أعراض فقر الدم، أسبابه وعلاجه

لماذا يحدث فقر الدم، وهل هو مرض واحد أو مجموعة من الأمراض؟
تاريخ النشر: 14/06/2017
آخر تحديث: 14/06/2017
فقر الدم (الأنيميا)

يصيب فقر الدم بأشكاله المختلفة حوالي 1.62 مليار شخص حول العالم، أي ربع سكان العالم تقريباً (بحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية WHO) ويسبب أعراضاً مختلفة ومتفاوتة في الشدة تتراوح من كونها بسيطة وغير ظاهرة حتى في بعض الأحيان وحتى الأعراض الشديدة التي تعيق المريض من القيام بنشاطات الحياة الطبيعية في حالات أخرى، فما الذي يسبب فقر الدم، وما سبب تفاوت أعراضه بين الحالات المختلفة؟ فلنتعرف على كل ذلك وأكثر في المقال التالي.

جميعنا يعلم أن الدم هو السائل الأهم الموجود في أجسادنا إذ يصل إلى جميع أنسجة الجسد (عدا بعض الاستثناءات الصغيرة) وينقل إليها غاز الأكسجين الضروري لحياتها، كما يأخذ منها غاز ثنائي أكسيد الكربون الضار (الوظيفة التنفسية للدم)، كما يلعب الدم دوراً في ربط الأنسجة البعيدة من الجسم ببعضها إذ ترسل عن طريقه المواد الغذائية والهرمونات والوسائط الكيميائية التي يستخدمها جسمنا كأدوات للاتصال بين أنسجته وخلاياه، إضافة إلى دوره المحوري في المناعة، فلنتعرف إلى العناصر المكونة للدم ووظائفها، ثم نتعرف على فقر الدم أسبابه وعلاجاته.

1

العناصر المكونة للدم وتعريف فقر الدم

يتألف الدم -مثل أي نسيج آخر- من خلايا هي العناصر الخلوية الدموية (Blood Cells) ووسط يربط بين الخلايا هو المصورة الدموية (البلازما) والمميز في الدم أنه نسيج سائل القوام، على عكس باقي أنسجة الجسم ذات القوام المتماسك، وفيما يلي شرح مختصر عن مكونات الدم ووظائفها:

المصورة الدموية (Plasma)

وهي المكون السائل الذي تسبح فيه العناصر الخلوية الدموية، وتتكون من الماء بنسبة 90%، تنحل في هذا الماء أملاح وشوارد معدنية، وغازات كالأكسجين والآزوت وثنائي أكسيد الكربون، إضافة إلى الهرمونات والمواد الغذائية من سكريات وبروتينات وكوليسترول والعديد من المواد الأخرى.

كما تحتوي المصورة على الأضداد (Antibodies) أو الغلوبولينات المناعية (Immunoglobulins) وهي أجسام بروتينية تجوب المصورة الدموية وتؤدي دوراً أساسيّاً في المناعة خارج الخلايا، إذ ترتص على سطح الجراثيم والطفيليات والأجسام الغريبة لتعطلها وتلغي خطرها.

العناصر الخلوية (Blood Cells)

  1. الكريات الحمراء (Red Blood Cells / Erythrocytes): عبارة عن قرص أحمر مقعر الوجهين (أي أن سماكتها في المركز أقل من المحيط)، هدفها الرئيسي هو نقل الأكسجين من الرئتين إلى الخلايا، ونقل غاز ثنائي أكسيد الكربون (CO2) الذي تنتجه الخلايا بسبب فعالياتها الحيوية نحو الرئتين كي يتم التخلص منه عبر هواء الزفير، ويعتمد عملها على مادة تدعى الخضاب الدموي (Hemoglobin) وهي مادة بروتينية قادرة على الارتباط بالغازات فتؤدي وظيفة حمل غازات الكرية الحمراء.
  2. الكريات البيضاء (White Blood Cells / Leukocytes): تصنف إلى عدة أنواع لكل منها دورها الخاص في مناعة أجسادنا في وجه الجراثيم والفيروسات والطفيليات وكافة الأجسام الغريبة، إضافة إلى ذلك تلعب دوراً في التئام الجروح إذ تمنع إصابة الجروح بالجراثيم وتساعد على تنظيف الجرح من الخلايا الميتة، كما تقضي على الخلايا المشوهة والتي حدثت فيها تحولات وراثية ضارة، وتمنع هذه الخلايا من التحول إلى خلايا ورمية.
  3. الصفيحات (Platelets / Thrombocytes): على الرغم مما تشير إليه تسميتها وتصنيفها كعنصر خلوي، إلا أن الصفيحات ليست خلايا بحد ذاتها إنما هي شدف من خلايا كبيرة تدعى النَوّاءات (Megakaryocytes)، والوظيفة الرئيسية لهذه الخلايا هي التخثر عبر تحريضها لتشكل شبكات من الألياف التي تحصر بينها الكريات الحمراء عند حدوث جرح لتشكل سدادة (خثرة دموية / Clot) توقف النزف.

ما هو فقر الدم؟

يعرف فقر الدم (Anemia) بأنه نقص تركيز الخضاب الدموي (Hemoglobin) الجائل في الدم ككل، وعجزه عن تأمين الأكسجين بشكل كاف لعمل الخلايا بصورة سليمة، ومن هذا التعريف نستنتج أن فقر الدم ممكن أن يكون ناتجاً عن نقص عدد الكريات الحمراء في الدم، أو نقص كمية الخضاب الموجود في الكرية نفسها أو عدم كفاءته، ويكون العرَض الأساسي لفقر الدم هو الشحوب والشعور بالتعب طوال الوقت.

2

ما هي أسباب فقر الدم؟

ينتج فقر الدم عند عدم وجود عدد كاف من الكريات الحمراء السليمة، ويمكن أن يحدث ذلك لعدة أسباب؛ كل منها يُنتج نمطاً من فقر الدم، ونذكر من هذه الأسباب:

  • نقص الحديد: وهو السبب الأشيع لفقر الدم حول العالم، إذ أن الحديد هو مكون أساسي للخضاب الدموي، وبنقصه يحدث ما يدعى بفقر الدم بـ فقر الدم بنقص الحديد (Iron Deficiency Anemia) وتتصف الكريات الحمراء في هذا النوع من فقر الدم بكونها صغيرة الحجم وكمية الهيموغلوبين ضمنها قليلة.

يكثر هذا النمط من فقر الدم عند الأطفال والحوامل، ويعالج بمكملات الحديد، كما ينصح المرضى بتناول الأغذية الغنية بالحديد كاللحوم الحمراء والسبانخ والبقوليات والزبيب أيضاً.

  • نقص بعض أنواع الفيتامينات: مثل فيتامين B9 المعروف بحمض الفوليك (Folic Acid) والفيتامين B12، يمكن أن يحدث هذا النقص بسبب نقص دخول هذه المواد إلى الجسم مع الطعام، أو بسبب عجز الجسم عن امتصاصها وتخزينها، وهنا تكون كريات الدم الحمراء كبيرة الحجم وغير ناضجة.

يوجد حمض الفوليك في الخضروات الخضراء (كالخس والسبانخ) إضافة إلى البقوليات والمعجنات، أما الفيتامين B12، فيوجد بشكل رئيسي في المنتجات الحيوانية كالكبد والسردين واللحوم الحمراء والحليب.

  • بعض الأمراض المزمنة: يمكن لبعض الأمراض المزمنة أن تؤثر سلباً على إنتاج الكريات الحمراء، ومن هذه الأمراض: السرطانات، متلازمة عوز المناعة المكتسب (AIDS)، أمراض الكلية والأمراض الالتهابية المزمنة.
  • قصور نقي العظم: أي عدم قدرة نقي العظم (Bone Marrow) (وهو منطقة داخل العظم تلعب الدور الأساسي في توليد العناصر الخلوية الثلاثة المكونة للدم) على تصنيع الكريات الحمراء، لذلك فإن أي عامل يؤثر على نقي العظم (مثل الإنتانات وبعض الأدوية والأمراض المناعية الذاتية التي تهاجم فيها خلايانا المناعية خلايا الجسم ذاته، إضافة إلى تعرض الجسم لبعض المواد الكيميائية السامة والإشعاعات) سيسبب ما يدعى بفقر الدم غير المصنّع (Aplastic Anemia)، وهو حالة نادرة وأحد أكثر أنماط فقر الدم خطورة وتهديداً للحياة.
  • انحلال الكريات الحمراء: يحدث فقر الدم الانحلالي (Hemolytic Anemia) حين تتخرب الكريات الحمراء بسرعة أكبر من قدرة نقي العظم على إنتاجها. تساهم بعض أمراض الدم في إحداث هذا الانحلال الذي يمكن أن يكون موروثاً أو أن يتم اكتسابه خلال مراحل لاحقة من الحياة.
  • تشوه الكريات الحمراء واختلال عملها: وهنا يحدث ما يدعى بفقر الدم المنجلي (Sickle Cell Anemia) وهو حالة وراثة خطيرة يتغير فيها شكل الكرية الحمراء ليصبح هلاليّاً (أي على شكل المنجل ومن هنا اكتسب هذا النمط من فقر الدم اسمه)، يؤدي تغير الشكل إلى اختلال وظيفة الكريات الحمراء التي تحمل نمطاً شاذّاً من الهيموغلوبين، وجعلها أقل مرونة وقدرة على التأقلم وبالتالي نقص عمرها عن الحد الطبيعي (120 يوم)، وهذا بدوره يؤدي إلى نقص مزمن في كريات الدم الحمراء.
  • عدم القدرة على تشكيل أحد مكونات الخضاب بشكل طبيعي: وهذا يحدث في مرض التلاسيميا (Thalassemia) الذي كان يدعى في السابق بـ فقر دم البحر الأبيض المتوسط (Mediterranean Anemia) بسبب انتشاره في هذه المنطقة، وهو مرض وراثي يمكن أن يحمله الشخص بدون أعراض واضحة (يدعى في هذه الحالة بـ التلاسيميا الصغرى Thalassemia Minor)، فإذا تزوج شخصان مصابان بالتلاسيميا الصغرى، يمكن أن يصاب أحد أبنائهم بالتلاسيميا الكبرى التي تكون على نمطين:
  1. التلاسيميا ألفا (Alpha Thalassemia): في بعض حالاتها يموت الجنين قبل الولادة، وفي حالات أخرى يبقى على قيد الحياة بأعراض شديدة.
  2. التلاسيميا بيتا (Beta Thalassemia): التي يمكن أن تكون كبرى ومتوسطة.

يتكون الهيموغلوبين الدموي من الحديد ومكونات بروتينية، في التلاسيميا تكون واحدة أو أكثر من تلك المكونات البروتينية (سلاسل الخضاب الدموي) مشوهة أو غائبة، ويتم تعويض المكونات الغائبة بمكونات أخرى غير طبيعية ولا تعمل بنفس الكفاءة، مما ينتج منه عدد من الأعراض منها:

  • تشوهات عظمية (Bone Deformities)، وخاصة في عظام الوجه.
  • لون داكن للبول.
  • تأخر النمو والتطور الجسدي والعقلي.
  • تعب مستمر والشعور الدائم بالإرهاق.
  • جلد أصفر أو شاحب.

تتباين أعراض التلاسيميا بحسب نسبة الهيموغلوبين غير الطبيعي وتزداد عند القيام بنشاطات جسدية مرهقة.

3

كيف تعلم إن كنت تعاني من فقر الدم؟

كما ذكرنا في السابق، فقد لا يبدي المصاب بفقر الدم أعراضاً واضحة بل يكشف بالصدفة خلال إجراء تحاليل دموية روتينية، إلا أن الأعراض النموذجية لمختلف أنواع فقر الدم هي:

  1. الشعور بالتعب الدائم ونقص النشاط والطاقة.
  2. شحوب الجلد.
  3. اضطراب في ضربات القلب التي قد تتسارع أو تتباطأ.
  4. قصر النفس عند ممارسة الرياضة والأعمال المجهدة.
  5. الدوار والدوخة.
  6. الألم الصدري.
  7. برودة الأطراف إذ تكون راحتا اليدين والقدمان باردتين وشاحبتين.
  8. الصداع.

إذا كنت تشكو من أحد هذه الأعراض أو بعضها، سيطلب منك الطبيب إجراء بعض التحاليل الدموية، مثل اختبار التعداد العام للدم (Complete Blood Count / CBC) الذي يقيس عدد الكريات الحمراء في جسدك، إضافة إلى حجمها وتركيز الهيموغلوبين فيها، مما يساعد الطبيب على تحديد ما إذا كنت تشكو من فقر الدم، ومعرفة نوعه إن وجد.

4

علاج فقر الدم

بما أن فقر الدم ظاهرة تنتج عن طيف واسع من الأسباب، لذلك فإن علاجه يعتمد على العامل المسبب:

  • فقر الدم بنقص الحديد: يعتمد العلاج في هذا النوع من فقر الدم على تناول مكملات الحديد وتعديل النظام الغذائي لتعويض النقص، يمكن أن يكشف الفحص أن سبب النقص في الحديد هو نزيف داخلي بطيء مثلاً، وهنا يتم إغلاق مصدر هذا النزيف وتعويض الخسارة من الدم.
  • فقر الدم بنقص الفيتامينات: يعالج هذا النمط بتناول الأدوية المكملة للفيتامينات الناقصة (حمض الفوليك والفيتامين B12) أو تعديل النظام الغذائي وجعله غنيّاً بالمواد الغذائية الحاوية عليهما.

أما في حال كون فقر الدم ناتجاً عن عجز الجهاز الهضمي عن امتصاص الفيتامين B12، يجب إعطاء هذا الفيتامين على شكل حقن تعطى مرة في الشهر تقريباً مدى الحياة بحسب كل حالة.

  • فقر الدم التالي لأمراض مزمنة: لا يوجد علاج محدد في مثل هذه الحالات، إنما يركز الأطباء عادة على علاج المرض المسبب لفقر الدم، أما في حال أصبحت أعراض فقر الدم شديدة، ينصح بنقل الدم أو حقن هرمون الإريثروبوييتين (Erythropoietin) وهو هرمون يفرز من قبل الكلية؛ من أجل تنشيط تكون الكريات الحمراء عند الحاجة لرفع مستواها.
  • فقر الدم غير المصنع: قد يتضمن علاج هذا النمط من فقر الدم نقل الدم الكامل أو الكريات الحمراء من أجل رفع مستوى الكريات الحمراء إلى العدد الطبيعي، أما في الحالات المزمنة فالعلاج الشافي الوحيد هو زرع نقي العظم.
  • فقر الدم الانحلالي: يعالج بتجنب العوامل المسببة للانحلال كبعض الأدوية، ومعالجة الإنتانات المرافقة بالمضادات الحيوية وكذلك بالأدوية المضعفة للمناعة في حال كان انحلال الدم مسبباً بمرض من أمراض المناعة الذاتية التي تهاجم الكريات الحمر.
  • فقر الدم المنجلي: يشتد المرض عادة على شكل نوبات من الآلام في المفاصل والبطن والشحوب الناتج عن نقص الخضاب الدموي، وتعالج هذه النوبات بتقديم الأكسجين وإعطاء المريض مسكنات للألم، قد يلجأ الأطباء إلى نقل الدم الطازج وإعطاء السوائل لتخفيف لزوجة الدم ومنع المضاعفات.
  • التلاسيميا: يحدد الطبيب خطة العلاج بناء على نمط التلاسيميا وشدة الأعراض، وقد يتضمن العلاج ما يلي:
  1. نقل الدم بشكل دوري.
  2. زرع نقي العظم (Bone Marrow Transplant)، من أجل إراحة المريض من عمليات نقل الدم المتكررة.
  3. علاجات دوائية ومكملات غذائية.
  4. عمليات جراحية لاستئصال الطحال بشكل كامل أو جزئي، وهذه العمليات لا تجرى على جميع المرضى بل عند الحالات الشديدة فقط، فالطحال هو العضو الذي تتخرب فيه الكريات الحمراء أكثر من أي مكان آخر في الجسد (لذلك يعرف بمقبرة الكريات الحمراء)، والتخلص منه أو من قسم منه على الأقل يساعد في التخفيف من تخريب الكريات الحمر ويطيل عمرها الوسطي.

ينصح الأطباء مرضى التلاسيميا في العادة بتجنب الأغذية الحاوية على كميات كبيرة من الحديد (على عكس مرضى فقر الدم بنقص الحديد) وذلك لأن عمليات نقل الدم المتكررة تضيف إلى دمهم كمية حديد أكثر مما يحتاجونه، ومن المعروف أن تراكم الحديد في القلب والكبد والبنكرياس يؤدي إلى العديد من الآثار الجانبية غير المرغوب بها.

ختاماً.. مرض فقر الدم شائع إلى حد كبير وقد يكون صامتاً بدون أعراض سريرية واضحة في الكثير من الأحيان، وبما أنه قد يصيب الأطفال في مراحل مبكرة ويؤثر على نموهم الجسدي والعقلي، كان من الضروري الانتباه إلى علاماته وأعراضه وملاحظتها بالإضافة إلى الفحص الدوري المتكرر عند الطبيب لكشفه المبكر ومنعه من إحداث أضرار طويلة الأمد أو دائمة، وبما أن الوقاية لها الدور الأكبر، يجب التأكيد على التنويع في الغذاء المقدم للأطفال، والحرص على احتوائه لكافة العناصر الغذائية الضرورية لنموهم.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر