كيف تتطور شخصية الطفل وما دور الأهل في بنائها

شخصية الطفل بين الموروث والمكتسب.. كيف يبني الطفل ذاته وكيف يساهم الأهل في ذلك

الكاتب:
تاريخ النشر: 02/06/2016
آخر تحديث: 04/06/2016
شخصيتنا نتاج مجموعة من عوامل كثيرة تبدأ بطباعنا وخصائصنا الذاتية الموروثة، ثم تتشابك مع ظروف حياتنا البيئية والاجتماعية والاقتصادية

عوامل اجتماعية مكتسبة وأخرى ذاتية موروثة تتآزر وتتكافل معاً لصياغة شخصية الطفل بشكلها النهائي في المستقبل، إذاً بناء شخصية الطفل هو عملية متكاملة حيث أن كل مرحلة فيها هي امتداد لسابقتها و أساس للاحقتها، منذ أن يكون جنيناً في رحم أمه إلى أن يصبح عضواً كامل النمو في الأسرة و المجتمع، وفي جميع هذه المراحل هناك مسؤوليات تقع على عاتق الوالدين والأسرة وحتى مجتمعه المحيط بأفراده ومؤسساته، ومن هنا تبدو ضرورة أن نتعرف على منشأ كل جانب من شخصية أطفالنا والعوامل التي تؤثر فيها سواءً قبل ولادته أو خلال مسيرة حياته.

شخصية كل منا هي بلا أدنى شك؛ نتاج مجموعة من عوامل كثيرة تبدأ بطباعنا وخصائصنا الذاتية الموروثة، ثم تتشابك مع ظروف حياتنا البيئية والاجتماعية والاقتصادية، وبكل تغيرات هذه الظروف وتقلباتها على مر السنين. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن مرحلة الطفولة ومن بين كل مراحل العمر هي الأكثر تأثيراً في بناء شخصية الإنسان، ومن هنا تأتي أهمية العناية بنمو شخصية الطفل بما يجعله سوياً في سلوكه من جهة، وأساساً صالحاً لشخصية صحيحة ومتوازنة قادرة على مواجهة الصعوبات والتحديات من جهة أخرى.

مفهوم الشخصية وأهمية مرحلة الطفولة

الشخصية مصطلح نردده في كل يوم تقريباً، فنشير إلى شخص بأنه يتميز بشخصية ضعيفة وآخر شخصيته قوية وهناك من يتميز بالشخصية الخجولة أو المترددة أو شديدة الغضب أو المتهورة... إلخ، فنحن في هذه الحالة نعبّر عن رأينا في صفاته وما نلاحظه في ميزاته التي تكوّن ذاته، ومن هنا يمكن أن نعّرف شخصيتنا بأنها مجموع تجاربنا وأفكارنا وخبراتنا وقراراتنا أو آرائنا ووجهات نظرنا وحتى عواطفنا كذلك مواقفنا وردّات فعلنا، والتي تنصهر جميعاً في البوتقة التي تسمى ذاتنا، ثم نعيد رسمها وإخراجها بشكل معين تتمثّل فيه شخصيتنا.

إذاً تعتبر الشخصية ولعوامل عديدة كبصمة الإنسان؛ فكل فرد يملك شخصية مستقلة تميزه عن الآخرين وتقدمه بصورة معينة أمام المجتمع. ونظراً لأهمية شخصيتنا في تحديد مواقف الآخرين منّا وأسلوب تعاملهم معنا، لابد أن نتعرف على منشأ هذه الشخصية وكيف نبنيها ونطورها، وبحسب أغلب الدراسات والعديد من العلماء؛ فإن أهم فترة من الحياة في تكوين الشخصية هي الطفولة في جميع مراحلها المبكرة والمتوسطة والمتأخرة، فالطفولة هي مرحلة التعّلم والتجريب والاختبار، وبالتالي تكوين المواقف ووجهات النظر والملاحظات التي سوف تتكامل وترتصف وتترتب لتبني الشخصية.

العوامل التي تؤثر في بناء الطفل لشخصيته

عند الحديث عن تكون الشخصية عند الطفل من الخطأ إرجاعها إلى آلية معينة أو مسار محدد تتكون من خلاله أو الإدعاء بوجود طرق ووسائل نستطيع عند اتباعها صياغة شخصية الطفل، بحيث تتناسب مع ما نرغب أن تكون عليه في المستقبل، فالشخصية هي كل مركّب تجتمع عوامل عديدة في تشكيله؛ منها عوامل وراثية يأخذها كل طفل عن والديه وأخرى يتأثر فيها وهو جنين، ثم تأتي العوامل البيئية والاجتماعية التي يتأثر فيها الطفل خلال مراحل نموه المختلفة، فلا نبالغ إذا قلنا بأن كل حدث في حياة الطفل سوف يكون له انعكاس على شخصيته في المستقبل.

أولاً: العوامل الفطرية والوراثية ودورها في التأثير على شخصية الطفل

العوامل الفطرية:

كما أكد عالم النفس الأمريكي ابراهام ماسلو (Abraham Maslow) يخلق الإنسان وهو مزود  بمجموعة من الحاجات الأساسية؛ ومن أهمها الحاجة إلى الأمان والبقاء والاستمرار من جهة  والحاجة إلى الغذاء والاجتماع من جهة أخرى، ومع وجود هذه الحاجات من البديهي أن يزوّد الإنسان بمجموعة من ردّات الفعل والغرائز والدوافع (كالجوع والخوف أو التفاعل مع الآخرين) التي تسعى لإشباع  تلك الحاجات، وهذه الحاجات وتلك الدوافع والغرائز هي ما يشكّل شخصية الإنسان الطبيعية والفطرية، والتي تعتبر الهيئة الأولى التي تتمثّل فيها شخصية كل طفل بشري وتعتبر موجودة لدى كل البشر مهما اختلفت ثقافاتهم أو مجتمعاتهم وأماكن سكنهم أو طريقة تربيتهم.

العوامل الوراثية:

من المعروف أن الوراثة مسؤولة عن العديد من الصفات العضوية والجسدية التي تظهر على كل إنسان، وبنفس الطريقة ينسحب الأمر على الخصائص الشخصية أيضاً، فالولد هو سر أبيه ونستطيع القول أيضا أن البنت هي سر أمها، وهذا ما يفسّر ذلك التشابه بين بعض صفاتك وخصائص طفلك، حيث أنه في تلك الرحلة التي تقوم بها جيناتك حاملةً معها بعض صفاتك كاللون أو طول القامة أو شكل الشعر؛ تأخذ معها أيضا البعض من خصائصك النفسية والشخصية لتزرعها أخيراً في شخصية طفلك، فقد أثبت دراسة أجراها علماء في جامعة مينوسوتا (University of Minnesota) على 350 توأماً ونشرت في (مجلة علم النفس الاجتماعي) أن هناك إحدى عشرة خاصية تنتقل من الآباء والأمهات إلى أطفالهم عبر الوراثة ومن بينها: المزاج العدواني أو المرِح أو العصبي أو الهادئ وحتى الحساسية أو الذكاء ، ليس فقط الخصائص أو المزاج بل حتى بعض المخاوف والهواجس والطباع يمكن أن تنتقل عبر الوراثة إلى طفلك.

ثانياً: العوامل البيئية والاجتماعية و آثارها على تكوين شخصية الطفل

تعمل شخصية الطفل بالطريقة الأسفنجية؛ فهي تمتص التجارب والخبرات والمواقف وحتى المفاجئات أو الصدمات بالإضافة إلى الملاحظات العواطف المشاعر والأفكار في كل المراحل والأماكن التي تمر خلالها، حتى تُشبَع أخيراً بكل ما هي بحاجة لتعلمه، ثم تعصر ما تعلمته على شكل مواقف وردود أفعال ووجهات نظر وقناعات؛ تتكامل معاً لترسم الشخصية بشكلها النهائي. وبالإضافة لما ذكر من عوامل فطرية ووراثية هناك عوامل بيئية واجتماعية تساهم في صياغة هذه الشخصية :

العوامل البيئية:

  1. يبدأ الطفل باكتساب ذلك الجزء من شخصيته الذي يتعلّق بالعواطف وبعض الانفعالات البسيطة منذ أن يكون جنيناً في رحم أمه الذي يعتبر البيئة الأولى التي يوجد فيها، فالطفل يتواصل مع أمه ويشعر بحالتها النفسية والجسدية ويتأثر بهذه الحالة، حيث أنه يشعر بحزنها أو فرحها أو توترها وغضبها، وينعكس شعوره هذا سلباً أو إيجاباً على شخصيته بعد الولادة ( فالأم المتوترة مثلاً كثيرة الغضب أثناء حملها ربما يأتي مولودها متوتر أيضاً كثير البكاء والتذمر).
  2. وقد يؤثر تناول الأم الحامل لبعض الأدوية أو إدمانها على بعض المنبهات أو المنشطات أو العقاقير المخدرة على أعصاب طفلها وبالتالي حالته النفسية مستقبلاً.
  3. أما بعد الولادة فيخرج الطفل لبيئة مختلفة وجديدة، وقد يكون لما تحتويه هذه البيئة من ظروف صحية في الجو والمسكن ونوع الغذاء المتوفر، أو ظروف نفسية مثل: رغبة الوالدين بإنجاب هذا الطفل أو عدمها....الخ، آثار بالغة على طريقة استقباله في الحياة وبالتالي على شخصيته عندما يكبر.

أما العوامل الاجتماعية:

  1. تبدأ الآثار الاجتماعية بالتأثير على شخصية طفلك منذ ولادته في تلك الفترة التي تدعى المرحلة الحسية الحركية، حيث يتعلم في هذه المرحلة الانفعالات وردّات الفعل البسيطة التي يعبّر عنها بالبكاء أو بعض الاستجابات الحركية، ويتأثر طفلك هنا بمدى تقبله والاهتمام به من قبل الأسرة والمحيطين، وهو يحتاج في هذه المرحلة لإغداق الكثير من الحب والحنان عليه عن طريق معانقته مثلا ومداعبته باستمرار والتفرغ التام من قبلك للاهتمام بشؤونه وحاجاته.
  2. أما في المرحلة التالية تلك التي يبدأ فيها طفلك بتعلم المشي والنطق، هنا تدخل إلى حاجاته مهمة التربية إضافة للمحبة التي كانت في المرحلة الماضية، كما يدخل التلفاز أيضا كعامل مهم بالتأثير على مداركه ومن ثم شخصيته. وفي هذه الفترة يحتاج طفلك لنوع جديد من الاهتمام حيث يجب مساعدته على اكتساب اللّغة والكلام من خلال الحديث معه بشكل متواصل وإدخال مفردات جديدة إلى قاموسه، وتعليمه أن بعض الجمل والكلمات تعتبر سيئة وغير مقبولة، ومساعدته على فهم واستخدام الضمائر، هذا بالإضافة لتشجيعه على تعلّم المشي وتدريبه على ذلك من خلال تمارين يومية تمارس معه على شكل لعبة ممتعة. ومن الجدير بالذكر أن العلاقات الأسرية السائدة من حيث التوافق أو التفكك والخلافات أو الشجارات الموجودة داخل الأسرة يكون لها بالغ التأثير على شخصيته في هذه المرحلة، حيث أن هذه العلاقات هي ما يحدد نصيبه من الاهتمام الذي يحتاجه لاكتساب متطلبات المرحلة العمرية التي يمر  بها فيجب على الوالدين الانتباه وإعطاء هذه المسألة ما تستحقه من اهتمام.
  3. ومع تقدم طفلك بالسن واكتسابه اللّغة والمشي بشكل تام يدخل مرحلة جديدة من النمو والتعلّم، وهي مرحلة اللعب والتقليد والخيال، وفي هذه الفترة تبدأ شخصية الطفل بالتبلور بشكل أولي، حيث أن كل واحدة من تقنيات التعلّم الفطرية هذه تمارس دورها ووظيفتها من خلال إتاحة الفرصة أمام طفلك لاكتشاف العالم المحيط به والقيام بتجاربه وتكوين خبراته وتعلّم أدواره، وفي هذه الفترة أيضاً تلاحظ على طفلك النشاط المفرط وحتى التهور في بعض الأحيان؛ فترى أنه يلعب بكل شيء دون ملل ويجرب كل ما يلاحظه أو يتخيله ويقوم بتقليدك بالكثير من تصرفاتك بشكل ببغائي، كما تلاحظ عليه بعض التصرفات والأفكار والمعتقدات الغربية (مثل:  الخوف من الأشباح أو بعض الشخصيات الوهمية  أو أن هناك شيء ما يختبئ وراء الستار ويريد إيذائه بعد ينام الجميع ويتركوه وحيداً )، وعليك في هذه المرحلة إعطاءه حريته وعدم تقيده فدعه يأخذ الفرصة ليتعلم ويجرب. كما يجب أن تجيبه على أسئلته التي لا تنتهي في هذه الفترة وتحاول توجيهه للعديد من الأمور ومشاركته في ألعابه دائماً.
  4. وفي المرحلة التالية يبدأ طفلك بالخروج من المنزل ويتسع عالمه أكثر؛ فيتعرف على الأقران والأصدقاء ويبني شبكة العلاقات الخاصة به، وهنا يتعرض طفلك للكثير من التجارب فهو في هذه المرحلة قد يختلف مع بعض أصدقاءه ويتشاجر معهم ويتخذ المواقف، ويتعرّف أكثر على حدوده وحقوقه وواجباته، ويفهم قيم التسامح والتنازل في بعض الأحيان بغية الحفاظ على علاقاته مع الآخرين. وفي هذه المرحلة أيضا قد تتأثر شخيصة الطفل بعدد أخوته وترتيبه بينهم (كأن يكون الابن الأكبر أو الأصغر أو ذكر وحيد بين مجموعة من الإناث أو أنثى وحيدة بين مجموعة ذكور أو وحيد تماماً، بالإضافة لمقدار فرق السن بينه وبينه أخوته صعوداً أو نزولاً) فهو أيضاً سيقيم نمطاً معيناً من العلاقات مع أخوته تبعاً لهذه الظروف، وتحتاج هذه المرحلة لأن تعطي لطفلك قدراً من الحرية دون أن يؤذي نفسه، فدعه يخرج ليلعب مع أصدقاءه وشجعه على تنمية وتطوير علاقاته معهم وعلمّه قيم التسامح والتعاون وعدم الأنانية والحفاظ على حقوقه، ووجهه باستمرار دون المبالغة في إلقاء المحاضرات والأوامر والنواهي فالتكرار في هذه الأمور يفقدها قيمتها بالنسبة للطفل.
  5. ومع دخوله المدرسة يواجه طفلك عالماً جديداً مختلف كلياً عن الذي اعتاده في المنزل والحي، وتعتبر هذه المرحلة بالغة الحساسية والتأثير على شخصيته فهي تحوي العديد من الصدمات والمواقف والأحداث الغريبة بالنسبة له؛فلا نبالغ إذا قلنا أنها مخيفة أيضاً، حيث أنه في هذه المرحلة ينخرط في نسق جديد من العلاقات والروابط والأنظمة والضوابط، كما أنه يتعرّف على أصدقاء جدد والكثير من الغرباء كالمعلمين و موظفي المدرسة، وفيها أيضا تدخل مسؤوليات جديدة عليه تحملها؛ كالانتباه إلى المعلمين في الصف والقيام بالواجبات المدرسية والالتزام بالنظام العام داخل المدرسة والاستيقاظ باكراً كل يوم للذهاب إلى المدرسة ...الخ، وعادةً ما يعاني الأطفال مشاكل عديدة في هذه المرحلة مثل: ( عدم التأقلم مع نظام المدرسة بالإضافة لبعده عن الوالدين أو ربما الخوف من المعلمين)، وعلى الوالدين والمعلمين وإدارة المدرسة والمعنين التعامل مع هذه المشاكل بقدر عالي من الصبر والحكمة والتفهم، حيث أن العديد من اضطرابات الشخصية تنشأ في هذه المرحلة بالذات وبسبب هذه المشاكل.
  6. ثم يتأقلم طفلك مع المدرسة ويتنقل بين مراحلها وصفوفها ويبدأ بالتأقلم مع أنظمتها وأنماط العلاقات فيها، كما تبدأ أبعاد شخصيته بالظهور مع استمرارها بالتطور، حيث يمكن القول  أن شخصيته المستقلة قد بدأت بالتكوّن نوعاً ما. ويحتاج الطفل في هذه المرحلة لأن يعبّر عن شخصيته هذه ويثبت ذاته ويؤكد حضوره، وهنا يجب أن تمنحه الثقة بنفسه والحرية ولاستقلال بما يتماشى مع تعليمه بعض القيم الاجتماعية الضرورية (مثل العادات والتقاليد التي يطلبها منه المجتمع بلإضافة لحقوقه وواجباته).
  7. أما عند إنهائه لطفولته ودخوله مرحلة المراهقة يصبح لدى طفلك نمط جديد من الحاجات والأفكار، ويدخل مرحلة جديدة بالغة الحساسية والخطورة أيضاً، وتتسع أمامه في هذه المرحلة بوابات الانحراف، حيث تصبح تجاربه أكثر خطورة من ذي قبل. ففي هذه المرحلة سوف يحتاج أكثر لإثبات ذاته وانطلاقا من هذه الحاجة قد يدخل في بعض الشجارات والتجارب الخطرة مع الآخرين، وقد يتعرف على أصدقاء جدد يتقبلون أفكاره ويشجعوه على القيام بالعديد من المغامرات فيتعلم معهم التدخين مثلاً، أو ارتياد بعض الأماكن الخطرة وربما يجرب تعاطي المخدرات أو الكحول والعديد من الأمور الخطرة ولإشباع هذه الرغبات قد يتعلم السرقة، بالإضافة لما سبق تتشكل في هذه المرحلة ما يعرف بالفلسفات الوردية (حيث يصبح لدى المراهق إيمان بالعديد من القناعات والمعتقدات المثالية الغريبة والبعيدة عن الواقع). ومن المهم أيضا أن نشير إلى أن هذه المرحلة تتميز  بظهور بعض التغيرات والحاجات الجنسية لدى المراهق، وقد يقوم ببعض التصرفات والسلوكيات الخاطئة بهدف إشباع هذه الحاجات وقد يوقع نفسه أو أهله في العديد من المشاكل جراء هذه المسألة. في هذه المرحلة التي تعتبر الأكثر خطورة بين مراحل النمو أنت بحاجة لمستوى عالي جدا من الاهتمام والانتباه أثناء التعامل مع ابنك، فهو بدأ هنا بالنظر لنفسه ككبير  ولا يريد أن يسمع النصائح من أحد، ولذلك يجب أن تقف بجانبه وتراقبه دون التدخل في خصوصياته، كما يجب أن تصبر عليه وتبتعد عن القسوة في معاملته، وحاول أن تجعل من نفسك صديقاً له.
  8. وأخيراً.. يجب الإشارة إلى أن كل المراحل السابقة متداخلة بشدة ولا يمكن الفصل بينها بشكل نهائي وهي تختلف بين حالة طفل وآخر، بالإضافة لأنه يوجد الكثير من المشاكل والصدمات والحوادث الاستثنائية التي قد تعترض طريق طفلك أثناء عملية بناءه لشخصيته، (مثل: دخول المدرسة أو وفاة أحد الوالدين أو شخص عزيز وأيضاً رؤية حوادث مروعة أو التعرض لتجارب قاسية تثير الخوف والقلق)، ويجب التعامل مع كل هذه الأمور بحذر واهتمام لكن دون إشعار الطفل بمخاطر أي منها حتى لا تتحول لديه لعقد نفسية.

اضطرابات ومشاكل الشخصية التي تنشأ منذ الطفولة

كما تنمو الشخصية وتتطور مع نمو الطفل وزيادة سنه، فإن اضطرابات هذه الشخصية تنمو وتتطور بنفس الطريقة، حيث أن هذه الاضطرابات ليس بالضرورة أن تظهر في مرحلة الطفولة وإنما هي تبدأ بالتكوّن في هذه المرحلة وتستمر بالتطور مع كل المواقف والصدمات والحوادث التي يمكن أن تعزز هذه الاضطرابات، والتي يمر بها الطفل خلال عملية نموه حتى تصبح جزءاً لا يتجزأ من شخصيته في المستقبل، وهنا تبدأ آثار هذه الاضطرابات بالظهور، ولهذه الاضطرابات العديد من الأنواع يمكن أن نجمعها أو نرتبها في ثلاثة مجموعات أساسية على الشكل التالي:

المجموعة الأولى (المشبوهة ـ Suspicious)

  1. اضطراب الشخصية الانعزالية (Schizoid Personality Disorder): يعني أن بعض الأشخاص يلاحظ عليهم الضعف في تكوين العلاقات الاجتماعية أو الاستمرار فيها بالإضافة لاتصافهم بالبرود العاطفي.
  2. اضطراب الشخصية المرتابة (Paranoid Personality Disorder): والذين يعانون من هذا الاضطراب يكونوا أصحاب شخصية مغرورة قد تصل لحالات جنون العظمة، ويكون لديهم شكوك دائماً بمن حولهم واعتقاد أن الجميع يتآمر عليهم.
  3. اضطراب الشخصية الفصامية (Schizotypal Personality Disorder): يعتبر من يعاني هذا الاضطراب من أكثر الشخصيات بعداً عن المجتمع والواقع، حيث أن لدى هؤلاء معتقدات وتصرفات غريبة ويتصفون بالانعزالية وعدم القدرة على تكوين العلاقات الاجتماعية وخاصة العاطفية، وينعتهم البعض بالشذوذ والبعد عن المجتمع، ويحتاج من يعاني هذا الاضطراب إلى علاج نفسي وطبي للتخلص من أعراضه.

المجموعة الثانية (العاطفية المندفعة Emotional And Impulsive)

  1. اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (Antisocial Personality Disorder): ويميل أصحاب هذه الشخصية إلى التلاعب ومعاملة الناس بقسوة وليس لديهم شعور بالندم أو التعاطف مع الآخرين، كما ينتشر بين أصحاب هذه الشخصية الإدمان على الكحول أو تعاطي بعض العقاقير المخدرة.
  2. اضطراب الشخصية الحدّية (Borderline Personality Disorder): يعتبر أصحاب هذا النمط من الشخصية من أكثر الناس عرضة للمجازفة والتهور والانخراط في تجارب خطرة كالعلاقات الجنسية أو تعاطي المخدرات، وينتشر هذا النمط بين الإناث أكثر من الذكور.
  3. اضطراب الشخصية التمثيلية الهستيرية (Histrionic Personality Disorder): يعتبر هذا النوع من أكثر الاضطرابات انتشاراًوترتفع نسبته عند الإناث، ويتصرف من يعانون من هذا الاضطراب وكأنهم في عرض تلفزيوني أو سينمائي، فهم يعتقدون أنهم محط أنظار الجميع ويرغبون دائماً في سماع الإطراءات والتقدير لشخصياتهم، بالإضافة لأنهم يتصفون في نظرتهم العاطفية في تفسير كل شيء.
  4. اضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic Personality Disorder): يتصف هؤلاء بالغرور ولديهم اعتقاد أنهم أفضل من الناس، لديهم رغبة دائمة في لفت انتباه الآخرين ويبالغون في تقدير أعمالهم والإعجاب بها.

المجموعة الثالثة القَلِقة (Anxious) وتشمل

  1. اضطراب الشخصية الانطوائية (Avoidant Personality Disorder): يعاني هؤلاء الشعور بالنقص وقلة الثقة بالنفس، يستمروا دائما في نقد الآخرين، يتجنبوا الدخول في علاقات جديدة أو المشاركة في أنشطة جماعية.
  2. اضطراب الشخصية الاعتمادية الاتّكالية (Dependent Personality Disorder): يتصف صاحب هذه الشخصية بأنه اتكالي يعتمد دائماً على الآخرين في انجاز أعماله وتلبية احتياجاته.
  3. اضطراب الشخصية الوسواسية (Obsessive-compulsive Personality Disorder): يرغب هؤلاء في رؤية كل شيء منظم ومرتب بشكل مبالغ فيه، ويعتبر الذين يعانوا هذا الاضطراب من أكثر الناس التزاماً بالقوانين والقواعد، فهم يسعون دائماً لتحقيق الكمال.

كيف أساعد طفلي على بناء شخصية متوازنة سوية اجتماعياً ونفسياً

لا يختلف اثنان على أن بلوغ الشخصية الكاملة والمتكاملة هو أمر صعب المنال، ولكن بالنظر إلى البحوث والدراسات العلمية الحديثة بالإضافة إلى وجهة نظرنا العامة والبسيطة حول تعريف الشخصية ووظيفتها وماهية الشخصية المقبولة اجتماعياً، ربما يمكننا وضع بعض المعايير القياسية والتي عند بلوغها نستطيع تحقيق شخصية متوازنة وسوية على المستوى النفسي والاجتماعي، وما يمكن فعله من قبل الوالدين والمؤسسات التربوية المعنية للاقتراب قدر الإمكان من بلوغ هذه المعايير، بهدف مساعدة أطفالنا أخيراً لبناء شخصياتهم بالطريقة الأمثل، فمثلاً:

  • احترام القيم من خلال توضيح أهميتها: إذا اعتبرنا أن المعيار الأول هو تحقيق شخصية متماشية ومتكيفة مع القيم الاجتماعية والأخلاقية الشائعة في المجتمع؛ فبلوغ هذه القيمة يتم من خلال تعويد طفلك على احترام هذه القيم والأخلاقيات عن طريق توضيح أهميتها ووظائفها والتعزيز المستمر لغرسها في شخصيته.
  • إثراء دور القدوة الحسنة: أما إذا كان المعيار هو خلق شخصية مرتبة ومنظمة تتحمل المسؤولية وتحترم قيمة الوقت؛ فهنا يجب أن تعمل على تعزيز إدراك هذه القيم لدى طفلك من خلال الاقتداء مثلاً: ببعض الشخصيات المحببة لديه والتي تتمتع بهذه الصفات.
  • عزز ثقة طفلك بنفسه: وعندما يكون المعيار هو بناء الشخصية المستقلة التي تتمتع بالثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرارات والتعبير عن الذات ووجهة النظر السليمة؛ فللوصول لهذه الشخصية يجب أن تستمع لطفلك وتتيح الفرصة أمامه ليعبّر عن رأيه وعن رغباته وأفكاره، كما عليك أن تعزز ثقته بنفسه والتقليل من حدّة وصرامة الأوامر والنواهي التي توجهها له، وذلك بغية مساعدته على تحقيق ذاته وعدم خلق شخصية مذعنة تتلقى الأوامر دائماً وتلتزم بقرارات الآخرين دون المشاركة في صنعها.
  • الطفل يقلدك، استغل ذلك إيجابيا: ولتحقيق معيار الشخصية الملتزمة بالعادات الاجتماعية والصحية المرغوبة دائماً؛ كالنظام والترتيب والنظافة الشخصية وحتى آداب الحديث والطعام والمظهر اللائق، فالتقليد هو طريقك الأقصر نحو تحقيق هذه الغاية، ومن هنا تبدو ضرورة التزام المحيطين بطفلك؛ كالوالدين والأخوة وحتى المعلمين والأقران بهذه العادات، فجميع هؤلاء ينظر إليهم الطفل كقدوة ويسعى لتقليدهم وتقمص الكثير من صفاتهم.
  • أشرك طفلك اجتماعيا: وإذا كان المعيار هو بناء شخصية متعاونة قادرة على المشاركة وبناء العلاقات الاجتماعية والصداقات وتتمتع بالتعاطف والمشاركة الوجدانية مع الآخرين؛ فهنا عليك أن تتيح له الفرصة لأن يلعب وخاصة مع الأقران، كالألعاب التي تتطلب منه تكوين الصداقات والبعد عن الأنانية والتعاون، كما يمكن أن تعوده على الذهاب معك في المناسبات والزيارات العائلية والأصدقاء أيضاً وإذا كانت الفرصة متاحة يمكن أن تصطحبه إلى مكان عملك وتعرفه بزملائك،  فبذلك تعوده على لقاء الغرباء والتعامل معهم والتعرف والتقرّب إليهم وذلك حتى لا يكبر مع شخصية خجولة أو انطوائية انعزالية بعيدة عن المجتمع.
  • اهتم بغذاء طفلك: وأخيراً وليس آخراً، عندما يكون المعيار هو الشخصية التي تتمتع بصحة جيدة وسلامة عضوية وجسدية؛ فبهذه الحالة يجب عليك العناية بالبيئة المحيطة لطفلك والغذاء الذي تقدمه له والمسكن الجيد من ناحية التهوية ودخول الشمس له والأجواء النقية غير الملوثة، وهنا تجدر الإشارة أيضا لأهمية أن تعتني الأم الحامل بصحتها وغذائها والابتعاد عن تناول العقاقير المخدرة أو المنبهة وحتى التدخين أو شرب الكحول، كما يجب أن تنتبهي لحالتك النفسية فجنينك يسمع دقات قلبك ومن يدري ربما يعدّها ويقرأ من خلالها وضعك النفسي، وينعكس هذا الوضع على حالته النفسية وبالتالي على شخصيته ومشاعره بعد الولادة.

في النهاية.. تناولت هذه الدراسة، المعنى العام للشخصية الإنسانية والمراحل التي تتكون من خلالها وأهمية الطفولة كمرحلة مصيرية في تشكيل الإنسان لشخصيته وتكوينه لذاته، كما تناولت أيضاً العوامل التي تؤثر في صياغة هذه الشخصية بجميع مستوياتها الفطرية أولاً ثم الوراثية فالبيئية وأخيراً الاجتماعية، بالإضافة إلى الاضطرابات والأمراض التي قد تصيب بعض الشخصيات، وأخيراً.. كيف يمكن للوالدين والمجتمع مساعدة أطفالهم على تكوين شخصياتهم وفق أعلى مستوى ممكن بلوغه من التوازن النفسي والاجتماعي.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر