الجزائر، صانعوا الاستقلال وقادتهِ

ثورة المليون شهيد أينعت .. فأنجبت الاستقلال

الكاتب:
تاريخ النشر: 01/07/2016
آخر تحديث: 01/07/2016
أعلن الجزائريون استقلال بلادهم في الخامس من شهر تموز/يوليو من عام 1962

صبر الجزائريون وضحّوا بالغالي والنفيس، طمعاً في رفع راية بلدهم فوق أرضهم، تكاتفت الجهود فكانت النتيجة الثورة الجزائرية الكبرى التي حملت معها الاستقلال لكل جزائري أراد أن يفتخر ببلاده حرّةً مستقلة.

يقال: "في الوحدة قوة وفي التّفرق ضعف"، اجتمع الجزائريون فأصبحوا أقوياء، وبعد تضحيات عظيمة قدمها أكثر من مليون ونصف مليون شهيد جزائري، نجح الجزائريون في إخراج الفرنسيين من بلادهم، ليكون يوم الخامس من تموز/يوليو عيد الاستقلال الجزائري، وليكن اسم الجزائر بلد المليون ونصف المليون شهيد في الوطن العربي.

الأحداث التي جرت من تاريخ الثورة وحتى الاستقلال

نتيجة استمرار فرنسا في احتلال الجزائر، ورفضها الانسحاب منه، وارتكابها المجازر بحق الشعب الجزائري، أعلن الجزائريون حرب تحرير بلدهم من الاستعمار الفرنسي في الأول من شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1954 وهو ما صار يعرف باليوم الوطني في الجزائر، بعد اجتماع قادة جبهة التحرير الوطني، والجناح المسلح لحركة انتصار الحريات الديمقراطية، ومن بينهم أحمد بن بلة، هواري بومدين، الشاذلي بن جديد، و محمد بوضياف.

وقامت الحرب على تخطيط مشترك بين القادة المذكورين لإنجاز عدة عمليات عسكرية ضد الفرنسيين في جميع أنحاء البلاد في وقت واحد، وهذا ما حصل بالفعل، فتشتت القوات الفرنسية، وهُوجمت مقار جبهة التحرير الوطني، فشكل الجزائريون اتحادات للمواجهة ومتابعة النضال كالاتحاد العام للعمال الجزائريين، حيث نظموا ثورات ضد الفرنسيين في كل أنحاء الجزائر، وبذلك أمست فرنسا مقيدة بثلاثة أنواع من الضغوط، الأول متمثلاً بالمظاهرات السلمية المطالبة بالاستقلال، والثاني ازدياد عمليات المقاومة المسلحة ضد جنودها، والثالث وقوف الحكومة الجزائرية المؤقتة إلى جانب الشعب، حيث عرض ممثلها في الأمم المتحدة قضية بلاده في جدول أعمال المنظمة الدولية عام 1958، الأمر الذي اُعتبر نجاحاً للدبلوماسية الجزائرية. 

استمرت الثورة الجزائرية حتى التاسع عشر من شهر آذار/ مارس من عام 1962، حيث وقّعت فرنسا مع الجزائريين اتفاقية (إيفيان) التي تنص على وقف إطلاق النار، على أن يجري استفتاء لتقرير المصير في الجزائر، يختار على أساسه الجزائريون إما الاستقلال عن فرنسا، أو الانضمام لها، فصوّت الجزائريون بنسبة 99.72% لصالح الاستقلال عن فرنسا، حيث انسحبت الأخيرة، وأعلن الجزائريون استقلال بلادهم في الخامس من شهر تموز/يوليو من عام 1962.

التغييرات التي طرأت على الجزائر بعد استقلالها

بعد استقلال الجزائر بموجب اتفاقية إيفيان تم اعتماد الدستور الجزائري و العلم الوطني، والنشيد الوطني في عام 1963، إضافةً لذلك سعت الجزائر للتخلص من آثار الاستعمار الفرنسي، حيث غيّر رئيس الجمهورية هواري بو مدين العطلة الأسبوعية في عام 1976، لتصبح يومي الخميس والجمعة بعد أن كانت يومي السبت والأحد أثناء تواجد الاستعمار الفرنسي، وبقيت كذلك حتى الرابع عشر من شهر آب/أغسطس من عام 2009، حيث جعل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة العطلة الرسمية الأسبوعية يومي الجمعة والسبت.

ذكرى الاستقلال ..احتفالٌ في كل مكان

عمّت الاحتفالات أنحاء الجزائر في الخامس من شهر تموز/يوليو عام 1962، حيث نزل الجزائريون إلى الشوارع رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً، سيراً على الأقدام وفي السيارات، حاملين علم بلادهم، لقد زال الاحتلال وأصبحت الجزائر حرة مستقلة.

هذه المشاعر الصادقة ومظاهر البهجة التي ظهرت في هذا اليوم، يُحيها الجزائريون كل عام في الخامس من شهر تموز/يوليو، إنه "عيد الاستقلال" عن المستعمر الفرنسي، حيث تُقام الاحتفالات، وتُزين الشوارع بالألعاب النارية، وتنتشر الأعلام الجزائرية مُزينة واجهات المحال والشوارع، في كل أنحاء البلاد، إضافةً للعروض الفلكلورية، وفي هذا اليوم يزور الجزائريون المتاحف الوطنية لاستذكار أحداث الماضي والثورة الجزائرية الكبرى، كما تمتد الاحتفالات إلى السفارات الجزائرية في الخارج، فهذه المناسبة تحمل العز والفخر لكل الجزائريين ويحتفلون بها أينما وجدوا في العالم.

رموز الاستقلال رؤساء للجزائر حتى عام 2016

لعبت شخصيات جزائرية دوراً بارزاً في الوصول إلى الاستقلال، واستأنفت عملها السياسي بعد الاستقلال، ومن هذه الشخصيات:

جميلة بوحيرد

انضمت إلى جبهة التحرير الوطني مع اندلاع الثورة الجزائرية الكبرى في الأول من شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1954، ثم التحقت بصفوف الفدائيين فكانت أولى المتطوعات لزرع القنابل في طريق الاستعمار الفرنسي، حيث أُلقي القبض عليها بعد إصابتها برصاصة في الكتف في عام 1957، وفي الأسر عانت من التعذيب، واستخدم الفرنسيون معها الضربات الكهربائية كي تعترف على زملائها، لكنها تحمّلت الألم، ثم قالت جملتها الشهيرة: "أعرف أنكم سوف تحكمون علي بالإعدام لكن لا تنسوا إنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة".

وهذا ما حصل حيث حكمت عليها المحكمة بالإعدام في السابع من آذار/ مارس عام 1985، لكن الحكم لم يُنفّذ لتدخل لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وخرجت من السجن عام 1962، وتزوجت بوحيرد من محاميها الفرنسي جاك فيرجيس سنة 1965 الذي دافع عن مناضلي جبهة التحرير الوطني، وبقيت بعيدة عن الحياة السياسية في بلدها.

أحمد بن بلة

كانت مهمته عندما اندلعت الثورة الجزائرية تنسيق وتهريب السلاح من مصر إلى الجزائر بتشجيع من جمال عبد الناصر، إضافةً لاطلاعه تونس والمغرب بمخرجات المفاوضات التي كان الزعماء السياسيون الجزائريون قد بدأوها مع المستعمر، وعندما اختطفت فرنسا الطائرة التي كانت تقلهم جميعا في طريقهم إلى تونس، سُجن بن بلة مرة ثانية، ثم أُطلق سراحه بعد سريان تطبيق اتفاقية "إيفيان" مع المستعمر، حيث أصبح رئيس أول حكومة جزائرية، ثم أول رئيس للجمهورية عام 1962 و بقي في الحكم ثلاث سنوات، ثم قام وزير الدفاع هواري بومدين بالانقلاب عليه، واُعتقل للمرة الثالثة مدة خمسة عشر عاماً، وتوفي عام 2012.

هواري بومدين

التحق بجيش التحرير الوطني مع اندلاع الثورة الجزائرية الكبرى، حيث امتلك خبرة عسكرية مكنته من استلام منصب وزير الدفاع بعد استقلال الجزائر عام 1962، واتهم بومدين آنذاك "رئيس الجمهورية أحمد بن بلة" بالاستفراد بالحكم وتقزيم دور الجيش،  وانقلب عليه، وأصبح رئيساً لـ "مجلس التصحيح الثوري"، و اُنتخب عام 1975 رئيساً للجمهورية الجزائرية ليصبح ثاني رئيس للجمهورية بعد الاستقلال.

اهتم بومدين ببناء الدولة الجزائرية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، حيث شجع على الزراعة و وزّع الأراضي على الفلاحين، كما عمل بومدين على نقل الثورة الصناعية من الاتحاد السوفيتي إلى بلده، فقام ببناء معامل الحديد والمصانع والبنَى الصناعية البترولية، أما من الناحية السياسية فقد أسس دستوراً جديداً، و كان من مؤيدي القضية الفلسطينية، كما أيّد حركة البوليساريو في الصحراء الغربية، وعمل على بناء الجيش الجزائري وتقويته مستفيداً من امتلاك الجزائر للثروة النفطية، وتوفي في السابع والعشرين من شهر كانون الأول/ديسمبر  عام 1978.

الشاذلي بن جديد

التحق بجيش التحرير الوطني مع اندلاع الثورة الجزائرية الكبرى، أصبح وزيراً للدفاع عام 1978، ليصبح بعد وفاة هواري بو مدين ثالث رئيس للجمهورية الجزائرية عام 1979، اعتمد الشاذلي سياسة اقتصادية متقشفة تسببت باحتجاجات واسعة في البلاد، أما من الناحية السياسية فقد سمح بالتعددية الحزبية للمرة الأولى في تاريخ الجزائر، حيث تحولت جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى حزب سياسي فاز في الانتخابات، لكن الجيش لم يكن راضياً عن النتيجة فأقال الرئيس الشاذلي بن جديد عام 1991، وتوفي في السادس من تشرين الأول/أكتوبر عام 2012.

محمد بوضياف

يلقب بـ "سي الطيب الوطني"، انضم إلى حزب الشعب الجزائري، ثم حركة "انتصار الحريات الديمقراطية"، ثم أصبح عضواً في المنظمة السرية التي تمخضت عنهما، فسجنته فرنسا، عاد إلى الجزائر عام 1952، وانضم إلى جيش التحرير الجزائري، حُكم عليه بالإعدام عام 1963 لأنه طالب بالتعددية الحزبية، لكن الحكم لم يُطبّق، حيث أفرجت عنه السلطات الجزائرية بعد ثلاثة أشهر، اعتزل الحياة السياسية حتى عام 1992 حيث استدعته السلطات الجزائرية لاستلام السلطة بعد عزل الشاذلي بن جديد، نظراً لشعبيته لدى الجزائريين الذين دخلوا في أتون حرب أهلية، وبعد وصوله لرئاسة الجزائر ألقى خطاباً في الجزائريين، فقام ملازم في القوات الخاصة يُدعى مبارك بومعرافي باغتيال محمد بوضياف رمياً بالرصاص أثناء إلقاء الخطاب في التاسع والعشرين من شهر حزيران/يونيو من عام 1992.

الرئيس علي كافي

التحق بجيش التحرير الجزائري عام 1954، وبعد الاستقلال عُين سفيراً في سورية ولبنان والعراق وإيطاليا، وبعد اغتيال محمد بوضياف أصبح عضواً في المجلس الأعلى للدولة في عام 1994، وساهم بتنظيم انتخابات رئاسية في عام 1995 فاز فيها اليمين زروال رئيساً للجمهورية.

الرئيس اليمين زروال

التحق بجيش التحرير الجزائري عام 1954، أصبح رئيساً لأركان الجيش الجزائري في عام 1974، استقال من منصبه في عام 1991 بسبب خلافه مع الرئيس الشاذلي بن جديد، ترشح للانتخابات الرئاسية في عام 1995، وساهم بتنظّيم انتخابات رئاسية عام 1999 فاز فيها عبد العزيز بوتفليقة برئاسة الجمهورية.

الرئيس عبد العزيز بوتفليقة

التحق بجيش التحرير الجزائري عام 1954، ترشّح للانتخابات الرئاسية عام 1999 وفاز بها، حكم الجزائر منذ عام 2000 وحتى عام 2016، منذ توليه الرئاسة تعهّد بوتفليقة بإعادة الأمن والسلام للجزائر، وإنعاش الاقتصاد، و وقّع اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوربي في الثاني والعشرين من شهر نيسان/أبريل من عام 2001.

الخامس من تموز، يومٌ للافتخار بالحرية والاستقلال في حياة كل جزائري، يومٌ تتغنى به الجزائر منذ عام 1962 حيث أصبحت ملكة قرارتها، فانضمت لجامعة الدول العربية، و إلى منظمة الأمم المتحدة، وإلى اتحاد المغرب العربي، ومارست وماتزال تمارس منذ ذلك الوقت دورها الإقليمي الفعال بما يتناسب مع حجم الجزائر وثرواتها وهمة أبنائها.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر