ثقافة الطفل، مفهومها وكيفية تكونها

ما هي مكونات ثقافة الأطفال.. بماذا تتأثر.. وأين تكمن أهيمتها في تربية وتنشئة الطفل؟؟

الكاتب:
تاريخ النشر: 03/06/2016
آخر تحديث: 03/06/2016
ثقافة الطفل عبارة عن منظومة من تحصيله العلمي والفكري وطريقته في اللعب وتصوراته وطريقة تفكيره حول الأمور المختلفة

غالباً ما يرتبط معنى الطفولة باللهو أو اللعب، بالأسرة والمدرسة أو التربية كما التعليم.. أمّا أن يقرن ذكر الطفولة بتعبير الثقافة فهو أمر قد لا يخلو من الغموض والخروج عن المألوف، وبالتالي يتطلب بعض الشرح والتوضيح، وخاصة بعد أن تصاعد إيقاع الحديث عما يعرف الآن بثقافة الطفل؛ وأهميتها بالنسبة للفرد والأسرة والمجتمع. فما هي الكيفية التي تتشكل من خلالها ثقافة الأطفال وما مصادرها؟، ومن ثم ما هي أهم أشكال ومضامين هذه الثقافة؟، والأهم من ذلك ما هي حاجة المجتمع لثقافة الأطفال والعناية بها؟

ينشأ كل منا ضمن منظومة قيم اجتماعية وثقافية، لا تكف عن تذكيرنا بما يجب وما لا يجب.. هذا عمل جيد، وذاك فعل سيء ومرفوض.. فإن التزمت واستقمت نلت الرضا والمدح.. وإن انحرفت وجنحت نالك الذم والقدح.. ولعلنا من خلال هذا التقديم المبسّط يمكننا توضيح مفهوم كثير التشابك والتداخل، متعدد التمايز والتنوع وهو (الثقافة بمعناها العام)، ومن ثم الخروج منه إلى ما يعرف (بثقافة الطفل) بشكل خاص.. وهو مصطلح يكثر استعماله في حياتنا الراهنة؛ كلما أردنا أن نفهم حالة معرفية معينة لدى أطفالنا، أو أن نفسر نمطاً محدداً من سلوكياتهم، ومن هنا تبدو ضرورة أن ندخل عالم الطفل ونتعرف على ثقافته ومن ثم نميزها عن الثقافة العامة السائدة في المجتمع.

معنى ثقافة الأطفال وتميزها عن الثقافة العامة

لكل مجتمع ثقافته التي تميز هويته وتضفي طابعاً خاصاً على طريقة حياته، ولكن من الطبيعي أن ينقسم كل مجتمع إلى فئات وشرائح متعددة تختلف عن بعضها بالمعتقدات وطرق التفكير، وبالتالي سوف يكون لكل واحدة من هذه الفئات ثقافتها الخاصة التي تميزها عن غيرها، فهناك ثقافة الشباب وثقافة الكبار كما يوجد ثقافة للإناث وأخرى للذكور بالإضافة لثقافة أبناء المدينة وأبناء الريف.. إلخ.

وعلى اعتبار أن الأطفال في أي مجتمع يمثلون شريحة هامة قد تكون الأكبر بين فئاته؛ فمن الطبيعي أن ينفردوا أيضاً بثقافتهم الخاصة والمستقلة، ولا يقصد بثقافة الطفل هذه تحصيله العلمي والدراسي فقط أو حجم وكم خلفيته المعرفية في أي من المجالات، حيث أن الصغار كحال الكبار لديهم منظومتهم الخاصة من العادات والتقاليد والمعتقدات أو الألعاب وطرق التفكير، هذا بالإضافة للقصص والروايات والأساطير وحتى المصطلحات والرموز وأساليب التعبير، وهذه العناصر مجتمعة تشكل الصورة الكاملة لما يعرف بثقافة الأطفال.

فمن منا لا يذكر تلك الشيفرات والإشارات التي كنا نستخدمها لنتفاهم مع أصدقائنا أو نوصل لهم رسالة معينة لا نريد لأحد غيرهم فهمها، أو حتى تلك الألقاب والرموز التي وزعناها على بعضنا في المدرسة، من منا لا يذكر تلك الأشياء التي كنا نستعيرها من القصص والحواتيت أو المسلسلات الكرتونية؛ ثم نستخدمها في تشبيه بطولاتنا أو للسخرية من أحد أقراننا.. فهذه التفاصيل كلها تعتبر الخيوط التي كنا ننسج منها حالة معرفية وثقافية معينة تخص مرحلتنا العمرية وهي (ثقافة الأطفال).

المصادر والعوامل التي تشكل أو تؤثر في تشكيل ثقافة الأطفال

حتى ثقافات الأطفال ليست على لون أو نمط واحد يشمل الصغار جميعهاً، وإنما تختلف هذه الثقافات وتتمايز تبعاً لمجموعة من العوامل كالجنس أو المرحلة العمرية والبيئة الاجتماعية المحيطة، والأهم من ذلك المنابع التي تغذي ثقافة الأطفال وتساهم في تشكيلها، ومن هنا تبدو ضرورة أن نذكر أهم المصادر التي تأتي منها ثقافة الأطفال:

  • ثقافة الكبار المتمثلة بالأسرة والمجتمع. (فالثقافة السائدة في مجتمع الكبار لا بد أن تنعكس على ثقافة صغارهم).
  • الأنظمة والقوانين أو المهام والوظائف التي تفرضها المدرسة تشكل أحد أبعاد الثقافة العامة لأطفال المجتمع.
  • يعتبر التلفاز بما يعرضه من برامج وأفلام وإعلانات؛ أحد أهم مصادر ثقافة الأطفال، فالتلفاز يطلع الأطفال على ثقافة مجتمعات أخرى غريبة عنهم، بالإضافة لما تتضمنه برامجه من قيم وأفكار موجهة يراد غرسها في شخصية الأطفال من قبل جهات عديدة، وكل ذلك له دور كبير يدخل في صياغة شخصية الطفل وثقافته.
  • وقد دخلت مؤخراً التكنولوجيا الحديثة بأدواتها المتعددة؛ كالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي إلى قائمة المصادر الهامة التي تساهم في تشكيل ثقافة الطفل، فهذه التكنولوجيا وضعت الطفل أمام عالم أوسع يشمل خبرات أكثر ومعارف وأشخاص، بالإضافة لأساليب جديدة للمتعة والتسلية وكل واحدة من هذه العناصر لا بد أن تضفي تطويراً أو تغيراً معين في ثقافته.
  • القصص والحكايا الشعبية المتناقلة بالإضافة للأساطير المنتشرة بين أفراد المجتمع. كحكايات الجدة على سبيل المثال، أو الإشاعات المنتشرة بين أطفال حي أو قرية معينة والتي تروي قصة أو أسطورة محددة (كقصة بابا نويل مثلاً؛ الذي يأتي ليوزع الهدايا على الأطفال في العيد).
  • ما يعرف بأدب الأطفال وهي الأعمال والروايات الأدبية الموجهة خصوصاً للأطفال (قصة ليلى والذئب، بائعة الكبريت).
  • الخبرات الناتجة عن العلاقات الاجتماعية، فالطفل خلال مسيرة حياته يقيم العديد من العلاقات مع أطفال غرباء قد ينتمون لعائلات أو مدارس أو أحياء سكنية مختلفة، وبالتالي سوف يتعرف على ثقافاتهم ويكوّن الخبرات من خلال ملاحظته لهذه الثقافات.
  • الطفل خلال لعبه وخاصة ذلك النوع من اللعب الذي يعتمد على التخيل، يكتشف الكثير من الأشياء (فيتعرف مثلاً؛ على بيوت وأعشاش بعض الحيوانات والطريقة التي يعيشون فيها)، ويقوم بالعديد من التجارب (كمحاولة بناء منزل صغير باستخدام التراب والماء)، وكل هذه الأمور سوف تتحول إلى خبرات تدخل في تكوين ثقافة الطفل.
  • رواسب اللاشعور الجمعي. (كالأساطير أو بعض الألعاب وطرق التسلية؛ وحتى بعض المعتقدات التي انتقلت من جيل لآخر عبر حديث الوالدين أو الأخوة الكبار أو الأجداد).

مضمون ومكونات ثقافة الأطفال

إذا اختصرنا الهدف العام لثقافة أي مجتمع بتنظيم حياته وتميزه بمجموعة من السمات، التي تمثل هويته من خلال مجموعة من الأدوات والمكونات الثقافية، فلا يكتمل التعريف بثقافة الأطفال كمفهوم من حيث المعنى والدلالة، دون أن نتعرف أيضاً على أبرز المضامين التي تميزها كحالة ثقافية خاصة؛ تمثل جزءً أساسياً من الثقافة العامة للمجتمع، ويمكن أن نبرز أهم هذه المضامين كمكونات وأدوات لثقافة الأطفال كما يلي:

  1. أدوات خاصة يستخدمها الأطفال في ألعابهم، وهي تمثل أحد أبعاد ثقافتهم (مثل نوع الدمى الذي يفضلها الأطفال، أو نوع الألعاب في الشارع والمدرسة ككرة القدم)، فكل ألعاب الأطفال تحوي مصطلحات معينة أو قوانين وأنظمة وكل هذا يعتبر من مكونات ثقافة الأطفال.
  2. بعض الشخصيات الخيالية أو الكرتونية الأسطورية التي يقلدها الأطفال ويعتبروها قدوة ومثلاً أعلى، (كشخصية ساندريلا لدى الأطفال الإناث أو شخصية سوبر مان لدى الذكور)، وهناك شخصيات أخرى يشبه الأطفال بعضهم البعض بها بدافع السخرية أو الذم مثل: (شخصية الشرشبيل أو القط الشرير توم).
  3. مصطلحات ومفردات لغوية خاصة مثل: كلمات معينة يعبر الطفل من خلالها عن حاجته للذهاب إلى الحمام أو تناول الطعام (كما يمكن أن تشمل هذه المصطلحات بعض الشتائم مثلاً أو الاستعارة في وصف أحدهم مدحاً أو ذماً).
  4. معاني مجردة كبعض الرموز الخاصة بالأطفال قد تتصل بشخصيات بعض مواقف الحكايات أو الألعاب والبرامج التلفزيونية.
  5. أغاني خاصة بالأطفال؛ (كأغاني شارات المسلسلات الكرتونية، أو بعض الأناشيد التي يتلقاها الأطفال في المدرسة).
  6. عادات الطعام؛ (أنواع الأطعمة التي يفضلها الأطفال كالمثلجات أو البسكويت كذلك أنواع أخرى عديدة من الأطعمة المغلفة، وهناك أيضاً نوع الشطائر التي يأخذها الطفل للمدرسة) ومن العادات أيضاً كيفية الجلوس على المائدة وطريقة تناول الطعام.. ألخ.
  7. طريقة خاصة في معالجة بعض المشاكل والأمور، وقد لا نبالغ إذا قلنا أنه يوجد نظام ضبط اجتماعي متكامل في ثقافة الأطفال، (فالأطفال لديهم طرقهم الخاصة في المخاصمة أو المصالحة وتحديد من هو المحق أو المذنب في خلافاتهم).
  8. إشارات وأساليب وطرق لمناداة بعضهم البعض أو إرسال رسائل معينة لا يريدون للكبار فهمها؛ (كبعض الألقاب أو الأسماء الحركية المستخدمة بين مجموعة من الأصدقاء ولا يعرفها غيرهم).
  9. طريقة معينة للباس والموضة (كتقليد أحد الشخصيات الكرتونية المحببة في طريقة لباسه) أو احتفال بالعيد وألعاب تعتبر خاصة بالعيد (مثل: مراجيح وساحات العيد).. إلخ
  10. طريقة الحصول على أصدقاء، (كالذهاب مع الأقران في الرحلات التي تنظمها المدرسة، أو الحديث مع الأطفال من نفس السن عن الواجبات المدرسة).
  11. طريقة للتعبير عن النفس وذلك يتبع لما قد تعلمه من والديه، (فبعض الأطفال يعبرون عن أنفسهم من خلال الغضب والعدوان، أما البعض الآخر فيثبت وجوده من خلال تفوقه الدراسي، وهنالك من يستخدم موهبة معينة كالحركات البهلوانية التي يجيدها...ألخ)
  12. بعض القصص الشعبية أو الأمثلة المتناقلة، (كغرفة الفئران في قبو المدرسة التي كثيراً ما يهدد المعلمين تلامذتهم بها).

أهمية ثقافة الأطفال ودورها في تنشئتهم الاجتماعية

قلما تذكر الطفولة دون أن يرافق ذكرها معاني بهجة الحياة، واستمرار الوجود، وقلما تذكر الطفولة دون أن يرتبط ذكرها بالكثير من مفاهيم وأساليب التربية والتنشئة، ومن هنا وبعد أن عرفنا ما الذي نعنيه بثقافة الأطفال، يمكن لنا أن نتساءل كيف تساعدنا هذه الثقافة في تنشئة الطفل وما أهميتها التربوية والتعليمية بالنسبة له:

  • ثقافة الأطفال سوف تساعد صغيرك على اكتساب هويته الاجتماعية، فمن خلالها يعرف بأنه منتمي لجماعة معينة يعيش معها ويلتزم بأفكارها وقيمها، وهو يمارس دوره ووجوده الاجتماعي من خلالها.
  • وثقافة الأطفال عن طريق العادات والقيم التي تتضمنها والعلاقات التي تنظمها؛ تساعد في صقل ذلك الجانب الاجتماعي والثقافي في شخصية طفلك.
  • عن طريق ثقافة الأطفال يمكن غرس الثقافة العامة للمجتمع، من خلال عملية إدماج القيم والأفكار والعادات التي يرضى عنها المجتمع؛ مع الألعاب والحكايات أو الأساطير المحببة من قبل الأطفال. (فعند توجيهنا للأطفال حكاية تروي قصة بطل أسطوري عظيم مثلاً يمكن إظهار هذا البطل الذي سوف يقتدي به الأطفال على أنه يتمتع ببعض الصفات والخصال الحميدة التي يريد المجتمع غرسها في شخصيات أطفاله).
  • تساعد ثقافة طفلك في تعليمه اللغة. (فالأطفال عن طريق قراءة القصص أو مشاهدة البرامج التلفزيونية يروا ويسمعوا ويرددوا المصطلحات والمفردات التي تعبر عن المواقف المختلفة، وبالتالي يتعرفوا على لغتهم وكيفية استخدامها للتعبير عما يريدون قوله).
  • تساعد في زيادة خبراته وتوسيع معارفه. (فعن طريق الألعاب التي تحوي تجارب لا متناهية والقصص والحكايات الكثيرة التي تتضمن عبراً وأفكاراً عديدة)، يتزايد بشكل مستمر التحصيل المعرفي لطفلك وتتوسع خبراته ومداركه.

لا يمكننا النظر إلى ثقافة الأطفال على أنها مجرد صورة أو صيغة مصغرة للثقافة القائمة في مجتمعهم، وإنما هي منظومة ثقافية شاملة تتمتع بالتكامل والاستقلال، وهذا ما حاولنا توضيحه من خلال هذه الدراسة، حيث تناولنا الثقافة بمعناها العام والثقافات الفرعية التي تنصهر في بوتقتها، ومن هنا استعرضنا ثقافة الأطفال من حيث المعنى والأهمية، بالإضافة إلى منابعها وطريقة تكونها، وأخيراً.. تطرقنا  إلى مكوناتها ومضامينها ومن ثم أهميتها في تنشئة أطفالنا اجتماعياً وتربوياً.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر