تربية الطفل من عمر 3 إلى 6 سنوات

ما هي أهم الأساليب لتنشئة الطفل ووضع قاعدة التربية الأساسية له؟ وهل يختلف التعامل مع الطفل عبر مراحل طفولته المختلفة؟

الكاتب:
تاريخ النشر: 16/06/2016
آخر تحديث: 16/06/2016
تعتبر مرحلة الثلاث لست سنوات من أهم مراحل تربية الطفل حيث يبدأ باكتساب مهاراته وطباعه فيها

تربية الطفل هي المهمة الأصعب، وهي المسؤولية التي تقع أولاً على عاتق الوالدين، فإدراكهما لكيفية تنشئة الطفل تأتي عادة من البيئة المحيطة بهم، فقد يستخدم الوالدان خبراتهم الاجتماعية الخاصة لنقلها وتطبيقها في تربية أبنائهم. ولكن هل من الممكن أن يحصل تناقض في تربية كل من الأم والأب في تربية طفلهما؟ وهل من الضروري أن يحدث نقاش واتفاق بينهما حول الأسس التي يجب اتباعها في تربية الطفل؟ وماهي أساليب التربية الممكن اتباعها واعتمادها في التربية؟

يشمل موضوع تربية الأطفال الواسع النطاق مجموعة واسعة من السياقات والأنشطة والعادات الاجتماعية والثقافية، تبدأ منذ اليوم الأول لولادته وحتى بلوغه سن المراهقة، لكن في التركيز على السنّ الذي يبدأ فيه الطفل باكتساب أطباعه وفهم ما يجري حوله؛ هو ما يشكّل قاعدة الأساس لشخصية الطفل، ومن سنّ الثلاث سنوات إلى سنّ الست سنوات. فكل الآباء يطمحون لتربية أولادهم تربية صالحة وتأسيس علاقة إيجابية مع أولادهم. تؤثر حتماً في ميزات الشخصية المستقبلية للطفل.

الوالدين هم القدوة الأولى لأبنائهم

ينشأ الطفل في كنف الأسرة ويكتسب منها حركاته وطباعه وعاداته، فكل مرحلة من مراحل النمو عند الطفل تتطلب احتياجات وأهداف معينة، لكي تتم تنشئة الطفل بطريقة سليمة بعيداّ عن مناخ التوتر، حيث تبدأ من إقامة نظام دعم قوي داخل الأسرة لتعزيز قدرات الطفل على التعلم واكتساب العادات والتصرفات التي تناسبه لبناء شخصيته.

فالأب و الأم هما النموذج الذي يحتذي الطفل به، فإذا ما كان التعامل بينهما قائماً على أساس التساهل وعدم التقييد والقبول، يتوفر للطفل جوّاً دافئاً ومناخاً ملائماً لضبط تصرفاته وردود أفعاله، وينمّي عنده الشعور بالراحة وتقبّل آراء الآخرين. أما إذا كان التعامل يبنهما قائماً على أساس العنف والتسلّط والسيطرة، فإن الطفل يصبح أكثر عرضة للتصرف بشكل غير ملائم، كالتعبير عن غضبه بعنف وصراخ وبكاء لا داعي له، فيجعل منه شخصية غير مطيعة وعنيدة.

لذا يجب على الآباء الحرص دائماً على إظهار المودة والعطف بينهما، والانتباه لكيفية التعامل عند الغضب، الضيق والإحباط والحرص على ضبط الانفعالات وردود الأفعال، فذلك ينمّي قدرات الطفل على فهم خبرات الآخرين ومشاعرهم. ويجب على الأهل الانتباه عند انتقاء الأحاديث، والحرص على التصرفات الإيجابية أمام طفلهم، مع إظهار الاحترام واختيار المفردات غير الجارحة الخالية من المواصفات البذيئة والسوقية، مع ممارسة الحياة بطريقة صحية، كاختيار وجبات الطعام المغذّية والصحية، ممارسة الرياضة بشكل منتظم وإظهار الاستمتاع بالتعلّم والتعليم، كل ذلك سوف يثير فضول الطفل واهتمامه ويجعله مقلّداً والديه وأسرته بشكل عفويّ، وينمّي عنده القيم الأساسية لمستقبله وبناء شخصيته بشكل غير منحرف.

ومن المهم أيضاً حفاظ الأبوين على مصداقية كلامهما أمام أولادهم سواء أكان بينهما أو مع الآخرين، فكما يقول المثل " المشاهدة خير برهان"، فمشاهدة الطفل لأبويه يكذبان على بعضهما في بعض الأمور سوف يدفعه عاجلاً أم آجلاً على تقليدهما في الكذب، ومن الأمور التي تحبط الطفل وتجعله في موقف يكون فيه غير مصدقّاً لكل ما يقال له، هو عدم الوفاء بالوعود التي يقطعها أحد الوالدين له، كوعد الأم مثلاً لولدها بشراء هدية له إذا ما أتمّ واجباته المدرسية، مما يحفّز الطفل على إنهاء واجباته على أتمّ وجه منتظراً الهدية الموعود بها، ولكن بدون وجود عذر تتجاهل الأم جلب الهدية لابنها مما يدفعه إلى التراخي في الطاعة وعدم تصديق الأم في كل ما تقول مما يولّد لديه إحباط ناتج عن عدم حصوله على الإثابة مقابل إنجازاته.

وأخيراً، يجب لفت النظر إلى موضوع الأخطاء والاعتراف بها، فبالرغم من محاولة الوالدين تجنّب الأخطاء على قدر الإمكان، لكن في النهاية هما بشر ومن الممكن أن يقعا في فخّ الخطأ في موقف ما دون أن ينتبها، لهذا عند ارتكاب أحد الوالدين لخطأ ما أمام طفلهما أو بحقّه، يجب عليهما بعد إدراك حجم هذا الخطأ ومساوئه أن يقدما الاعتذار، سواء أكان الاعتذار بينهما أو اعتذار له، وذلك لنعيد الأمور إلى نصابها الصحيح من دون أن نترك أثراً سلبياً في نفس الطفل. 

الخلافات بين الأطفال وآبائهم

لا شك بأن غالبية الآباء والأمهات قد يعانون من وجود توترات واضطرابات مع أطفالهم في بعض الأحيان، فيقفون عاجزين عن إيجاد حل لهذه التوترات التي أصابت الأسرة، وفي دراسة للجامعة الأمريكية ميشيغان للبحوث الاجتماعية التي نشرت في 6/أيار/2009، أكّد الباحثون أن هناك أنواعاً للتوترات التي قد تصيب علاقة الأبناء بأهلهم (وخاصة في مرحلة المراهقة)، بما في ذلك الخلافات الشخصية كالعناد والتذمر، وخلافات قديمة كان قد تمّ تجاوزها دون إيجاد حل مناسب لها كتذكير الطفل بأخطائه القديمة باستمرار، والخلافات الناتجة عن انتقاد العادات كتوجيه الأهل الانتقادات المستمرة لأولادهم بشكل لا يطاق ولا يتيح للطفل الحرية في تصرفاته.

وقد ذكرت الدراسة أن هناك اختلافاً في شدة التوتر عند الطرفين، فكانت عموماً التوترات الحاصلة عند الأهل أكبر وأشدّ تأثيراً من التوترات الحاصلة عند الطفل. فبالوقت الذي يغضب فيها الأهل من تصرف طفلهم سوف يتعاملون بعنف وصراخ وردات فعل طائشة ممكن أن تصل إلى الضرب وإحداث الألم عند الطفل، وهذا ما يزعج الطفل ويدفعه إلى العناد والبكاء، وإن تكرار هذا الشيء سوف يجعل الطفل أكثر ميولاً للوحدة، الانعزال، العناد والعدوانية بشكل أكبر. أما توتر الطفل سوف يكون عن طريق بكاءه أو غضبه أو حزنه دون أن يكون قادراً على شرح ما يشعر به أو قادراً على تبرير موقفه.

وفي حال وجود هذه الخلافات على الأهل تجنّب حمل الضغائن أو الحقد على الطفل، بغض النظر عن مدى سوء تصرف الطفل. فلا ضرر من أخذ الطفل في نزهة ممتعة تجعله يفرّغ غضبه وعدوانيته عن طريق اللعب واستنشاق الهواء النقيّ وإيجاد اللحظة المناسبة لإخباره أن ما فعله ليس بالصواب وأن ذلك الفعل السيء سوف ينتج عنه مخاطر سيئة أيضاً.

ويجب التنويه على ضرورة عدم تدّخل الأهل في حياة طفلهم بشكل يجعله يفقد خصوصيته ويضعف شخصيته واعتماده على نفسه، فليس من الضروري عند مراقبة موقف وتصرفات الطفل أن يدسّ الأهل أنفهم في شؤونه، كإجباره على القيام بفعل ما، أو التدخل في طريقة لعبه بألعابه الخاصة، أو إجباره على مشاهدة نوع محدد من البرامج الكرتونية.

على العكس من ذلك، إن ترك الحرية للطفل في لعبه أو برامجه أو تصرفاته في بعض الأحيان قد تتيح للطفل اعتماداً أكبر على ذاته ودعم لشخصيته ولثقته بنفسه. وعلى الأهل تجنّب قفل باب الحوار مع الطفل لما في ذلك من تهميشه وقتل الذكاء اللغويّ والاجتماعي لديه، ويتم حل هذه المشكلة عن طريق تعليم الطفل آداب الاستئذان في مقاطعة الحديث لأمر ضروري، ومحاولة الأهل الاستماع إلى طفلهم وعدم تعنيفه أو إسكاته عمداً وخاصة في المناسبات.  

ولا شكّ بأن قراءة القصص والكتب التي تتحدث عن الحياة الأسرية والعلاقات الإيجابية في الحياة لأولادهم، وتعليمهم أفكاراً جديدة وإبداعية تجعلهم يستخدمون عقلهم بشكل أفضل في تحليلهم للمواقف، كما أنه من الجيد أن يعلّم الأهل لأولادهم ما يسمى قوانين المنزل ومبادئ الأسرة، كتلقينه أن غرفته هي مسؤوليته أولاً، وأن محاولته ترك المكان بعد اللعب بشكل أفضل هو أمر جيد، كما أن كلمتيّ "شكراً" و "لو سمحت"، ضروريتان لتبادل الحب والاحترام.

لماذا يلجأ الأطفال إلى الكذب في هذه المرحلة العمرية

لا شك أن الأهل قد يتعرضا لمواقف كثيرة من قبل طفلهما ومنها الكذب، ويلجأ الطفل للكذب لأسباب كثيرة ومتنوعة، ويجب على الأهل قبل اللجوء إلى إلحاق العقاب بالطفل، أن يعرفا السبب الذي جعل ابنهما يلجأ إلى الكذب، وأن يجدا أسلوباً مفيداً للتعامل مع هذه الأسباب كي لا يصبح الكذب عادةً سيئة عند الطفل.

وفي محاولة للخبيرة الأمريكية جو فروست (Jo Frost)  في مساعدة الأهل المحبطين من السلوك السيء لأطفالهم عبر برنامجها الشهير سوبر ناني (Super nanny) والذي اشتهر في إيجاد الحلول للكثير من المشاكل التي يتعرض لها الأهل ضمن أسرتهم، تحدّثت جو عن كذب الأطفال وعن الأسباب التي قد تدفعهم إلى الكذب وكيفية حلّها بالطرق المناسبة، ومن الأسباب الشائعة التي تدفع الطفل إلى اختيار الكذب واللجوء إليه هي: 

  1. أن الأطفال في عمر ما قبل الالتحاق بالمدرسة لا يفهمون الفرق بين ما هو حقيقة وما هو كذب وخيال، لهذا قد يلجؤون إلى رواية القصص والأحداث الخيالية، وقد تتضمن تلك الأحداث بين كلماتها بعض ما يتمنى الطفل تحقيقه فعلاً، وفي هذه الحالة على الوالدين أن يشرحا للطفل الفرق بين الخيال والحقيقة عن طريق تصحيح كلامه بهدوء واتّزان وتلقينه أن الكذب غير مفيد وأن هذه الأفكار التي يقولها خيالية وغير منطقية.  
  2. قد يلجأ الطفل إلى الكذب لمحاولة إخفاء شيء ما يعرف أنه سوف يسبب له المشاكل والعواقب السلبية من قبل الوالدين. وهنا عند اكتشاف الوالدين لكذب ابنهما، عليهما أن يتقبلا الأمر بروح رياضية دون إظهار الغضب المبالغ فيه أو الصراخ عليه، وإقناع الطفل أن الخطأ أمر لا بدّ منه في بعض الأحيان ولكن الصحيح هو ألا نكرر الخطأ مرة ثانية لأنه سوف يسبب المتاعب في حال تكراره.
  3. في بعض الحالات قد يكذب الطفل للفت الانتباه، ففي حال وجد الطفل نفسه خارج نطاق الاهتمام من قبل والديه سوف يتولّد عنده ردة فعل قوية في محاولة لفت النظر وشدّ الانتباه، فيلجأ إلى رواية أحداث خيالية واختراع سيناريوهات كاذبة كمحاولة الحصول الاهتمام من والديه. في هذه الحالة على الأهل أن يعيرا الطفل الانتباه وإعطاءه المزيد من وقتهم حيث يملك الطفل وقتاً أكبر للتكلم عن أفكاره، واستماع والديه له في محاولة جعله يستوعب ويدرك ما يقوله من كلام، فبهذا الشكل يدرك الطفل أن كلامه الخيالي غير منطقي وغير مفهوم فيلجأ إلى تصحيح عباراته وقول الحقيقة.

وعموماً على الأهل تعليم طفلهما أن الكذب عادة سيئة وأمرٌ يسبب المتاعب والعواقب الوخيمة عن طريق رواية القصص الهادفة له، كرواية ذات الرداء الأحمر وكيف أنها وقعت في فخّ كذب الذئب الماكر. وفي حال قبض الأهل على طفلهما يكذب أيّاً كان حجم الكذب، يجب عليهما ألا يلجأن إلى أسلوب العقاب والمبالغة فيه أو الصراخ عليه، فيكفي إخباره أن كلامه غير صحيح، ومن الطبيعي أن يقلق بشأن قول الحقيقة إذا كان يخشى أنه فعل شيئاً خطأ ولكن الكذب غير مفيد ويجب أن يجدا حلّاً مناسباً للمشكلة.

كيف تؤسس لعلاقة سليمة مع طفلك

إن الحفاظ على العلاقة الأفضل بين الأهل ولطفل ليس بالأمر السهل، فإن الطفل لا يفسر ما يلاحظه بل يكتفي بالتعبير عنه عن طريق المشاعر وردات الفعل العفوية. وإن التعامل مع تلك المشاعر سوف يتطلب من الأهل جهداً إضافياً لتكون العلاقة علاقة ناجحة بينهم.

ومن أهم الأسس التي تسهم في الحفاظ على العلاقة الجيدة والتي على الأهل مراعاتها هي:

  1. استخدام التعبيرات اللفظية والجسدية في رعاية الأطفال، فمناداة الطفل ب"صغيري" أو "طفلي الحبيب"، سوف تسهم في رفع ثقة الطفل بأهله، وألا ينسى الوالدين إعطاء الطفل جرعات من الحنان وإظهار المحبة والعطف له سواء عن طريق قبلة أو عناق، فذلك يحفّز الطفل على الحفاظ على علاقته الجيدة مع أهله، هذا بالإضافة إلى أن تلك التعبيرات سواء اللفظية منها أو الجسدية تساعد الطفل أن يكون أكثر ذكاء وثقة.
  2. احترام مشاعر الأطفال وخياراتهم، إن احترامك لطفلك ومشاعره سوف يولّد احتراماً تبادلاً بينك وبين الطفل، فالأطفال يعبّرون كالكبار عن مشاعرهم في الحزن والغضب والفرح والضجر، ودور الأهل هنا يركّز على احترام تلك المشاعر وترك حرية التعبير للطفل مع مساعدته على تجاوز الصعوبات التي يتعرض لها كتهدئته عند البكاء بشكل لطيف ومحبب. ولا تتوقف حرية الطفل على التعبير عن مشاعره، بل تشمل حرية اختياره لممتلكاته وألعابه واختيار ملابسه بنفسه، فعندما نفرض على الطفل أشياء معينة ونجبره عليها سوف يتولّد عند لطفل ميولاً للاكتئاب والرفض والعناد، أما في حال تركنا له حرية الاختيار سوف يتولّد عنده شعوراً بالمسؤولية والثقة بالنفس.
  3. وضع الأهل لأطفالهم في مرتبة الأولويات، الأطفال هم قادة الغد ومن خلالهم تسير البشرية إلى الأمام ونحافظ على استمرارية الجنس البشري، فيجب على الوالدين أن يضعوا في اعتبارهم هذا الإدراك الضروري، فمثلاً يجب على كل من الأب والأم أن ينظم أمور حياته الروتينية وينظّم وقت عمله وانشغالاته لكي يخصّص وقتاً كافياً ومناسباً لقضاء الوقت مع طفله، دون أن يفضّل قضاء الوقت مع أصدقاءه أو في العمل على قضاءه مع طفله، يجب أن يكون طفله هو خياره الأول ومن ثم يلتفت ليكمل شؤون حياته. وهذا الأمر يجعل الطفل يتعامل بمودة أكبر مع والديه.
  4. إظهار الاهتمام بالأطفال وإبداء الإعجاب باختياراتهم وإنجازاتهم الإيجابية، وإثابتهم على كل تصرفاتهم الجيدة مع عدم تجاهل أي إنجاز مهم قد يفعله الطفل، وتجنّب توجيه الانتقادات بشكل مباشر إلى الطفل على كل حركة وكل تصرف صادر عنه، فيكفي توجيه النصائح والانتقادات البناءة له في حال قام بأي فعل سيء من شأنه أن يعود عليه بالأذى أو الضرر.

وأخيراً، علينا التنويه إلى أن المعلم الأول للأطفال ليس المعلم الذي يعمل في المدرسة ويقوم بتلقين الأطفال الأحرف والتهجئة وغيرها من الأمور التربوية التعليمية فقط، بل يشمل الأب والأم ودورهما في وضع قاعدة أساس للطفل تساعده في تنمية قدراته وذكائه ليكون قابلاً في المستقبل أن يكتسب مبادئه وطموحاته وأهدافه شكل صحيح.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر