الأطفال وأحلام اليقظة

مخيلة الطفل ودورها في بناء شخصيته وتحفيز الإبداع لديه من خلال أحلام اليقظة التي ينسجها ويعيشها

الكاتب:
تاريخ النشر: 11/05/2016
آخر تحديث: 13/05/2016
ينسج الطفل من خلال مخيلته أحداثا وشخصيات تشبه تلك الموجودة في عالم الكبار

تتربع أحلام اليقظة في المنطقة الوسطى من شخصية الطفل من حيث كونها قائدا موجها، فهي قد تتأثر تارة بالعوامل الوراثية وطورا بما هو مكتسب من الظروف في البيئة المحيطة للفرد، ومن هنا إما أن تأخذ تلك الأحلام الوجهة السلبية وتؤدّي بذلك إلى اضطرابات نفسية عدّة قد تصل في بعض الأحيان لأعراض انفصام الشخصية، وإما تتجه إيجاباً محوّلة الخيال لخزان أفكار خلاقة ومبدعة لا تنضب، وكل ذلك يتوقف على ما يمكن أن يمر به الطفل من تجارب خلال مرحلة نموه العقلي والنفسي. 

شخصيات أماكن ألعاب أو مواقف وطريقة حياة، أو حتى أصدقاء وأدوار اجتماعية تشبه تلك الموجودة في عالم الكبار، ينسجها طفلك ويبنيها بأدق تفاصيلها وأجمل صورها من خلال تلك المساحة الحرة التي تُدعى المخيلة، أنت تتمنى في الواقع وتحلم خلال النوم، أما أطفالك فهم يحلمون ويعيشون أحلامهم خلال نومهم ويقظتهم أيضا، فمخيلة الأطفال تشبه صفحة بيضاء تعطيهم الفرصة ليرسموا ويصوروا كل ما يحلو لهم أو يرغبون فيه بعيدا عن أسباب الإحباط وخيبات الأمل المتعددة المصادر في الواقع.

فهذه المخيلة تسمح لهم في بناء حياة أخرى تعج بالرغبات المشبعة والأمنيات المحققة والأصدقاء المخلصون، وفي بعض الأحيان الأعداء المنافسون، لينتهي بهم المطاف أخيرا بصياغة عالم خاص مبني أساسا من وحي الخيال وأحلام اليقظة.

دور الخيال في بناء شخصية الطفل

يبدو أن العالم الذي نعيش فيه ونتهيب حجمه الكبير وكثرة تفصيلاته وتعقيداته لايزال قاصراً عن إشباع ما يفكر به أطفالنا، ولهذا نجد كل طفل يبني عالمه الخاص ويمارس فيه كل رغباته وأفكاره ونشاطاته، بل حتى أنه يتعلم  ويجرب كل ما هو محظور وما لا يخطر في بالنا نحن الكبار عبر تلك التقنية العجيبة التي تدعى اللعب الخيالي، حيث أن الطفل؛ من خلال هذه الطريقة، التي طورها في اللعب يتعلم من كل شيء حول كل شيء، فيقوم بكل ما يحلو له من تجارب، فهذه الطريقة تتيح له مثلاً:

  • تنمية مهارات التحليل والتركيب وإيجاد الحلول للمشاكل التي تعترضه أثناء اللعب فعندما يفشل مثلا في تناول شيء وضع في مكان عالي ويذهب لإحضار كرسي ليقف عليها فهو هنا يتعرف أكثر على حدود قدراته وكيفية التغلب على هذه الحدود.
  • التعرف على التفاصيل في عالم الكبار وتجريب نمط معيشتهم، فلعبة (بيت البيوت) الشائعة في مجتمعنا تعطي فكرة لطفلك أي كان جنسه عن تفاصيل الحياة الأسرية وتتيح أمامه تجربة دور الوالدين.
  • كما أنه يطور أيضا مهارات التواصل والتفاهم والحوار واللغة.
  • من خلال اللعب الخيالي يتعلم الطفل أيضا كيف يفكر ويخطط ويَعقِد الاتفاقات والصفقات وتظهر هذه المسألة على سبيل المثال عندما ترى مجموعة من الأطفال وهم يخططون ويتفقون ويوزعون الأدوار في ما بينهم للقيام بلعبة معينة.
  • قد أثبتت دراسة أجراها كل من  ( بيرك مان Berk, Mann) و ( هيرش باسيك  Hirsh-Pasek ) سنة 2006 أن للعب الخيالي عند الطفل فائدة في تنمية القدرة على التنظيم الذاتي والتعاطف وانخفاض مستوى الميول العدوانية.
  • من هنا نرى كيف يمكن أن ينعكس ما يتعلمه الطفل -من خلال الخيال- على العالم الواقعي، من تجارب ومهارات وأفكار، وكيفية تطبيق الكثير من الأفكار، وكيف يمكن أن يؤثر ما يتخيله في بناء شخصيته وأسلوب تصرفه أو تفاعله مع المواقف المختلفة.

الخيال كنشاط ملهم ومحفز للإبداع عند الأطفال

لا نبالغ اذا قلنا إن معظم الاكتشافات والاختراعات التي غيرت مسار التاريخ البشري بدأت بحلم يقظة وهذا ما دفع العالم والخبير التربوي د. روبينسون (Sir Kenneth Robinson) للقول: "إن الخيال هو مصدر كل الإنجازات البشرية، وهو واحد من المكونات الأساسية للإبداع والابتكار" ومن كل ما تقدم يمكننا استنتاج أن الطفل عندما يتخيل فهو:

  • يؤلف حكايات وقصص شاملة في أبعادها، متكاملة في تفاصيلها، بطريقة قد تصعب على بعض المؤلفين والكتاب المخضرمين،  فهؤلاء الأطفال لا يهملون أي تفصيل، ولا يتركون أي فجوة، فكل حكاياتهم وشخصياتها متعلقة /بطريقة أو بأخرى/ بهم،  ومرتبطة برغباتهم وطموحاتهم، فعندما تسمع ما يسرده طفلك من حكايات من السهل أن تلاحظ دائما وجود شخصية عظيمة أو مظلومة عادة ما يشبَه الطفل نفسه بها ويعبَر عن ما يدور في خاطره من خلالها.
  • من الجيد أن تدخل مع طفلك إلى عالمه الخيالي بين الحين والآخر فمن جهة إحدى فوائد الخيال / بحسب بعض الدراسات / أنه ينشط الذهن، ويفتح آفاق التفكير عند الصغار  والكبار، ومن جهة أخرى فأنك تقوي الروابط العاطفية مع طفلك وتشعره باهتمامك به وبأفكاره.
  • كما أنه يساعد الأطفال على التعلم وعلاج المشكلات، فالطفل كلما تعرض لمشكلة فإنه يراجع مخزونة من الأفكار حول حلولها الممكنة، سواء من ذكرياته، أو من أي شيء قد سمعه من الآخرين،  أو من خلال قيامه بعملية التحليل والتركيب لتفاصيل المشكلة، بهدف إيجاد الحلول وكل ذلك عبر عمليات عقلية مجردة تمر بكل مراحل التفكير بدأ من تحديد المشكلة ومرورا بطرح الفرضية وتقييم الحلول والبدائل وهكذا حتى الوصول إلى تجربة هذه البدائل بأسلوب يشبه إلى حد بعيد الخطوات المنهجية في التفكير العلمي وكل ذلك اعتمادا على مخيلته من دون الحاجة إلى الاستعانة بأية أدوات أخرى.

إذا الخيال ليس مجرد وسيلة يتسلى بها الأطفال وإنما هو نشاط  مبدع، بل وعمل خلاق يتعلم من خلاله ويبدع ويجرب ولا نبالغ إذا  قلنا بأنه يبني شخصيته المستقبلية من خلاله، ولهذا دع طفلك يتخيل بل وحلق معه في أحلامه /من يعرف/ ربما كنت في هذا تساعده ليحقق نفسه في المستقبل كعالم، أو مؤلف، مخترع، مليونير، أو ربما فنان موهوب.

الأثار السلبية لأحلام اليقظة على الأطفال والمراهقين

كما أن الخيال يملك الحد الأول من السيف والذي يشق الإنسان به طريقه نحو الإبداع والنجاح هو أيضا السيف ذاته بحده الآخر والذي عندما تصحبه ظروف معينة قد يذهب بصاحبه نحو الجموح والانغماس في الخيال؛ ما قد يؤدي به مثلا:

  • إلى اضطرابات على المستويين النفسي والاجتماعي، فدخول الطفل وتعمقه في أحلام اليقظة والشخصيات والمواقف التي ينشئها في مخيلته، ربما يعيق تكيفه الاجتماعي وتوازنه النفسي لدرجة قد يصبح من الصعب عليه إدراك ذلك الحد الذي يفصل بين واقعه وخياله، وبالتالي خلط الأوراق في أفكاره
  • ربما قد يصل الطفل جراء هذا كما أكدت بعض الدراسات، لاندماجه تماما مع تلك الشخصيات والأماكن التي يخلقها في خياله لدرجة تعتبر بداية لحالات الانفصام فهنا يمكن أن يبدأ الطفل مثلا بالتعامل مع شخصيات خياله كأناس موجودين بالفعل يلعب معهم ويتشاجر معهم وربما يعتقد أنه تناول الطعام معهم ولهذا قد يرفض تناول الطعام مع أسرته
  • من جهة أخرى قد تؤدي أحلام اليقظة وخاصة عند الطفل الكبير (من 13 لـ15 عام)، للوقوع في خطأ المقارنة بين العالم المثالي في خياله والعالم الواقعي، وبالتالي  اسقاط أحكام العالم المتخيل على ظروف الواقع.  وهنا يقع الطفل مرة أخرى في  فجوة خيبات الأمل وتحطيم الطموحات، وما قد يصل إليه جراء ذلك من اضطرابات وعقد نفسية وعدم تكيّف اجتماعي مع الواقع المرفوض بالنسبة له مقارنة بالحلم المثالي، فالطفل يرى مثلا أنه يملك السيطرة التامة على تلك الشخصيات في عالمه الخيالي وكل شيء في هذا العالم يتجاوب مع رغباته ويسير بالطريقة التي تناسبه ولكن عند عودته إلى الواقع فأنه يفقد هذا المستوى من السيطرة على عالمه المحيط وبالتالي يجد نفسه مضطرا لمواجهة من هم أقوى منه أو أكثر ذكاء أو أكبر سنا وفشله في تحديهم والسيطرة عليهم.
  • يتعدى الخيال في سلبياته هذه المرحلة العمرية فهو يفرض خطورته أيضا على المراهقين؛ عندما نجد الذكور منهم يغرقون في أحلام اليقظة المتعلقة بطموحاتهم وأفكارهم المبالغ فيها فقد يعتقد أنه يجب أن يكون في مكان آخر وأن الحياة قد جارت عليه وهنا يسعى بكل الوسائل للوصول إلى ما يعتقد أنه يستحقه فقد يهرب مثلا من هذا الظلم المفترض نحو الانحراف فقد يسرق لتحقيق بعض رغباته أو ربما يذهب للإدمان على أحد العقاقير هروبا من واقعه الذي يراه بأنه دون مستوى ما يستحق.
  • بينما تغرق الإناث في الأحلام العاطفية والرومانسية مما يجعل منها فريسة أو صيدا سهلا أمام كثير من ذوي النوايا السيئة والمحتالين.

دور الكبار في توجيه أحلام اليقظة لدى أطفالهم

بحسب جوثمان سكولير فإن الإنسان يقضي حوالي 20 % من وقته شارد الذهن وهناك من يقول أن هذا الوقت قد يصل ل 47%  حتى توصل البعض لأننا نعيش نصف حياتنا غارقين في أفكارنا وأحلام يقظتنا أو طموحاتنا وآمالنا وفي التخطيط لمستقبلنا، ومما لا شك فيه أن معدل وقت الشرود والاستغراق في أحلام اليقظة يزيد كلما صغر سن الإنسان، وبالتالي يمكننا التعرف على أهمية هذه المسألة وأهمية تدخلنا لتوجيه وضبط هذه الأحلام عند أطفالنا، ويمكن تحقيق ذلك من خلال الخطوات التالية:

  • شجع طفلك الذي يملك القدرة على تأليف القصص والحكايات لرواية ما يفكر به وعلمَه طريقة كتابته، وذلك بغية توظيف هذه الموهبة في اتجاهها الصحيح أولا وأبعاد الطفل عن استخدام موهبته هذه في الكذب والتضليل.
  • كما يجب أن تقف بجانب طفلك دائما وتوجهه ليتمكن من ربط ما يتخيله بالواقع الفعلي كي يتعلم آلية التفكير المنطقي ليدرك أن هذا الخيال لا وجود له إلا في أفكاره، وأن هناك واقعا يجب عليه التعامل معه وفصله عما يدور في مخيلته وعالمه المفترض.
  • التدخل لضبط أحلام الطفل عندما تلاحظ أنه قد استغرق فيها وبدأ يخلط الأمور بين الواقع والخيال، وذلك من خلال شغل أوقات فراغه بألعاب أو أعمال مرتبطة بالواقع الفعلي، فعندما تلاحظ عليه أنه قد استغرق بأحلامه لدرجة مبالغ فيها  فهنا لابد من تدخلك بأن تطلب منه مثلا أن يلعب معك لعبة محببة بالنسبة إليه، أو تشعره بأهميته في العالم الواقعي عندما تطلب منه المساعدة في بعض الأعمال المنزلية والتي يجب أن تتفق بدورها مع جنسه وميوله ومستوى ذكائه أو نظرته لنفسه.
  • إعطاء الطفل الفرصة ليعبر عن ما يدور في باله من أفكار ومساعدته لفهم ما يمكن تطبيقه منها في الواقع، فعندما ترى أن طفلك يخطط لبناء بيت صغير في حديقة المنزل حاول أن تساعده في ذلك وأعطه ما يحتاج من أدوات ووجهه نحو أخطائه والطرق الأنسب لتنفيذ ما يخطط له.

لابد إذا من تدخلنا لتوجيه خيال الأطفال ولكن يجب أن يتصف هذا التدخل بالإيجابية والمرونة فكما رأينا يوجد حالات يجب فيها تشجيع أفكار الأطفال، بينما في حالات أخرى يجب التدخل لضبط هذه المخيلة وإعادة الأمور لنصابها قبل أن يصل الطفل لمراحل خطرة لا تحمد عقباها، وهناك حالات يجب أن نستخدم فيها خيال الطفل وأحلام يقظته في الإطار التربوي والتعليمي، فعندما تريد أن تزرع في طفلك أخلاقا أو عادات معينة فأحلامه هي الطريق المثالي لتحقيق ذلك، وذلك من خلال الربط المتكرر بين ما يدور في خاطره وما يسعى لتحقيقه وبين تلك العادة أو القيمة التي تريد غرسها في شخصيته، ومن هنا يتضح لنا أهمية اتصاف تدخلنا بالمرونة بحسب الموقف الذي يجب التعامل معه؛ كي لا نسمح باستغراقه في هذه الأحلام من جهة، وللاستفادة من أهميتها في تربية الطفل وتشجيع إبداعه من جهة أخرى.

أخيراً.. تناولنا في هذا الدراسة؛ أحلام اليقظة بمعناها العام وحجم هذه الظاهرة وأهميتها بالإضافة للإيجابيات التي تحتويها، فمن جهة هي نشاط إبداعي عند الطفل، يمكن أن يساعدنا في بناء شخصيته، ومن جهة أخرى سلبياتها وأعراض الاستغراق فيها، كذلك كيفية تدخلنا كراشدين للاستفادة من تلك الإيجابيات لمصلحة الطفل، مع كيفية مواجهة السلبيات حرصا على سلامته النفسية والاجتماعية.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر