الخوف لدى الأطفال، هل هو مرضي أم طبيعي؟

مخاوف الطفل بين الواقع والخيال.. أنواع وأسباب وعلاج الخوف والقلق لدى الأطفال

الكاتب:
تاريخ النشر: 13/05/2016
آخر تحديث: 13/05/2016
شيء ما مر هناك ثم أختفى عندما أشعلت النور، مقولة يكررها الأطفال ونقابلها أحيانا بالسخرية، علينا تعلم التعامل مع مخاوف الأطفال

لدى كل إنسان منا ما يقلقه ويخاف منه أو عليه، وشعور الخوف هذا ليس حكرا على الكبار فالأطفال لديهم مخاوفهم أيضا، وذلك تبعا لمستوى إدراكهم للحياة، خبراتهم السابقة، اهتماماتهم، بل حتى ثقافتهم، فما هي هذه المخاوف الشائعة بين الأطفال؟ وما هي مصادر الخوف عند الأطفال؟ وهل باستطاعتنا فرزها لأنواع بحسب معايير معينة تختلف بين حالة وأخرى؟ متى يمكن اعتبار هذه المخاوف طبيعية ومتى تدخل في إطار المرض وتصبح بحاجة لعلاج؟

لعل الكثير منا عندما كان يخلد للنوم رأى تلك الأشباح الغريبة التي تتنقل في أرجاء الغرفة ثم تختبئ في الظلام الدامس وراء الباب، كنا صغارا، وعندما كنا نروي ما قد شاهدناه في تلك الليلة الموحشة قائلين: (شيء ما كان يركض هناك ثم أختفى عندما أشعلت النور)، كان الجميع يضحك منا حتى صرنا مدعاة للسخرية، هذا تماما ما يحدث الآن مع أطفالنا ونحن بدورنا نعيد الكرة فنضحك من قصصهم تلك ثم نصرفهم للعلب بعيدا ونعود لممارسة مشاغلنا اليومية دون اكتراث.

أنواع مخاوف الأطفال بحسب المرحلة العمرية

حال أن يولد الطفل تولد معه موضوعات الخوف التي تتنوع بحسب المرحلة العمرية والعوامل الوراثية والظروف المحيطة بالطفل، فهناك على سبيل المثال مخاوف واقعية وأخرى خيالية، وتسير هذه المخاوف الطبيعية والشائعة بنوعيها باتجاه يتناسب مع مرحلة النمو التي يمر فيها الطفل:

  • فعند ولادته تكون البداية مع خوفه من هذا العالم الجديد والغريب بالنسبة إليه وهذا ما يفسر لك بكاء الأطفال عند الولادة.
  • وقبل اتمامه العام الأول يبدأ بالخوف من الأمور الحسية المباشرة كالأصوات العالية والصاخبة أو عندما تلمسه بقوة وشدة.
  • وعندما يتجاوز عامه الثالث تنتقل مخاوفه لموضوعات خيالية غير واقعية، كالأشباح والشخصيات الأسطورية الشريرة في التلفزيون أو الحكايات، بالإضافة لبعض الكوابيس المزعجة التي يراها في نومه.
  • أما بين سن الرابعة والسادسة يعود الطفل للواقعية في مخاوفه، مثل الخوف من عقاب الوالدين إذا ارتكب الأخطاء، أو الاقتراب من المدفأة أو قابس الكهرباء.
  • وبعد دخوله للمدرسة تظهر على الطفل المخاوف النفسية والاجتماعية، وهنا تلاحظ على الطفل خوفه من المدرسة وما تحويه من مجتمع جديد ونظام تربوي أكثر صرامة من ذلك الذي اعتاد عليه في المنزل، ومستوى أعلى من المسؤولية.

هكذا تستمر مخاوف الطفل وتتقلب في موضوعاتها؛ بحسب كل مرحلة عمرية يمر بها وما يصاحبها من ظروف ومواقف وخبرات.

أسباب خوف الطفل ومصادرها الواقعية والخيالية

أسباب الخوف متعددة في الواقع وبالتالي تتعدد مصادرها أيضا، فعند العودة لتقسيم هذه المخاوف إلى واقعية وخيالية يمكننا من هنا تقسيم مصادرها أيضا بنفس الطريقة:

مخاوف الأطفال في الواقع 

  • قد يخاف الطفل من تهديد تلقاه من المعلم إذا ما قصر في واجبه، أو عقاب الوالدين.
  • يمكن أن يخاف من أذية بعض الزملاء المشاكسين في المدرسة.
  • قد يخاف من السيارات المسرعة في الشارع، عند رؤية حادث مروع، أو من شجار الوالدين.
  • من الهام أيضا أن نذكر أنه في كثير من الأحيان تنتقل مخاوفك نفسها إلى طفلك...الخ.

كل هذه المخاوف مصدرها الواقع وما يحمله من مواقف مخيفة متعددة بالنسبة للطفل.

أما مخاوف الطفل في الخيال

فهنا تتعدد أيضا المصادر التي يمكن أن تخيف الطفل لأسباب من نسج خياله، فعلى سبيل المثال يمكن أن يخاف الطفل لأحد الأسباب التالية:

  • مشاهدة فيلم سينمائي فيه شخصيات خيالية مرعبة.
  • أو سماع حكاية من الأصدقاء أو الجدة تحوي على حوادث أليمة أو شخصيات شريرة.
  • الأهم من ذلك التهديدات النفسية التي يوجهها الكبار بهدف ضمان طاعة أطفالهم، مثل الحبس في غرفة الفئران أو إرساله وحيدا لمكان تواجد الغول... الخ.

كلها تمثل المصادر الرئيسية لمخاوف الأطفال الخيالية.

آثار مخاوف الطفل على شخصيته وأهمية بعضها في حمايته من بعض المخاطر

من جهة لا يمكننا أن نختصر الخوف لمجرد شعور مزعج وسلبي نريد التخلص منه، فمن لا يخاف إنسان غير طبيعي وهو شخص غير سوي نفسيا، فإذا نظرنا للخوف من الناحية النفسية العلمية:

  • نجد أنه شعور يمارس وظيفة هامة في حياتنا وهي إبعادنا عن المخاطر، فعندما تنظر إلى حياتك لابد أن تجد مواقف خطرة عدة قد مررت بها أو مواجهات كارثية لم ينقذك منها إلا الخوف.
  • كذلك طفلك فالخوف هو الذي يمنعه من الابتعاد عن المنزل وهو من ينقذه من إحراق نفسه في المدفئة أو السقوط من مكان مرتفع.

وهنا تكمن ضرورة الخوف وتكمن أهميته إذا ما أحسن استخدامه كطريقة لتعليم أطفالنا الابتعاد عن المخاطر المحيطة بهم، ومن هنا نرى أنه لا يمكن إغفال أهمية الخوف كجزء هام من العملية التربوية المتكاملة، ومن جهة أخرى فالخوف كما كل مشاعر الانسان عندما تزيد عن حدها الطبيعي يتحول الخوف لدى الأطفال من ضرورة يتعلم من خلالها الطفل وتساعده على النمو نفسيا وعقليا، إلى مشكلة تعيق أداءه ونموه وتفشل تطوره:

  •  فالطفل الذي يخاف من المدرسة مثلا ولا يجد الدعم الاجتماعي والاهتمام الكافي بالمشكلة التي ولّدت لديه هذا الشعور سوف يزيد خوفه هذا يوما بعد يوم وبالتالي يقل تكيفه مع المدرسة واندماجه فيها وهذا يؤدي بالضرورة لتراجع تحصيله الدراسي والعلمي بما ينبئ بفشله في التعليم.
  •  الطفل الذي يعاني من مخاوف خيالية ويتعمق في هذه المخاوف ولا يجد من يوضح له حقيقة هذه المخاوف في الوقت المناسب، فسوف تكبر معه مخاوفه لتشكل معضلة وعقدة نفسيه يصعب التخلص منها عندما يكبر.

هناك أطفال يدمج بين المخاوف الخيالية والواقعية، إذ يحدث هذا عندما يتخيل الطفل مثلاً: معلمه قاسي الطباع في المدرسة على هيئة رجل شرير يريد ضربه أو إيذاؤه، هنا يفقد الطفل ثقته بكل المعلمين وبالتالي سوف يكره المدرسة والتعليم.

علاج مخاوف الطفل وإرشادات هامة للوالدين في التعامل مع مخاوف أطفالهم

عند الحديث عن علاج مخاوف الأطفال الطبيعية فالأمر هنا لا يتعلق بإعطائه عقاقير طبية أو اتباع خطوات علاج منهجية مدروسة، ولكن الأمر يمثل أسلوب تعامل روتيني، ردّ فعل يتبع كل حالة على حدة، أجوبة مناسبة على أسئلة الأطفال من قبل الوالدين، أو التدخل في الوقت المناسب للتعرف على مصادر تلك المخاوف وتوضيح الصورة الكاملة والحقيقة لما يخيف الطفل، وهنا نضع أمثلة عن بعض المخاوف والطريقة الصحيحة للتعامل معها:

  1. في البداية لابد أن تعلم أن بعض مخاوف الأطفال طبيعية ولا داعي للقلق بشأنها فهي لا تكاد أن تتلاشى عندما يكبر طفلك ويزيد وعيه فهي مسألة وقت، كالخوف من الغرباء أو الابتعاد عن الوالدين هي من الأمور الشائعة جدا بين الأطفال والتي قد تزول مع مرور الوقت.
  2. من الجيد لك أن تسمع مخاوف طفلك الصغير، وتشرح له حقيقتها، كما يجب أن تشجعه وتعطيه الثقة بنفسه لمواجهتها دون إجبار،  فهو لا يملك قدرتك على التحليل المنطقي، وكل شيء بالنسبة له قابل للتصديق.
  3. من أهم مخاوف الأطفال الطبيعة الشائعة هو خوفه من المدرسة، يجب أن تعطي الأمر ما يستحقه من اهتمام وذلك بتتبع سبب ومصدر هذا الخوف ومتابعته مع المدرسة والمعلمين وعلاج أسبابه، فربما يخاف طفلك من معلمه الغريب أو بعض زملائه المزعجين وكل ذلك إن لم يعالج في الوقت المناسب قد ينعكس سلبا على مسيرة الطفل التعليمية وتحصيله الدراسي.
  4. الطفل يخاف من النوم وحيدا في الظلام، وهذا يسبب له بعض الاضطرابات والكوابيس المزعجة وربما يتخيل شخصيات مخيفة لا وجود لها، وللحد من أثار هذه الهواجس يمكن لك أن تجلس مع طفلك لبعض الوقت في غرفته قبل النوم والحديث معه عن تلك الشخصيات التي يراها ويحلم بها وبالتالي تحويلها من موضوع مخيف لموضوع مضحك لتضحك معه ,وتسخرا معا من تلك الشخصيات ، حاول إعطاءها صبغة كوميدية، وبالإضافة لذلك يمكن في الفترة الأولى أن تبقي النور في الغرفة أو تضع مصباح خافت حتى يعتاد الطفل على النوم وحيدا وتتلاشى مخاوفه الخيالية.
  5. كما يجب عليك الانتباه لما قد تشاهدوه في المنزل أمام الطفل من عروض سينمائية وتلفزيونية مخيفة لا تتناسب مع عمر الطفل، فالشخصية التي تبدو لك مضحكة ربما تتحول لهاجس يذهب مع الطفل لفراشه ونومه ويسبب له العديد من الاضطرابات والأحلام المزعجة.
  6. أخيرا إذا لاحظت أن مشكلة خوف الطفل قد تجاوزت حدها الطبيعي وبدأت بالتحول لمعضلة أو مرض، فلا بد أن تعطي الأمر ما يستحقه من اهتمام وتشعر الطفل أنك معه وتقف بجانبه ولكن دون أن تشعره بخطورة الأمر كي لا يعتقد أن مشكلته كبيرة وعصية حتى على الكبار، وبالتالي عدم تجاوبه مع أنواع العلاج وزيادة تعقد المسألة، وطبعا من الهام في هذه المرحلة عرض الطفل ومشكلته على خبير مختص.

في النهاية.. وضحنا في هذه الدراسة بعض المخاوف الشائعة بين الأطفال وضرورة هذه المخاوف في استكمال عملية نموه وأي منها مرشح لأن يتجاوز الحد الطبيعي ويتحول لمشكلة، كما شرحنا أسباب هذه المخاوف ومصادرها والطريقة الأنجح والأسلم لتعامل الوالدين معها.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر