تشي جيفارا.. الأسطورة والقدوة

بشعره الأشعث الطويل.. والسيجار الذي لا يفارقه.. وزيّه العسكري زيتوني اللون.. جيفارا كان ثائراً لا يعرف الهدوء

الكاتب:
تاريخ النشر: 26/06/2016
آخر تحديث: 26/06/2016
عرف بمحاربة الظلم وتصديه للامبريالية ولم تشب مسيرته بعض الانتقادات

"إذا فرضت على الإنسان ظروف غير إنسانية ولم يتمرد؛ سوف يفقد إنسانيته شيئاً فشيئاً".

"  إرنستو تشي جيفارا".

نصير الفقراء، البطل اليساري الرومانسي، زعيم حرب العصابات، معادي الإمبريالية، شخصية الشيوعي البارز.. جميعها ألقاب أطلقت على جيفارا واصفةً جزءاً من طباعه ومواقفه، وصفه رئيس جنوب إفريقيا نيلسون مانديلا (Nelson Mandela)، بأنه مصدر إلهام لكل إنسان يحب الحرية، ووصفه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (Jean Paul Sartre)، "جيفارا ليس مجرد إنسان مثقف، إنه أكمل إنسان في عصرنا".

حياة جيفارا الشخصية

ولد أرنستو جيفارا دي لاسيرنا (Ernesto Guevara de La Serna)، في مدينة روزاريو (Rosario) في الأرجنتين بتاريخ 14حزيران/يونيو في عام 1928، لعائلة ميسورة الحال ذات جذور أرستقراطية لكن بأفكار اشتراكية.

في عام 1937 التحق جيفارا بالصف الثالث في المرحلة الابتدائية في عمر 9 سنوات، وكان منجذباً للحرب الأهلية الإسبانية ومتابعا لأحداثها، وبعد عشر سنوات من ذلك أي في عام 1947 التقى جيفارا بالشابة بيرتا غيلدا إنفانتي (Berta Gilda Infante)، والمعروفة أيضاً باسم تيتا؛ وكانت تيتا عضو في حزب الشباب الشيوعي في الأرجنتين، وقد تعززت صداقتهما بشكل كبير لتشمل المبادلة في قراءة النصوص الماركسية ومناقشة الفعاليات الخاصة بذلك.

في عام 1948 كان جيفارا أتمّ العشرين سنة من عمره، والتحق بجامعة بوينس آيرس (Buenos Aires) لدراسة الطب، وبدأ بدراسته مهتماً بالبحث والتعمق في دراسات لمعالجة مرض الربو الذي كان مصاباً به، وقد بدأت أولى رحلاته في عام 1950 على دراجة هوائية ليصل إلى سان فرانسيسكو (San Francisco)، مجتازاً المحافظات الشمالية من الأرجنتين ليلتقي بصديقه ألبرتو غرانادو (Alberto Granado)، الذي يعمل في مستوصف هناك ويهتم بالبحوث العلمية لأمراض الحساسية والربو.

تزوج جيفارا مرتين، كانت زوجته الأولى تدعى إيلدا جاديا (Hilda Gadea)، وزوجته الثانية أليدا مارش (Aleida March)، التي أنجب منها ابنته أليدا تشي جيفارا (Alieda Che Guevara)، وقد كانت أليدا مارش عضواً في الجيش الكوبي وتزوجت بجيفارا عام 1959 وأقاما الحفل في بلدة وترارا القريبة من منتجع هافانا؛ وقد أنجبت طفلته أليدا جيفارا عام 1960، الطفلة التي حذت حذو أبيها ودرست الطب واتبعت الفكر الماركسي، والتي اعتبرت أبيها مصدر إلهامها، معجبةً بقدرته على التضحية بنفسه من أجل الآخرين، وبالرغم من أن عمرها كان سبع سنوات عندما أُعدم أبيها في بوليفيا، إلا أنها لا تنسى ذكرياتها معه، وما زالت أليدا جيفارا تعيش في كوبا ضمن أسرة مؤلفة من زوجها وولديها إستيفانيا (Estefania)، وسيليا (Celia).

رحلة تشي جيفارا عبر أميركا الجنوبية

قرر جيفارا في تشرين الأول/أكتوبر في عام 1952 أن يجوب أمريكا اللاتينية جنباً إلى جنب مع صديقه ألبيرتو على دراجة نارية، والتقى في 1 أيار/مايو في بلدة ليما (Lima)؛ بالطبيب هوغو بيسي (Hugo Pecse)، (وهو طبيب ومدير برنامج الجذام الوطني، بالإضافة إلى أنه من أتباع الماركسية)، وناقش معه أفكار الماركسية حتى باتت هذه الأفكار تحتل الجزء الأكبر من تفكير جيفارا تجاه الحياة والمجتمع.

وبعد عدة أيام زار جيفارا غابات الأمازون في البيرو وقد لاحظ حياة البؤس التي يعيشها الناس هناك من قلة طعام، وسوء تغذية، وفساد الدواء، ومن ثم غادر الأمازون إلى كراكاس ومنها قرر العودة إلى بوينس آيرس لإنهاء دراسته في العلوم الطبية مؤمناً بأن الحل الوحيد لمحاربة تلك الصعوبات التي يعيشها المواطنون في تلك المناطق التي زارها هي الثورة العالمية.

بداية النشاط الثوري لدى جيفارا

أنهى جيفارا دراسته في وقت مبكر في عام 1953، ومن ثم بدأت أفكاره تتبلور ساخطاً على الولايات المتحدة بسبب هيمنتها الرأسمالية على الشعوب الأخرى التي تعيش البؤس، وكان جيفارا يصف الولايات المتحدة آنذاك بأخطبوط الرأسمالية، وبدأت ميوله تحمل فتيل ثورة كبرى ضدها، فقام بالذهاب إلى نيكارغوا وهندوراس والسلفادور، وأخيراً إلى غواتيمالا حيث كان الضابط جاكوبو أربينز (Jacobo Arbenz) يقود عملية ثورية هناك؛ وعندها وجد جيفارا هدفه، وشهد جيفارا قصف الطائرات الأمريكية للمنشآت والأحياء الشعبية في غواتيمالا بأم عينه.

في عام 1955 عمل جيفارا كطبيب في مستشفى مكسيكو سيتي (Mexico City)، إلى أن التقى براؤول كاسترو (Raul Castro) الذي أصبح صديقه المقرب وزميل النقاش في السياسة الدولية، وبعدها تعرف على فيديل كاسترو (Fidel Castro) الأخ الأكبر لراؤول؛ الذي كان مسلّماً بالماركسية اللينينية والذي نال إعجاب جيفارا بشكل كبير حتى انضم إلى حركته مع أخوه راؤول وهي (حركة 26 يوليو)، للإطاحة بحكم الديكتاتور باتيستا (Fulgencio Batista) في كوبا.

وفي 3 تموز/ يوليو أصدرت الحكومة الكوبية قراراً بترحيل إرنستو جيفارا إلى وطنه الأم الأرجنتين بسبب مؤامرته ضد الحكومة الكوبية، لكن جيفارا لم يستسلم حينها وواصل نشاطه الثوري ولكن بسرية تامة.

ثورة جيفارا في كوبا مع صديقه فيديل كاسترو

كانت الحياة في كوبا عام 1957 جيدة بالنسبة إلى نخبة المجتمع في ظل نظام الرئيس باتيستا، لكن مستوى حياة تلك الأقلية المرتفع كان قد تحقق على حساب بؤس الكثيرين، فقد كان نظام باتيستا وحشياً وقمعياً وفاسداً لدرجة أن حوالي 50% من الناتج المحلي الإجمالي؛ كان مهدوراً بسبب الفساد الذي عمّ البلاد حينها.

زحف جيفارا مع صديقه فيديل إلى كوبا في كانون الثاني/يناير في عام 1957، مع عدة أشخاص يرافقوهما من جبال سييرا مايسترا لتحرير كوبا، وخاضا حرب عصابات استمرت سنتين مع نظام باتيستا الذي كان مسلحاً من قبل الولايات المتحدة، وقد لاقت ثورة جيفارا في كوبا تأييداً كبيراً من الكوبيين، وبالرغم من موت العديد من رجال جيفارا إلا أن العديد من الكوبيين كانوا قد انضموا للثورة؛ وبخاصة عند تحرير الثوار لسانتا كلارا مما دفع باتيستا إلى الفرار من هافانا إلى البرتغال، وبذلك استولى جيفارا مع رفاقه على العاصمة هافانا بعد أن خاضوا أعنف المعارك وبذلوا أسمى التضحيات نصرةً لقضيتهم، وقد ابتهج الكوبيون احتفالاً بوصول تشي جيفارا وصديقه إلى كوبا، فكانت هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها دولة من أمريكا اللاتينية خاضعة للوصاية الأمريكية بشق طريق منفصل عنها.

نالت حركة 26 يوليو النصر ضد باتيستا، وتولى كاسترو الحكم في كوبا بعد الإطاحة بالنظام الديكتاتوري، وترأس جيفارا البنك الوطني لكوبا بعد أن حصل على الجنسية الكوبية في 9 شباط/فبراير عام 1959، ثم أصبح وزيراً للصناعة بعد ثلاث سنوات؛ وساعد على تحول العلاقات التجارية في البلاد من الولايات المتحدة إلى الاتحاد السوفياتي، ونفذ خططاً لإعادة توزيع الأراضي وتأميم الصناعة هناك، إذ ترأس جيفارا وفداً رسمياً لزيارة عدد من البلدان عام 1959، منها دولة الإمارات العربية المتحدة وسوريا ومصر حيث التقى بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ثم ذهب إلى الهند وتايلاند واليابان وإندونيسيا وباكستان.

في نهاية عام 1960 فرضت الولايات المتحدة الأمريكية حصارها الكامل على كوبا، وترأس جيفارا وفداً كوبياً رسمياً في جولة إلى دول اشتراكية مختلفة كالاتحاد السوفياتي وشرق أوروبا والصين إضافة إلى كوريا الشمالية، وبعد سنة من ذلك أي في عام 1961 كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع كوبا.

خليج الخنازير

في 17 نيسان/أبريل في عام 1961 قامت الولايات المتحدة الأمريكية بقصف خليج الخنازير في كوبا، مما سبب اشتباكات عنيفة مع الثوريين ومنهم تشي جيفارا قبالة الساحل الغربي لبينار دل ريو (Pinar Del Rio)، وانتهى الاشتباك بفوز الثوريين بالرغم من قلة عددهم بالمقارنة مع إمكانيات الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي آب/أغسطس من نفس العام أرسل تشي جيفارا رسالة امتنان للرئيس الأمريكي جون كينيدي (John Kennedy)، إثر الغزو الأمريكي لخليج الخنازير عن طريق ريتشارد غودوين (Richard Goodwin)، الذي يعمل لصالح البيت الأبيض، ذاكراً برسالته: "شكراً لما فعلتم في خليج الخنازير، قبيل هذا الغزو كان الثوار غير واثقين من أنفسهم، ولكنهم الآن أقوى من أي وقت مضى".

تخلي عن المناصب وتصدير للثورة

بعد اغتيال رئيس وزراء الكونغو في إفريقيا، كذلك احتكار الولايات المتحدة الأمريكية للمواد الخام الاستراتيجية هناك من نحاس ومعادن مشعة، بدأ جيفارا بدراسة الوضع من جميع جوانبه لقيادة ثورة ضد الولايات المتحدة الأمريكية في إفريقيا، وفي عام 1965 وصل تشي جيفارا إلى برازافيل ليبدأ رحلته الإفريقية الرسمية ملتقياً مع الأفارقة الثوريين ليتفقوا أن الإمبريالية هي عدوهم المشترك، ومنها ذهب في زيارة لـ غانا وغينيا وداهومي والجزائر.

وبعدها عاد تشي جيفارا إلى هافانا في عام 1965 مقرراً أن يغادر المناصب التي تولاها سابقاً في كوبا، ليتفرّغ إلى تصدير أفكار الثورة الكوبية إلى أجزاء أخرى من العالم.

ثورة جيفارا البوليفية ووفاته

عندما عاد جيفارا إلى هافانا، عقد اجتماعات سرية مع صديقه فيديل كاسترو لمناقشة موضوع بوليفيا استعداداً لمهمة جديدة فيها، وبالرغم من أن كاسترو كان يحذّر جيفارا من هذه العملية بسبب قوة المخابرات البوليفية، إلا أن جيفارا أصرّ على موقفه، فوصل إلى بوليفيا في 3 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1966، وبدأ يخطط لتجنيد الرفاق للبدء بالثورة البوليفية ضد حكومة رينيه بارينتوس (Rene Barrientos)، لكن عدد الرفاق المجندين لم يتجاوز 21 ثوريّاً، 2 من بوليفيا و 16 من كوبا و3 من البيرو؛ حيث كان حشد الفلاحين والمزارعين البوليفيين أصعب بكثير مما اعتقد جيفارا، فكانوا سلبيين لدرجة كبيرة ولم ينضموا إليه.

في المقابل زودت الولايات المتحدة الأمريكية الجيش البوليفي بالأسلحة والعتاد والمستشارين العسكريين، وبعد حرب العصابات التي حصلت بين الطرفين وقع تشي جيفارا مع اثنين من رفاقه في كمين للجيش البوليفي في بلدة لاهيجيرا (La Higuera) في 9 تشرين الأول/أكتوبر في عام 1967، واستُدعي العقيد البوليفي الذي يعمل لصالح الاستخبارات المركزية على الفور بطائرة هيلوكوبتر ليقرر إعدام جيفارا بالرصاص، فطلب الضابط المسؤول من الشخص المكلف بذلك بإطلاق الرصاص على جيفارا، وعندما رآه جيفارا خاطبه قائلاً:

"أعلم أنك هنا لقتلي، أطلق النار أيها الجبان فأنت لن تقوم بشيء سوى قتل رجل واحد"، وعندما أطلق هذا الجندي البوليفي النار على جيفارا كان يلعب دوراً مهماً في صنع أسطورة تاريخية وهو لا يعلم ذلك، وأُعدم جيفارا حينها تاركاً ورائه حزن غيابه بين صفوف ثوار العالم المتمردين، ودُفنت جثته في مكان سري من قبل الجيش البوليفي؛ حتى لا يتمّ استقطاب الثوار  في جميع أنحاء العالم لزيارة قبره، ولكن في عام 1997 تم اكتشاف رفاته من قبل خبراء كوبيين في مدينة فاليغراندي (Valley Grande) في الولايات المتحدة، ليتم نقلها وإعادة دفنها في مدينة سانتا كلارا في كوبا.

حياة جيفارا في الكتب والأفلام

ما تزال حياة جيفارا موضع اهتمام الكثيرين في العالم، يتم إعادة استكشافها وتصويرها في العديد من الكتب والأفلام بما في ذلك فيلم "تشي جيفارا" (Che Guevara)، الذي يتحدث عن حياة جيفارا؛ بطولة الممثل بينيشيو ديل تورو (Benicio Del Toro)، وإخراج ستيفن سودربرغ (Steven Sodarbergh)، بجزأيه الأول والثاني والذي أنتج في عام 2008، وهناك فيلم "مذكرات دراجة نارية" (Motorcycle Diaries)، الذي يتحدث عن رحلة جيفارا مع صديقه ألبيرتو غرانادو عبر أميركا اللاتينية وبداية طريقه الثوري، بطولة الممثلان غايل غارسيا برنال (Gael Garcia Bernal)، ورودريغو دي لا سيرنا (Rodrego De La Serna)، وإخراج والتر ساليس (Walter Salles).

أخيراً.. يبقى جيفارا أيقونة تتجسد في عقول المتمردين على الظلم حول العالم، كان قائداً متعاوناً مع رفاقه فلم يكن يقول "افعلوا هذا" بل قال "سنفعل هذا"، ونجد صورة جيفارا تزين عملة البيزو الكوبي فئة ال 3 بيزو، كما أن أطفال مدارس كوبا يبدؤون صباحهم بتعهد "سنكون مثل تشي"، أما في بلده الأصلي الأرجنتين نجد العديد من المدارس التي تحمل اسمه، كما أن هناك تمثال من البرونز لجيفارا في مسقط رأسه روزاريو، إضافة لانتشار شخصيته عالمياً وانجذاب الكثيرين له ولدوره في التصدي للظلم.. لقد مثلت الثورة الكوبية التي قام بها جيفارا المرة الأولى التي نهض فيها الناس وتصدوا للاستعمار الأمريكي، مما شكل إلهاماً كبيراً للشعوب الأخرى التي تتعرض للاستعمار والهيمنة..

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر