الفنانة داليدا

قصة نجاح فني وحياة بائسة أنهى فصولها الانتحار

تاريخ النشر: 28/06/2016
آخر تحديث: 28/06/2016
لقبت بالأرملة السوداء في محيطها لموت أزواجها السابقين

غنت داليدا بالعديد من اللغات، كما أنها استطاعت تحقيق طموحها بأن تكون فنانة مشهورة، بل عالمية، حيث ما تزال أغانيها خالدة حتى يومنا هذا، لكن حياتها كانت استثنائية، حيث سيطر الحزن عليها بشكل كبير، مما أثر بشكل مباشر على طبيعة الأغاني التي قدمتها خلال مسيرتها الفنية.

من الشخصيات التي استوقفت الناس، بقصد التأمل بالمعاناة من جهة، وتذوق الإبداع من جهة أخرى، مفعمة النشاط والطموح بالشهرة والسعادة، فحققت إحداهما وفشلت بالأخرى، كانت المغنية الإيطالية المصرية داليدا، الشابة التي تركت مصر إلى فرنسا، بحثاً عن حلمها بالنجومية، فما هي قصة حياتها؟

من حي شعبي في مصر إلى العالمية

ولدت يولاندا كرستينا جيجليوتي (Yolanda Cristina Gigliotti) في السابع عشر من يناير/ كانون الثاني عام 1933، في القاهرة، شبرا، لأبوين من المهاجرين الإيطاليين، كما كان والدها بيترو جيجليوتي (Pietro Gigliotti) عازف الكمان الأول في دار الأوبرا المصرية في القاهرة، لدى داليدا شقيقين هما أورلاندو (Orlando) وبرنو (Orlando)، حيث كانت الوسطى بين أخويها، كما كانت خجولة جداً في صغرها بسبب الحول في عينيها؛ الناتج عن خطأ طبي، إلا أنها خضعت لعدة عمليات جراحية لمعالجة هذه المشكلة فيما بعد.

تعلمت داليدا الغناء والرقص في صغرها، إلا أنها فيما بعد عانت من تضييق أبويها عليها، فكانت تضطر لإخفاء أي نشاط لها، من جانب آخر كانت طفولتها عادية جداً، لا تحمل ما يثير الاهتمام، باستثناء حلمها أن تصبح ممثلة مشهورة، ذاك الحلم الذي كبر معها، خاصة أن قريبتها كانت ممثلة معروفة آن ذاك، هي Eleanor Duse، حيث كانت ملهمة ستانسلافسكي أثناء صياغته لمبادئ التمثيل، التي أصبحت فيما بعد إحدى أهم مدارس التمثيل في العالم.

من ملكة جمال مصر إلى فرنسا مروراً بقلب عمر الشريف

حصلت داليدا على لقب ملكة جمال أوندينا (Miss ondina) عام 1950، ثم عملت سكرتيرة في شركة أدوية، لتتقدم إلى مسابقة ملكة جمال مصر عام 1954، التي كانت تقام سنوياً، إلا أنها لم تخبر والديها بمشاركتها في المسابقة، حيث ادعت أنها ذاهبة إلى إحدى صديقاتها، لكنها في الحقيقة ذهبت إلى مكان إقامة المسابقة، وحصلت على لقب ملكة جمال مصر للعام 1954، فكانت مفاجأة كبيرة لمن حولها.

أما الجائزة فكانت حذاءً ذهبياً، كما أهّلها فوزها باللقب أن تدخل دور السينما، وتتعرف إلى الممثلين والمخرجين، فحصلت على بضع أدوار ثانوية، أما اسم داليدا؛ فقد أطلقته على نفسها تيمناً بشخصية دليلة في فيلم (SAMSON & DALILA) حيث كانت تشبه بطلة الفيلم هيدي لامار (Heidie Lamar)، ثم تحول اسمها إلى داليدا بعد أن قررت أن تدمج بين اسمها الحقيقي يولندا واسمها الفني دليلة.

في فيلم (Joseph and his brother) من بطولة جوان كولنس (Joan Collins) قامت داليدا بأداء دوبلير البطلة، بسبب الشبه الذي جمع بينهما، في هذا الفيلم تعرفت إلى ممثل مغمور، هو شاب مصري يدعى عمر الشريف، الذي أصبح فيما بعد نجماً عالمياً، ثم بدأت تجمعهما علاقة عاطفية، فيما بعد رآها المخرج الفرنسي (French director Marc de Gastyne)، فأعجب بجمالها وشخصيتها، كما عرض عليها أن ترافقه إلى فرنسا للعمل في السينما، هذا ما كانت تحلم به بالضبط، لكن والديها كانا عقبة في طريق تحقيق هذا الحلم، لتتمكن أخيراً من إقناعهما، حيث سافرت إلى باريس في نهاية العام نفسه، وتركت ورائها عمر الشريف حزيناً.

أضواء الشهرة في فرنسا

قدمت داليدا أول أفلامها بعنوان قناع توت عنخ آمون (Tutankhamen’s mask) عام 1954، ثم (A Glass and a Cigarette)، و(Pharaone’s land)، ثم انتقلت إلى باريس، حيث لم تجد ما كانت ترغب فيه مباشرة، فلم تتمكن من لقاء المنتجين المهمين، على الرغم من أن الفرصة أتيحت لها للقاء بعضهم، لكنهم كانوا ينتجون أفلاماً ضعيفة، هذا ما لم تكن داليدا مستعدة للمشاركة فيه، لذا قررت أخيراً أن تعود إلى مصر بعد أن نفذت نقودها، إلا أنها تعرفت إلى رولاند برجر (Roland Berger)، الذي كان مدرباً على الغناء، استطاع أن يقنع داليدا بالتخلي عن فكرة التمثيل لصالح العمل في الغناء، كما ساعدها على تدريب صوتها، لتبدأ الغناء في نادٍ ليلي في باريس، من خلاله تعرفت داليدا فيما بعد إلى صانع نجوم فرنسي اسمه برونو، ومعه انتقلت إلى شهرة أوسع في باريس، وأصبحت تعمل في أكثر من ثلاثة نوادٍ ليلية، لكن هذا لم يكن أقصى طموحاتها.

سجلت أغنيتها الأولى 1955، بعنوان (Madona)، لكنها لم تلقَ النجاح المأمول، أما أعنيتها الثانية؛ فكانت بامبينو (Bambino)، التي سجلتها عام 1956، فحققت نجاحاً باهراً، كما يمكن اعتبارها نقطة انطلاق داليدا إلى النجومية والعالمية، حيث حققت الأغنية أعلى نسبة مبيعات في فرنسا وصلت إلى 300 ألف نسخة، إضافة إلى حصولها على جائزة القرص الذهبي (Golden Disc)، وبدأت بإصدار أغانيها المتتالية لتحصد نجاحاً بعد آخر.

حياة داليدا العاطفية ولقب الأرملة السوداء

تعرفت داليدا إلى زوجها الأول عام 1954، ثم تزوجته عام 1961، وعلى الرغم من قصة الحب التي عاشاها طلقته بعد شهور، لأنها أحبت الرسام جون سوبسكي (Jean Sobieski)، فاعتقدت أنها وجدت معه حبها الأبدي، لكنها انفصلت عنه أيضاً وتزوج غيرها، في هذه الفترة كان زوجها الأول قد حاول استعادة علاقته معها مراراً، لكنه لم يتمكن من ذلك، فأطلق النار على نفسه، بعد فترة التقت بالإيطالي (Luigi Tenco) الذي كان مغنياً شاباً، فدعمته بمشاركته في مسابقة سان ريمو للأغنية، من خلال أغنية وداعاً أيها الحب (Ciao ِAmore Ciao)، لكن الأغنية لم تحظَ بجوائز المسابقة، حيث تم استبعادها من المنافسة، فأطلق لوجي النار على نفسه أيضاً بعد فترة وجيزة عام 1967، حيث كانت داليدا أول من اكتشف الجثة، مما شكل صدمة نفسية شديدة لها؛ جعلتها تدخل في حالة اكتئاب، كما حاولت الانتحار، أخيراً تزوجت من ريتشارد شنفراي (Richard Chanfray) عام 1972، وعاشت معه تسع سنوات، إلى أن توفي في عام 1983.

هذه القصص المأساوية التي مرت بها داليدا، تركت أثراً بالغاً على حياتها، كذلك على ما قدمته من أغنيات، إضافة إلا أنها لُقبت بالأرملة السوداء في محيطها، حيث أنها كانت تترمل كل ما تزوجت.

أهم أعمالها التي خلدتها في السينما والغناء

قدمت داليدا العديد من الأعمال الغنائية والسينمائية الخالدة، سنحاول الإضاءة على أهمها:

  • في السينما: شاركت داليدا في أكثر من فيلم سينمائي منها، (Vice squad) 1956 ،(Operation Abduction) ،(I love you) عام 1968، إضافة إلى فيلم اليوم السادس (The Sixth Day) الذي صورته في مصر عام 1986، من إخراج يوسف شاهين.
  • في الغناء: حصلت العديد من أغاني داليدا على الخلود، حيث لا تزال إلى الآن حاضرة في ذاكرة الكثيرين، من أهمها الأغنية العربية "كلمة حلوة وكلمتين"، التي تعد من أهم الأغاني العربية التي تعبر عن الرومانسية الوطنية، إضافة إلى أغنية "سلمى يا سلامة"، كذلك الأغاني الفرنسية (Je suis malade)، (La vie en rose) ومع خوليو اجليسيوس (Julio Iglesias)، (Mama).

سامحوني لم أعد أحتمل الحياة

يوم السبت الثاني من مايو/ أيار عام 1987، تناولت داليدا كمية كبيرة من الأقراص المهدئة، مما أدى إلى وفاتها، حيث تركت رسالة قبل انتحارها تقول فيها: "الحياة لم تعد تُحتمل بالنسبة إلي، سامحوني".

أخيراً.. كانت حياة داليدا مليئة بالتجارب المريرة القاسية، التي دفعتها  إلى الانتحار، تاركةً ورائها إرثاً فنياً كبيراً، وحالة إنسانية لا تُنسى، لفتاةٍ طموحة استطاعت الوصول إلى الشهرة والمجد، لكنها لم تجد طريق السعادة.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر