كذلك بناء المزيد من مراكز علاج الإدمان لإعادة دمج المدمنين مع المجتمع مجدداً.. فهذه الخطوات أثبتت فعالية أكبر بكثير من الطرق التقليدية التي تتضمن زيادة العقوبات وتشديد القوانين.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر