معاقبة الطفل.. ما الآليات الصحيحة لتأديبه

كيف يستطيع الآباء معاقبة أطفالهم بطريقة صحيحة؟ وما الأسباب التي تدفعهم لذلك؟ أمثلة توضيحية لطرق التعامل مع أخطاء الطفل

الكاتب:
تاريخ النشر: 17/07/2016
آخر تحديث: 19/07/2016
قد يعطي العقاب القاسي ردود فعل عكسية، لذا فعليك أن تكون حذرا في اختيار العقوبة المناسبة

ليس الآباء دائماً على حق في تصرفاتهم مع أطفالهم، وليس كل خطأ قد يرتكبه الطفل يستدعي عقابه، فهناك ما يستحق العقاب وهناك ما يستحق الثواب أيضاً؛ ومن خلال هذا المقال سنتعرف على بعض السلوكيات التي تساعد الأهل في تربية أبنائهم للوقاية من وقوعهم في الخطأ، وعلى العقوبات التي من الممكن اتباعها مع الطفل في حال ارتكب خطأً يستحق العقاب مع أمثلة توضح ذلك.

أياً كان عمر طفلك، كونك مسؤولا عنه؛ عليك أن تراقب تصرفاته وتقوم بإصلاح الخاطئة منها وعدم التهاون معها عندما يتعلق الأمر بالتأديب، لكن بالتوازي مع هذه الحالة ينبغي عليك اختيار طرق صحيحة من شأنها أن تقوّم سلوك الطفل لا أن تقيّده، فإذا لم يطبق الأهل القواعد والمبادئ الصحيحة في التربية لن يحصدوا نتائجاً إيجابية في سلوك أطفالهم.

بعض الاستراتيجيات الصحيحة لمساعدة الآباء في تأديب أطفالهم

هناك بعض القواعد التي يمكنك اتباعها أثناء تربية طفلك، والتي قد تساعدك على انتهاج أساليب مختلفة في التعامل معه سواء قبل قيامه بالأمر الخاطئ من مبدأ "الوقاية من ذلك السلوك" أو حتى بعد قيامه به من مبدأ "تقويم ذلك السلوك"، ومن هذه الاستراتيجيات:

  1. وضع معايير محددة لأفعال الأطفال، كالاتفاق على نظام يومي يقوم به الطفل، مثالٌ على ذلك تحديد ساعات النوم واللعب والطعام ومشاهدة التلفاز والنشاطات الأخرى، فكل ذلك يساعد طفلك على معرفة وتنسيق حدود سلوكه وتصرفاته وتنظيم حياته اليومية.
  2. محاولة أن تشرح لطفلك الأمور الجيدة من السيئة خلال الحياة اليومية، فمثلاً تستطيع أن تشرح له أنك قد حرقت يدك أثناء إشعال النار وتألمت، فمن شأن هذه الجملة أن تُحدث أثراً في نفس الطفل تجعله حذر الاقتراب من النار حتى لا يؤذي نفسه.
  3. محاولة إيجاد حلول مناسبة للمشاكل التي قد يتعرض لها طفلك أياً كان نوعها (مادية، جسدية، نفسية)، فمثلاً إذا كان لدى طفلك صعوبة في النطق سوف يشعر أحياناً بعقدة النقص؛ مما يجعله متوتراً في أغلب الأوقات ويغضب سريعاً من أبسط الأمور، وقد يفرّغ طاقته تلك عن طريق التمرد على الأهل ورفضه لنصائحهم، لذلك يجب عليك في هذه الحالة أن تقوم بحل المشكلة التي يعاني منها جذرياً وعدم تجاوزها والتهاون بها.
  4.  عندما تجد صعوبة في مواجهة أمر ما أثناء تربيتك لطفلك عليك استشارة طبيب مختص كي يساعدك على فهم ما إذا كانت تصرفات الطفل طبيعية أو أن سلوكه يحتاج إلى تقويم عبر أساليب معينة.
  5. لا ضرر من الاستفادة من تجارب الآخرين، تستطيع الاجتماع مع أهالي أطفال آخرين من معارفك أو أصدقائك وتتناقش معهم حول ما إذا كانوا أطفالهم يقومون بذات التصرفات التي يقوم بها طفلك، وأن تستفسر عن الأسلوب الجيد للتعامل مع مشاكلك معه.
  6. من الجميل أن تنضم إلى مواقع التواصل الاجتماعي والتي قد تحمل موضوعات مهمة بشأن تربية الأطفال وتتحدث عن تجارب الآخرين بهذا الخصوص، فتغني نفسك بالمعرفة من خبراتهم، ولكن احرص على التاكد من أن المحتوى الذي تتابعه مقدم من قبل مختصين.
  7. مكافأة السلوك الجيد أمر مهم جداً، مهمتك في التربية الصحيحة للطفل لا تقتصر على معاقبته على أخطائه، بل وإثابته على تصرفاته الجيدة، فتقول الطبيبة ميسون تيرنر (Mason Turner)، رئيس فريق الطب النفسي في المركز الطبي كايسر (Kaiser)، في سان فرانسيسكو "ستكون نتائج التربية أفضل في حال كان التعزيز النفسي الإيجابي لطفلك أكثر من العتاب والانتقاد وإلحاق العقاب به بشكل مستمر، لكن هذا لا يعني أن عليك أن تقدم الشوكولا له في كل مرة ينظف فيها غرفته، فسيصبح ذلك وسيلة بالنسبة له لكي يحصل على الشوكولا مستغلاً قبولك لتصرفه".
  8. إظهار الاهتمام لطفلك عند النقاش أو عندما يتكلم، فمن الأفضل أن تخوض معه في الحديث وقد يساعدك ذلك على فهم ما يريده الطفل، عندما يبدأ الطفل في شرح وجهة نظره في التصرف عليك أن تعيره انتباهك وأن تنظر في عينيه وتبين له أنك مهتم بالحديث معه، وعندما يقول لك "هذا ليس عدلاً، كل أصدقائي يملكون هذه اللعبة وأنت لا تعطيني إياها" يفضل أن تقول له "أعرف ذلك ولكن ....." وتشرح عندها الأسباب التي منعتك من شراء تلك اللعبة ووجهة نظرك فيها بكل وضوح وهدوء حتى يقتنع بكلامك.
  9. حافظ على هدوئك، إن الهدوء عند وقوع التصرف الخاطئ من قبل طفلك سوف يساعدك على تجنب الغضب السريع وفقدان الأعصاب، فتفكر حينها بالنقاش الواجب عليك أن تبدأه مع الطفل وبالعقوبة المناسبة له.
  10. شئت أم أبيت، طفلك سوف يقلدك فأنت تمثل القدوة الأولى بالنسبة له، وسوف يلجأ إلى تقليدك مثلاً في طريقة تناولك للطعام، أو حتى طريقة حديثك مع الآخرين؛ لهذا من المهم أن تنتبه لتصرفاتك أنت قبل أن تقوم بانتقاد الطفل على تصرفاته.

اختلاف طريقة العقاب باختلاف العمر

لا شك أنه في حال قام الطفل بعمل سيء يجب معاقبته، لكن تختلف أساليب عقاب الطفل حسب عمره، فلكلٍ حدوده ومجالاته، من المؤكد أن عقاب طفل ذو ثلاث سنوات سوف لن يكون بالدرجة نفسها من عقاب طفل ذي عشر سنوات، لهذا يرجح أن تتبع هذه النصائح عند إقدامك على قرار معاقبة طفلك بعد قيامه بالسلوك الخاطئ:

من عمر الشهر لعمر السنتين

أي الأطفال الرضّع والصغار؛ لا شك بأن إلحاق العقاب بأطفال هذا السن يعتبر ضرباً من الجنون، فأنت لا تستطيع أن تشرح وجهة نظرك حول الأذى الذي سوف يلحق بالطفل في هذا العمر عند قيامه بفعل مؤذي، لأنه وبكل بساطة لا يدرك بتاتاً ما يجري حوله، لهذا تكون مسؤوليتك في هذه الحالة هي اتباع أساليب الوقاية من الأذى، فمثلاً من الجيد أن تبعد عن الطفل الأجهزة الكهربائية والإلكترونية والأدوية ومواد التنظيف بالإضافة إلى القطع الصغيرة التي يمكن للطفل أن يلتقطها بسهولة.

وبشكل خاص عندما يبدأ الطفل بمرحلة الحبو (الزحف) فهنا لا تكون مهمتك فقط إبعاد تلك الأشياء عنه، بل مراقبته باستمرار حتى لا يؤذي نفسه سواء بالسقوط من على السرير أو وضع أصابعه في مقابس الكهرباء؛ أما عندما يتجاوز الطفل عمر السنة ويصبح قادراً على الإدراك والاستيعاب قليلاً وبعد أن يجرب الوقوف على قدميه ويمشي سوف تتكون لديه رغبة في اكتشاف ما حوله، هنا عليك الاستمرار في المراقبة، وإن قام بالسلوك الخاطئ عليك ألا تقوم بضربه أو الصراخ عليه أو حتى صفعه، يجب أن تكتفي بمحاولة إيصال فكرة السلوك الخاطئ له.

فمثلاُ إذا قام الطفل برمي الطعام على الأرض، يمكنك أن تنظف المكان جيداً وتقول له هذا الأمر ليس بجيد وتساعده على استخدام الطبق بالطريقة الصحيحة؛ أي إن أي عقاب بدني سوف تلحقه بالطفل في هذا العمر لن يجعله يشعر إلا بألم الصفعة فقط، ولن يُحدث ذلك بنفسه أي إدراك للأسباب التي دفعتك إلى ضربه أو الصراخ عليه.

من عمر 3 إلى 5 سنوات

في هذا السن ينمو طفلك ويصبح قادراً على فهم العلاقة بين الفعل ونتائج الفعل، لهذا عندما يتصرف طفلك أي تصرف خاطئ ومزعج لأول مرة يجب عليك أن تشرح له لماذا هذا التصرف سيء وضار، وكيف أن هذا الفعل سوف يسبب نتائج سلبية، مثال: قد يستخدم الطفل في هذا العمر الطباشير الملونة في الرسم على الجدران، هنا يجب عليك ألا تغضب وتنبهه أن هذا الفعل غير مقبول وأنه سوف يسبب تلوث الجدار إضافة إلى تلوث يديه بالتالي انتقال الأمراض والجراثيم في حال وضعها في فمه، ويستدعي ذلك منك أن تجلب ورقة وتقدمها لطفلك وتبين له أن الطباشير تستخدم للرسم على الورقة وليس على الجدران.

من عمر 6 إلى 8 سنوات

أهم شيء يجب أن تنتبه له في هذه المرحلة العمرية هي ألا تهدد طفلك بعقوبات كبيرة، كأن تقول له إن فعلت هذا مرة أخرى سوف أضربك ضرباً مبرحاً، لأن هذا القول من شأنه أن يخلق شعور الخوف من القيام بهذا الأمر دون أن يقتنع بأن هذا الأمر خاطئ أساساً، إضافة  أنك عندما تلاحظ أن الطفل قد ارتكب الخطأ مرة أخرى غير آبهٍ بالتنبيهات والتهديدات السابقة، عليك أن تنفذ تهديداتك ولا تتجاوزها، فما إن تجاوزتها مرة حتى يظن الطفل أنك ستتجاوزها في كل مرة فيكررها مراراً.

من عمر 9 لعمر 13 سنة

إن الأطفال في هذا العمر يتطلبون المزيد من الاستقلالية وتحمل المسؤولية بأنفسهم، فنراهم يعرضون خدماتهم على الأهل؛ مثل أن يطلب الطفل من أمه "دعيني أجلب لك هذا الشيء بنفسي.. دعيني أساعدك في أعمال المنزل"، في هذه الحالة على الأهل ألا يرفضوا تلك الخدمات بالمطلق، ومن الجيد أن يقبلوا بالعروض التعاونية من قبل الأطفال، أما عن العقوبات فتقتصر في هذه المرحلة على ترك الطفل يتعلم من خطأه بنفسه والاكتفاء بتنبيهه وتقديم النصيحة له، وما إن يقع الخطأ حتى تقول للطفل "أرأيت؟ هذا الفعل قد سبب لك المتاعب يجب أن تمتنع عنه".

أثر العقوبات القاسية على الأطفال

إن الكثير من الآباء والأمهات قد يقدموا على معاقبة الطفل بطريقة قاسية ومبالغ فيها في لحظة غضب من تصرفه السيء، تعد العقوبة القاسية في لحظة الغضب أكبر فخ قد يقع فيه الأهل بخصوص التربية الصحيحة؛ حيث يكون تركيزهم الأولي عند وقوع المشكلة هو كيفية معاقبة الطفل لا على كيفية تعليمه الفعل الصحيح، فنجد الكثير من الأهالي يلجؤون إلى ضرب الطفل وتعنيفه وشتمه بعبارات قاسية إضافة إلى حبسه في الغرفة أحياناً، يجب التنويه إلى أن مثل هذه الأفعال لن تجدِ نفعاً مع تربية طفلك، بل سوف تزيد من المشاكل لتخلق لديه آثاراً سلبية على المدى الطويل ومنها:

  • السلوك المنحرف: بينت دراسة لوزارة التربية في المملكة المتحدة عام 2011، أن الأطفال الذين يتعرضون للتعنيف والعقوبات القاسية من قبل أهاليهم من الممكن أن تظهر لديهم تصرفات وسلوكيات منحرفة مستقبلاً، فقد يؤدي بهم الأمر إلى تعاطي المخدرات أو الكحول إضافة إلى إمكانية تمردهم على المجتمع.
  • الاكتئاب: هناك علاقة ترابطية بين علاقة الأهل مع طفلهم واكتئابه، فكلما كانت العلاقة بين الطفل وأبويه علاقة إيجابية كلما كانت نسبة الاكتئاب لديه قليلة، وإن العقاب البدني والقاسي بحق الطفل من الممكن أن يخلق لديه مشاعراً سلبية تسبب له نقصاً في الدعم العاطفي والنفسي.
  • العدوانية: عند تعرض الطفل إلى العقوبات القاسية سوف يؤثر ذلك على ردود أفعاله، ويقوم بتقليد أبويه في العدوانية بحقه فيظهر سلوكاً عدوانياً عند تعرضه لمواقف تستدعي الغضب ليفرغ غضبه بشكل متسرع ومبالغ فيه.

أخيراً، نجد أن موضوع تربية الطفل بالشكل الصحيح ليس بالأمر السهل، لكنه ليس بالأمر المستحيل أيضاً؛ فدراسة الموضوع من جميع جوانبه والتخطيط له بشكل متناسق من جميع أبعاده سوف يصل بك إلى نتائج جيدة بالرغم من كل المتاعب التي قد تتعرض لها.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر