العملة الإلكترونية (Bitcoin)

ما المقصود بالعملة الالكترونية أو العملة الافتراضية، وكيف يمكن أن يكون هناك عملة بدون مصرف مركزي يدير عملية إصدارها

الكاتب:
تاريخ النشر: 23/07/2016
آخر تحديث: 07/08/2016
التعامل بالعملة الالكترونية يتطلب قدرا من المعرفة التقنية ويحتوي على مخاطر كبيرة

منذ أن تم اختراع العملة كوسيط للتبادل التجاري، كانت حمايتها من السرقة وتأمين سهولة نقلها أمرين أساسيين شغلا بال المجتمعات والحكومات لفترة طويلة، وبينما حلت المصارف مشكلة أمن المال وحمايته من السرقة بشكل فعال منذ عدة قرون، إلا أنه لم يتم تسهيل نقل المال بفاعلية حتى السنوات الأخيرة مع اختراع البطاقات الائتمانية مثل Visa Card و Master Card وبداية المصارف الإلكترونية مثل PayPal و Skrill وغيرها لاحقاً.

المشكلة الوحيدة الباقية تكمن في الفوائد العالية التي تتقاضاها البنوك وشركات التحويل لنقل الأموال، والحل أتى عن طريق عملة مبتكرة بشكل جديد كلياً هي Bitcoin.

العملة غير الورقية أو العملة الالكترونية هي نوع جديد من العملات (بدأ مع Bitcoin عام 2009) يختلف بشكل كبير عن العملات التقليدية؛ فبينما تعتمد العملات التقليدية على رصيد من الذهب أو على قوة اقتصادية وثقة بوعود الحكومة بالإضافة لكونها صادرة عن بنك مركزي، فالعملة غير الورقية لا تحقق أياً من هذا.

حيث تعتمد العملة الإلكترونية على الطلب عليها ومحدودية إنتاجها لإعطائها قيمتها، فلا يوجد مخزون ذهبي أو قوة اقتصادية أو وعود حكومية خلفها! إضافة لذلك فهي لا تصدر عن بنك مركزي وقرارات بشرية بل تصدر بشكل مبرمج من خوارزميات محمولة على خوادم (Servers) هي المسؤولة عن تنظيم إصدارها المحدود والتعاملات عبرها أي يتم التداول بها عن طريق الإنترنت فقط.

فكرة العلمة الإلكترونية وبدايتها

بدأت الفكرة من ورقة بحثية قدمها مبرمج مجهول يستخدم الاسم الوهمي "ساتوشي ناكاموتو" (Satoshi Nakamoto)، شرح ناكاموتو الفكرة وآلية العملة الإلكترونية والتعامل بها في الورقة البحثية التي أرسلها إلى مجموعة بريدية عام 2008، وبحلول عام 2009 تم إصدار البرمجية التي قدمها ناكاموتو وكانت مفتوحة المصدر (أي أنها قابلة للتعديل والتطوير من قبل المبرمجين والمطورين بشكل حر) وبدأت العملة بقيمة بدائية حوالي 1 سنت (0.01 دولار أمريكي) لكل Bitcoin (عملة إلكترونية)، ليتزايد سعر التداول ويصل حده الأعلى حتى الآن (حوالي 1230 دولار أمريكي) عام 2013، بينما يبلغ سعر التداول الحالي حوالي 600 دولار أمريكي لكنه متذبذب بشدة ومن الممكن أن ينخفض أو يرتفع بشكل حاد في أي وقت.

كما ادعى العديدين بأنهم أصحاب شخصية ساتوشي ناكوموتو الوهمية، إلا أن أحدهم لم يقدم أدلة قاطعة على ذلك حتى هذه اللحظة، ليبقى الشخص الحقيقي وراء هذه الورقة البحثية مجهولا إلى اللحظة.

كيف تتم التعاملات بـ Bitcoin؟

تتم التبادلات التجارية العادية عن طريق سجلات البنك التي تسجل رصيد العميل وصفقاته وعمليات التحويل من وإلى حسابه، وتحفظ هذه السجلات بشكل مركزي لكل بنك الذي يقوم بالتحقق منها بشكل مستمر وتحت إشراف كادر بشري ومقارنة مستمرة بالسجلات غير الإلكترونية للتأكد من عدم وجود اختلاس إلكتروني.

في الجهة المقابلة.. عدم امتلاك العملة الإلكترونية لسجلات مركزية ونسخ ورقية أو إشراف بشري على التعاملات يجعلها تحتاج طريقة مختلفة؛ تتمثل باستخدام ما يسمى بسلاسل الكتل (Block Chains) حيث تتكون السلاسل من كتل متعددة تحمل كل منها نسخةً من قاعدة بيانات العمليات وخوارزميات عمل التبادل، عند القيام بعملية تحويل عبر الإنترنت يتم مقارنة المفتاح الخاص (المعرف بشكل مستقل لكل مستخدم ويعتبر مقابلاً لرقم الحساب البنكي والرقم السري PIN) بالمفتاح العام، من ثم يجب أن تتم الموافقة على عملية التحويل من قبل كتلة (سجل حسابات) تؤكد وجود الرصيد المطلوب تحويله في الحسابات المرسلة، يتم إعادة التأكد بشكل متتالٍ عبر عدد من الكتل لتشكل سلسلة كتل؛ أي خطأ في أي من الكتل يعني أن عملية التحويل لن تتم، وذلك لمنع الاحتيال عن طريق التلاعب بقاعدة بيانات إحدى  الكتل وإعطاء رصيد وهمي؛ فكل عملية تتطلب موافقة جميع الكتل على صحتها، ويتم إزالة الكتل المعيبة في حال وجودها واستبدالها بأخرى جديدة تحل مكانها.

كيف تحصل على رصيد Bitcoin وتجري تعاملات به؟

قد تجد -عزيزي القارئ- الحصول على العملات المعتادة أمراً سهلاً، فالحصول على أغلب العملات يتم بعملية بسيطة في مكاتب الصرافة أو عبر خدمات الصرافة الإلكترونية ويمكنك بسهولة تحويل الأموال من عملة لأخرى وفق أسعار تبادل ثابتة تقريباً (متغيرة بشكل ضئيل جداً)، لكن الحصول على Bitcoin ليس بهذه السهولة، ففي حال لم تكن في بلد خدمات الصرافة من وإلى Bitcoin فأنت تحتاج إلى استخدام خدمة تحويل على الإنترنت، كون شركات صرافة Bitcoin منتشرة بشكل أساسي في شمال أوروبا واليابان والولايات المتحدة وغير متوافرة في معظم البلدان، لكن من الواجب الحذر في هذا الأمر حيث توجد الكثير من مواقع الخداع التي تأخذ المال مقابل تحويله لكنها لا تجري عملية التحويل وتختلس مال العميل.

هناك طريقة أخرى للحصول على عملة Bitcoin، وتسمى هذه الطريقة بال"تنقيب"، حيث يتم استخدام عتاد حاسوبك كجزء من سلسلة الكتل التي تقوم بتأكيد العمليات. هذه العملية تتطلب إبقاء حاسوبك يعمل وعلى اتصال بالإنترنت بشكل دائم، إضافة لذلك فقد تستغرق أشهراً حتى تحصل على فرصة لتكون جزءاً من سلسلة كتل. في المقابل فأنت ستحصل على عدد من ال Bitcoins عند قبولك ككتلة وستحصل على التمويل من الفوائد الاختيارية التي قد يتركها من يقومون بعمليات التحويل لتأتي على شكل أرباح توزع على مشغلي الكتل في سلاسل الكتل. من الجدير ذكره أن فرصة جعل حاسوبك كتلة ضمن النظام تزداد صعوبة بشكل كبير بمرور الوقت وفي وقتنا الحالي، فأي عتاد غير المخدمات المخصصة مسبقاً والمبنية بهدف أن تكون كتلاً لن يحقق أي ربح فعلي ولن تتجاوز أرباحه تكلفة الإنترنت والكهرباء التي يستخدمها.

بعد حصولك على رصيد من ال Bitcoins فأنت بحاجة إلى طريقة لصرفه، لتتمكن من استخدام رصيدك فأنت تحتاج "المفتاح الخاص" والذي من الممكن أن يأتي ك QR Code مطبوع على ورقة، أو كجزء من محفظة إلكترونية تكون على شكل تطبيق موجود على الهاتف الذكي أو الحاسوب الشخصي أو كقطعة فيزيائية مكلفة (قل استخدامها بشكل كبير نظراً لعدم عمليتها). كما بالإمكان استخدام محفظة على الإنترنت عبر أحد المواقع التي تقدم هذه الخدمة لكن مع نسبة خطر ناتجة عن احتمال كون الموقع واجهة لعمليات اختلاس وسرقة، من المهم جداً أن تتذكر – عزيزي القارئ – أنه في حال فقدانك لمفتاحك الخاص فلن تستطيع الوصول لرصيدك أو استرجاعه أبداً.

استخدام العملة الإلكترونية ومناطق انتشارها

كون عملة Bitcoin الرقمية ما تزال في مراحلها الأولية، فلا تزال محدودة الانتشار بشكل كبير جداً. لكن السنوات الأخيرة ضاعفت مجال استخدامها، فقد قامت العديد من المصارف والمطاعم والشركات الكبرى مثل Microsoft و PayPal ببدأ التعامل بها. كما أظهرت عدة تجارب قام بها خبراء تقنيون أن بالإمكان الحياة بشكل كامل تقريباً (الاعتماد على Bitcoin بشكل كامل وعدم استخدام المال الحقيقي) باستخدام Bitcoins فقط في مدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا – الولايات المتحدة الأمريكية وفي عدد من مدن شمال أوروبا.

تأتي الحسنات الأهم لهذه العملة في مرونتها الكبيرة، فعمليات التحويل سهلة وسريعة (لا تحتاج سوى اتصال بالشبكة وبضع دقائق) بالإضافة لكونها مجانية مع إمكانية ترك مبلغ إضافي لتمويل مخدمات التحويل، بالإضافة لما سبق فاستخدام Bitcoin يوفر درجة خصوصية أعلى من سواه حيث أنه لا يتطلب معلومات شخصية تفصيلية ولا يتم الإشراف عليه بشرياً.

كون تعاملات Bitcoin لا تظهر اسم أو معلومات الأطراف المتعاملة الشخصية فمن الصعب التأكد من الاستخدامات الأساسية لها، لكن بعض الأبحاث تقترح أن يكون الاستخدام الأكبر في قطاع التجارة الإلكترونية خاصة في الشبكة المظلمة (Dark web) وذلك لشراء البضائع غير الشرعية في الكثير من الأحيان. كما أظهرت بعض التقارير وجود استخدام للعملة بغرض غسيل الأموال لكن في نطاق ضيق جداً.

هل ينصح باستخدام العملة الإلكترونية

على الرغم من المميزات المغرية لهذه العملة والمرونة الكبيرة للتعامل معها بالإضافة للأمان العالي لعمليات الاحتيال والاختراق فهي لا تزال حديثة جداً نسبياً، ينعكس ذلك في أسعار صرفها المتغيرة بشدة فقد تشتري العملة بسعر صرف 600 دولار مثلاً لتتفاجئ وينهار السعر إلى 200 دولار بعد أسابيع مثلاً وتخسر بذلك 67% من قيمة أموالك. إضافة لذلك فمجالات العملة الإلكترونية ما تزال محدودة للغاية وغير مفيدة لغالبية المستخدمين في الواقع، كما أن العديد من الأشخاص والمواقع حول العالم جعلت من أولوياتها إجراء عمليات الاحتيال الالكتروني من خلال هذه العملات الافتراضية، الأمر الذي يسجعل التعامل بها خطيرا نسبيا.

في النهاية.. لا تزال العملة غير الورقية نقطة نقاش وجدال كبير دائر في الأوساط الاقتصادية مع انقسام كبير بين من يراها فشلاً مؤكداً سيأتي عاجلاً أم  آجلاً، ومن يراها بوابة لاقتصاد المستقبل ويتنبئون بسيطرة متزايدة لها.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر