قصة الزير سالم (المُهَلهِل) وحرب البسوس

قصة حرب البسوس والزير سالم وكليب، واحدة من أشهر الحروب في التاريخ العربي القديم

تاريخ النشر: 20/03/2017
آخر تحديث: 20/03/2017

جميعنا نذكر مسلسل الزير سالم الذي تم عرضه عبر عدَّة قنوات عربية مطلع الألفية الثانية، حيث يعتبر من أنجح المسلسلات التاريخية التي أنتجتها الدراما السورية والعربية، وقد اجتمعت له نخبة الفنانين السوريين، تعالوا لنتعرف أكثر على التفاصيل التي لم يذكرها المسلسل، وعلى الأحداث التي اختلفت حولها نسخ القصة الشعبية.

أربعون عاماً والسيوف تقارع سيوفاً في حربٍ ضروسٍ أصلها الثأر، كان بطلها بلا منازع الزير سالم أبو ليلى المهلهل، وقد تم تدوين قصة الحرب بناءً على التناقل الشفهي لأحداثها حتى أصبحت تصنف مع قصص الأبطال الشعبيين التي يدخل إليها الكثير من التحريف والتزييف لتكون جذابة للجمهور، لكن هذه الزيادات تعكس نمط تفكير المجتمع الذي دوَّنها، كما تبين المفاهيم التي فضلها والأفكار التي نبذها، علماً أنَّنا لا نعرف تاريخاً دقيقاً لتدوين القصة الشعبية بنسخها المتعددة باستثناء نسخة بيروت الملحمية التي سنتحدث عنها في معرض هذه المادة.

وقعت حرب الثأر بين أبناء العمومة

كان ربيعة من ملوك العرب وله أخ هو الأمير مرَّة، حيث تدور أحداث هذه القصة حول ما وقع من الحرب بين أبناء مرَّة وأبناء ربيعة، الَّذين تجمعهم علاقة مصاهرة عميقة إلى جانب كونهم أبناء عمومة، كما يعتقد أن هذه الأحداث جرت في نهايات القرن الخامس الميلادي واستمرت حتى موت الزير سالم سنة 531ميلادية، أي قبل هجرة النبي محمد (ص) بحوالي 90سنة.

وتدور الأحداث بين اليمن وأطراف الشام، وقد كان العرب آن ذاك يمانية وقيسية، فاليمانية ملوك اليمن كما قيل أن أولهم التبع حسان ويعرف ملوكهم بالتبابعة، وكان ربيعة أول القيسيين حاكماً لقبيلة تغلب وأخوه من مرَّة حاكماً لقبيلة بكر، حيث ستبدأ قصتنا من حرب القيسيين واليمانيين في عهد ربيعة، ثم حرب الزير سالم وأبناء عمِّه.

نستعرض معاً الشخصيات الرئيسة لقصة الزير سالم

  • وائل بن ربيعة التغلبي (كليب): كان وائل بن ربيعة الملقب بكليب فارساً مقداماً وقائداً عسكرياً فذاً، تمكن من تحقيق انتصارات كبيرة وتوسيع ملكه على العرب، لكنه وقع في الغرور فأسرف في مظاهر الزهو والتكبر على أبناء قبيلته، ومنها أنَّه منع الإبل والنوق أن ترد ماءً يردها جمله، وقد قتل كليب على يد ابن عمِّه جسَّاس نتيجة مكائد البسوس.
  • سالم الزير: هو عدي بن ربيعة التغلبي الملقب بالمهلهل، ويعرف بأبي ليلى المهلهل أو الزير سالم وهو شقيق كليب، كان الزير معروفاً بأنَّه كثير اللهو يقضي أيامه في الصيد وشرب الخمر ومجالسة النساء، لكنَّه في نفس الوقت كان فارساً مغواراً وشجاعاً، وقد هجر الزير لهوه طالباً الثأر لأخيه فخاض حرباً استمرت أربعين سنة.
  • الجليلة: ابنة عم كليب وزوجته، وهي شقيقة جسَّاسٍ قاتل كليب.
  • جسَّاس: أصغر أبناء مرَّة، هو المسؤول عن إشعال فتيل الحرب بين أبناء العمومة بعد أن قتل كليباً انتقاماً لمقتل ناقة البسوس خالة جسَّاس في الظاهر، وانتقاماً لكبريائه المطعن بتكبر كليب في الباطن، كما تشير القصة الشعبية إلى أنَّ البسوس كادت كيداً كبيراً حتى وقعت بينهم الفتنة.
  • البسوس: البسوس بنت منقذ من بني تمَّام هي خالة جسَّاسٍ بن مرَّة وفق بعض الروايات (سنورد الخلاف حول شخصيتها الحقيقية)، وقد سميت الحرب باسمها لأنَّها كانت وراء اندفاع جسَّاس لقتل كليبٍ كما سنرى في سرد الوقائع.
  • الجرو بن وائل بن ربيعة التغلبي: هو ابن كليب من الجليلة، قُتل أبوه قبل ولادته فبقي أمره سراً حتى شبَّ وكبر.

بداية القصة والحرب بين القيسيين واليمانيين

يحكى أنَّه في قديم الزمان كان من ملوك اليمن ملك عظيم الشأن شديد البأس، كان اسمه حسان ويكنَّى بالتبع اليماني، له من الأعوان والفرسان جيوش جرارة وقد ذاع صيته بين العرب أنَّه أعظم ملوكهم وأوسعهم سلطاناً، ويقال أنَّ التبع سأل وزيره نبهاناً في ذات مجلس إن كان في العرب ملكٌ خيرٌ منه، فأشاد نبهان بملك القيسيين واسمه ربيعة التغلبي، فذكر الوزير العجب من خصاله وشجاعته وبأسه في الحرب والقتال وأن له من الجيوش أبسلها وأكثرها شجاعة، فغضب التبع وأمر وزيره أن يجمع الفرسان ويحشد الجيش ليغيروا على القيسيين فيصبح المُلك للتبع اليماني دون غيره، بعد أن جهز الفرسان أنفسهم بالعتاد وقف التبع يتأملهم وقال شِعراً:

يقول التبع الملك اليماني صفا عيشي وطاب فؤادي

أتتني عساكر كالأُسد تجري ألوف راكبين على الجيادِ

عليهم كلُّ درعٍ من حديدٍ له زرد كما عين الجرادِ

الجولة الأولى من حرب القيسيين واليمانيين

سار جيش التبع إلى بلاد الحبشة ثم إلى السودان وعسكر فيها، وهناك اجتمع مع جيوش تلك الأقطار وساروا إلى بلاد الشام يملكونها مدينة فمدينة حتى وصلوا إلى تخوم الشام، فطلب التبع لقاء وزير ربيعة في الشام وكان اسمه زيد بن علَّام، ولمَّا مثل زيد بين يدي التبع سأله عن حال ملكه ربيعة، فذمَّه وقال عنه أنَّه ملكٌ ظالمٌ ومكروهٌ من الرعية، اعتبر التبع أنَّ ذلك سيسهِّل عليه مهمته بأنَّ يغزوا ملكاً مكروهاً من رعيته ووزرائه ومعاونيه.

ولمَّا عرف ربيعة بوصول التبع أطراف الشام استشار بطانته ليجدوا طريقة للنجاة من بطش التبع؛ فكان الرأي أن يبايعوه ويقدموا له العطايا والهدايا لاتقاء شره، فاتجه القيسيون إلى التبع على رأسهم ملكهم ربيعة وأخوه مرَّة، لكن ربيعة أبى أن يركع للتبع كما فعل باقي الموكب فطلب التبع من ربيعة أن يقبِّل قدمه ويديه، فما كان من ربيعة إلَّا أن أجابه:

"كفى ما فعلته أيُّها الملك المُهاب وقد بلغت منا مقصدك، فلا أنت تقبل يدي ولا أنا أقبل يدك"

غضب التبع من قول ربيعة وأمر باعتقاله وإعدامه على الفور، وهذا ما كان حيث بقي ربيعة معلقاً ثلاثة أيام حتى جاء وزيره زيد ودفنه، ثم دخل مرَّة على التبع وطلب عفوه وانصاع إلى حكمه لتنتهي بذلك المرحلة الأولى وفق ما تذكره السيرة الشعبية من قصة سالم الزير، فوالد الزير مات على يد التبع اليماني بعد أن رفض الخضوع لسلطانه.

الجولة الثانية من الحرب اليمانية القيسية

حكم التبع اليماني الشام ثلاثين سنة وفق القصة، وكان رجلاً يحبُّ اللهو والنساء فقيل له ألَّا يوجد بين نساء العرب من هي أجمل من الجليلة بنت مرَّة، وراحوا يصفون له خصالها وحسانها فما كان منه إلَّا أن أرسل إلى مرَّة يطلب ابنته الجليلة على جناح السرعة لتكون زوجة له، فلما وصل الوزير نبهان محمَّلاً برسالة التبع إلى مرَّة مع الهدايا والعطايا وجد القيسيين منشغلين في أفراحهم بزواج الجليلة من ابن عمِّها كليبٍ وائل بن ربيعة التغلبي، لكن مرَّة لما علم بمقصد نبهان الوزير ارتعد خوفاً وقرر أن يجيب الملك بالموافقة اتقاء شره، فأرسل يطلب كليباً وأخبره عن الحال.

غضب كليب واحتار في أمره، فقد أخذ التبع منه عروسه وما أمهلهم إلا القليل من الوقت لتجهيز العروس وإرسالها، وكان لكليب صديق يدعى العابد نعمان أشار على كليب أن يتظاهروا جميعاً بالموافقة، ويجهزوا صناديق العروس بطبقتين، في الطبقة الأولى يختبئ فارس من الأشداء وفي الطبقة الثانية توضع الثياب والحلي، ويمثل كليب دور مهرج الجليلة فيسير الموكب حاملاً العروس وجهازها ومجموعة من المقاتلين الأشداء، وهذا ما كان فوصلت القافلة إلى تخوم الشام وقد علم التبع من العرَّافين أن في الصناديق رجالاً؛ فأرسل التبع من العبيد من يفتشها ولم يجدوا فيها إلَّا جهاز الجليلة.

وكانت عرافة عجوز قد ضربت في الرمل فعرفت أنَّ الصناديق فيها طبقتين وعرفت أن التبع ميتٌ لا محالة فقررت أن تساعد القيسيين لتحصل على رضاهم ما داموا سيقتلون التبع في نهاية الأمر، فذهبت إليهم وأعلمتهم أنَّها تعرف خديعتهم وستساعدهم، ثم عادت إلى التبع وأخبرته أن الصناديق فارغة إلا من جهاز الجليلة وأنَّ العراف كاذبٌ ومخادع فأمر التبع بدقِّ عنق العرَّاف، واستقبل القافلة التي حملت موته في صناديقها.

قابل التبع عروسه الجليلة مبهوراً بجمالها مستعجلاً الاختلاء بها، لكن الجليلة طلبت دخول المهرج (وهو كليب) معها للإمتاع، وما كان كليب بثيابه المضحكة وحركاته المجنونة ليثير الشكوك أو المخاوف، وفي اللحظة المناسبة انقض كليب على التبع فقتله وخرج الفرسان من الصناديق فكانت معركة كبيرة انتصر فيها القيسيون، لكنها جرَّت معها حروب كثيرة بين القيسيين واليمانيين.

حاول بنو مرَّة التخلص من الزير بعد أن تنبأوا بخبر الحرب

في خضم حروب القيسيين واليمانيين أصبح كليبٌ من كبار ملوك العرب وله جيشٌ جرَّار طوع بنانه، كما بنى لنفسه قصراً بديعاً سكنه مع الجليلة، أمَّا سالم الزير الذي كان في المعارك أسداً كراراً كان في السلم يلهو مع النساء ولا يفلت كأس الخمر من يده، ومرت سنوات يزداد فيها نجم كليب سطوعاً، حتى اجتمع أبناء مرّةَ وضربوا في الرمل فعرفوا أن جسَّاساً أخوهم سيقتل كليباً لا محالة، وأنَّ الزير سالم سينتقم لأخيه ويقتل أمراء بكر وأبناء مرَّة عن آخرهم، فما كان من مرَّة إلَّا أن استدعى الجليلة زوجة كليبٍ وأنبأها بأخبار الرمل، كما اقترح أن يقتلوا الزير فيختفي صاحب الثأر، لكن الجليلة قالت لهم ما معناه: "هل نقتل الزير فيأخذ كليب بثأر أخيه وتكون الحرب أشد وأقسى؟ بل إني لأجعل كليباً يرمي الزير في المهالك فنتخلص منه".

صارع الزير الأسود في مواطنها وبنى قصراً من جماجمها

كادت الجليلة لسالم الزير وألَّبت عليه كليباً وقالت أن الزير "أتى القصر سكراناً وعينه فيها"، فما كان منه إلا أن نفاه إلى المراعي، لكن الجليلة لم تنل مرادها فزادت في كيدها وحرضت كليباً أكثر على أخيه، فقالت له أنَّ "الزير عار عليك يجب أن تتخلص منه لتصفو لك قلوب العرب وتهابك"، فأودعه في وادٍ كثير الوحوش لا بشر فيه لكن الزير سالم كان مغواراً شديد البأس فلم يخف ولم تقدر عليه الضواري، وما كان الزير ينفذ مشيئة كليب إلَّا محبَّة وطاعة.

رحلة الصيد وشجاعة الزير سالم

حتى قرَّر كليبٌ أن يأخذ سالم الزير معه في رحلة صيد ليقتله وكأنَّه قتله عن طريق الخطأ، فهاجمهم أسد في البراري وهوى كليبٌ على الأسد برمحه فلم يصبه ثم هرب كليب خوفاً من الأسد، فلما رأى المهلهل كليباً هارباً انقض على الأسد بخنجره وقسمه شطرين ثم استخرج قلبه وأكله، وصاح لأخيه ليعود، فلما رأى كليباً شجاعة أخيه وبسالته قال في نفسه: "أهذا أخ يجلب العار، لا والله إنَّه لفارس مقدام"، وهذا ما قاله كليب للجليلة لمَّا عاد؛ فثارت عليه وحرضته على الزير وقالت ألَّا بد من قتله، وأعطته الطريقة المثالية للتخلص من الزير برميه في البئر.

الزير سالم في البئر

أشارت الجليلة على زوجها أن يصحب سالماً إلى البئر ويدليه بحبل لينشل الماء، ثم يوقِع الحبل ويتركه يموت في البئر دون أن يعلم أحد أنَّه قتله، وهذا ما كان لولا أن الجياد جمحت واجتمعت على الماء وعجز كليب ومن معه أن يفرقوها، فصرخ الزير بصوت مرعد من قاع البئر فتفرقت الجياد رعباً، ولمَّا حدث هذا عدل كليبٌ عن قتل أخيه مرة ثانية، فعاد وائل إلى زوجته وأخبرها بما كان من شجاعة الزير وقوته، حيث لم تجد الجليلة حجَّة جديدة فتراجعت عن اتهاماتها للزير وقالت أنَّها كانت تختبره وحسب، لكنها كانت تكيد له شر مكيدة.

حليب السباع وماؤها

بعد أيام من حادثة البئر تمارضت الجليلة ورقدت في الفراش، ثم قالت لكليب أن دواءها حليب السباع ولا يقدر عليه إلا سالم الزير، وما كانت تريد من ذلك إلا التخلص من المهلهل، فأرسل وائل بطلب أخيه ولمَّا حضر قال له طلب الجليلة، وافق الزير من فوره وطلب من وائل سيفاً لكن الجليلة قالت له: "وهل تطلب سيفاً وأنت بهذه الشجاعة؟"، فمضى الزير إلى مراده بلا سلاح، وفي الغابة صارع الأسد فقتله حتى جاءت اللبوة ووجدت زوجها قتيلاً فلاحقت الزير تريد النيل منه، صعد سالم إلى الشجرة واللبوة تنتظره تحت الشجرة، حتى أقبلت أشبالها لترضع من ثديها فهوى الزير بنفسه فوق اللبوة وأحكم يديه حول عنقها ثم حزَّ رقبتها بالسكين وأخذ حليبها، كما ربط الأشبال وجرَّهم أمامه إلى القصر.

لم تهدأ الجليلة حتى أقنعت كليب أن يتمارض ويطلب من الزير سالم أن يأتيه الدواء، وهو الماء من البئر التي تشرب منها السباع، وهذا ما كان فساق الزير حماراً وقربتين ليملأها ماءً من بئر السباع. وصل الزير إلى البئر وكانت الأُسد قد غادرته إلى البراري عدا أسد واحد كان نائماً عند البئر، فقال المهلهل: "لن أقتل أسداً نائماً فهذا هو الغدر بعينه".

ربط الزير حماره ونزل إلى البئر فملأ القربتين، ولما صعد وجد الأسد قد استيقظ وهاجم الحمار وأكله، فغضب المهلهل وهاجم الأسد حتى جثم فوقه كجبل وصرخ:

"كيف تأكل حماري؟ أما علمت ببطشي واقتداري، وحق ذمة العرب لا بد تحميلك القرب".

ثم ضربه حتى غاب الأسد عن الوعي، فلجمه بإحكام ووضع سرج الحمار عليه وحمَّله القرب، ولما استيقظ ساقه عائداً به إلى القصر، وكان يضربه بالعصى ويقول له:

"يا قليل الأدب؛ الذي يأكل حمير فرسان العرب فهو أولى بحمل القرب".

أخيراً لم تنجح الجليلة في التخلص من الزير لتنقذ أهلها من بطشه القادم، كما أنَّ كليباً أصبح يحب أخاه أكثر من أي وقتٍ مضى، لكن الزير اعتكف بعيداً عن المدينة عند بئر السباع وبنى له خيمة يلهو فيها ويولم للنساء والأصحاب إلى أن اندلعت الحرب الكبيرة بين أبناء العمومة.

مقدمات حرب البسوس

على الرغم من السبب المعروف لاندلاع حرب البسوس، إلا أن هناك أسباب غير مباشرة لقتل كليب لم تكن قصة الجمل إلَّا واحدة منها، حيث ساد كليب على تغلب وعلى أبناء عمه من البكريين، لكن كليباً تكبر على أبناء عمومته وأخذه ملكه وغروره فصار يعتني بمظاهر الملك والزهو ويفاخر بنفسه عليهم، ومن طغيانه أنَّه منع الإبل أن ترد ماءً تردها إبله، لكن قبل أن نخوض في التفاصيل لا بد أن نتوقف قليلاً مع البسوس.

من هي البسوس؟

في المسلسل الدرامي المشهور الذي كتبه أوعدَّ له الشاعر والأديب السوري الراحل ممدوح عدوان وأخرجه حاتم علي عن قصة الزير سالم كانت البسوس خالة جسَّاسٍ، وكانت تعمل في التجارة فتنزل على الملوك ببضائعها، كما كانت هي المسؤولة عن تجميل الجليلة في عيون التبع ليخطبها لأنَّها كرهت كليباً، وفيما بعد كانت سبب الحرب بين البكريين والتغلبيين، وهذا ما يؤكد عليه حنا الفاخوري في كتابه تاريخ الأدب العربي.

لكننا إذا عدنا للنسخة الشعبية من سيرة الزير سالم والتي تتم طباعتها دون ذكر اسم مؤلف أو محقق ومن بينها طبعة مكتبة الجمهورية المصرية، سنجد في هذه النسخة أنَّ البسوس هي أخت التبع اليماني (الذي قتله كليب) ولها عدة أسماء من بينها تاج هند وسعاد، كما أن البسوس كانت تجيد المبارزة وتهزم الفرسان إلى أن هزمها سعد ابن عمها وتزوجها، وكان لسعد مُلكٌ وجيش؛ فعاشت البسوس معه حياة رغيدة أكثر من عشرين سنة إلى أن فقد سعدٌ البصر فحكمت هي بالنيابة عنه وكانت كلمتها مسموعة بين العرب، لكن كليباً قتل أخاها (التبع اليماني) ولم تكن تملك قوة الثأر فتنغص عيشها وقررت أن تلجأ إلى الحيلة، حيث نزلت على بلاد كليب وقد علمت أن جسَّاساً بن مرَّة لا يحب كليباً فنزلت ضيفة على عدو عدوها، وبدأت تكيد بين القبائل وتذكي نار الفتنة بين الناس، ما أدى إلى عدَّة صدامات بين جسَّاس وكليب مهدت للمقتلة الكبرى، فلم تكن البسوس ترمي الفتنة إلَّا ثأراً لأخيها التبع حسان اليماني.

قصرٌ من رؤوس السباع

ومن بين القصص الجميلة في النسخة الشعبية لسيرة الزير سالم أنَّ كليباً بلغه ما يعد له أبناء عمومته للحرب معه، فذهب إلى أخيه الزير الذي كان مقيماً إلى جوار بئر السباع، وطلب كليبٌ من أخيه أن يعود معه إلى المدينة ليدافع عن المُلك بمواجهة ما يعد له أبناء عمهم وعلى رأسهم جسَّاس، لكن الزير قال لكليب بعد أن ضحك ضحكاً كثيراً (بما معناه):

"هل ترى هذا القصر؟! لقد بنيته من رؤوس السباع ثأراً للحمار الذي أكله الأسد! فكيف تخاف على ملكك ولك أخ مثلي؟".

كانت الناقة شرارة حربٍ امتدت أربعين عاماً!

تقصدت البسوس أن ترسل ناقتها (سراب) إلى مورد الماء الذي حرَّمه كليب على غير إبله، فما كان من كليبٍ إلى أن أردى الناقة بسهامه، وفي النسخة الشعبية أن الناقة دخلت بستان كليب وأكلت كرومه بعد أن قام العبيد بهدم السور وإدخالها عمداً، الأهم من ذلك أن البسوس وجدت في قتل الناقة فرصة ذهبية لتستفز جسَّاساً وكانت قد حدثته عن قيمة هذه الناقة قبل أن ترسلها إلى حتفها، وبدأت البسوس تبكي وتنوح وتندب ناقتها، وبين الدموع والندب كانت تلوم جسَّاساً على سوء الضيافة، كما لم تقبل ببديل لتلك الناقة حتى ثار جسَّاسٌ وركب خيله يريد أن يقتل جمل كليب (علَّال) بناقة البسوس، لكن القدر كان أن يقتل جسَّاسٌ كليباً عند أحد الغدران.

أيام حرب البسوس المشهودة

اشتعلت الحرب بين الزير سالم وبين جسَّاس في نهايات القرن الخامس الميلادي، وكانت الجليلة حبلى بابن كليب لكنها أخفت الأمر عن التغلبيين، وتربى الولد في بيت خاله لا يعرف حقيقة أمره، أما الزير فقد خاض حرباً ضروساً في ثأر أخيه، ولم يكن ليقبل بالصلح أبداً، واستمرت الحرب أربعين سنة كما يذكر حنا الفاخوري، ولها ستة أيام مشهودة بعظمة معاركها، هي:

  • يوم النهي؛ والنهي هو اسم مورد الماء الذي شهد المعركة وغلب فيه الزير.
  • يوم الذئاب؛ كانت الغلبة فيه للزير أيضاً، كما قتل فيه شراحيل أخو جسَّاس.
  • يوم واردات؛ وكان النصر لتغلب والزير أيضاً.
  • يوم عنيزة؛ هذه المعركة لم يغلب فيها أحد بل كانت متكافئة.
  • يوم القضيبات؛ والغلبة فيه للزير على بكر، وفي هذا اليوم قتل همَّام أخو جسَّاس.
  • يوم تحلاق اللمم؛ كان النصر فيه لجسَّاس والبكريين على التغلبيين.

تعددت الروايات التي تحدثت عن نهاية حرب البسوس ونهاية الزير سالم

تعتبر قصة الزير سالم من الموروث الشعبي لسيرة الأبطال، والذي تناقله الناس شفهياً عن أحداث وقعت قبل تدوينه بسنوات طويلة، ما أدى إلى تعدد الروايات والقصص واختلاف التفاصيل، لكن القصة بالعموم واحدة إلَّا أن جدلاً كبيراً يدور حول نهاية الحرب ومقتل الزير سالم خاصة بعد عرض المسلسل؛ سنستعرض معاً أبرز هذه النهايات.

نهاية حرب البسوس في مسلسل الزير سالم

يتم التخلص من الزير سالم في المسلسل ويعتقد الجميع أنَّه قتل، فيما يكون حياً لكنه فاقداً للذاكرة، ثم يعود الزير بعد سنين طويلة وقد استعاد ذاكرته ويريد أن يستكمل ثأره، فيجد جسَّاساً قد نفى نساء التغلبيين بعيداً عن المدينة وحرمهن من الزواج إلَّا سبايا، فيعيد الزير استجماع حلفائه ويخوض الحرب مجدداً كما يتعرف إلى الجرو بن كليب.

يتظاهر الجرو أنَّه سيعقد صلحاً مع جسَّاس لكنه قبل أن يتم الصلح ينقض على جسَّاس ويقتله بعد المبارزة، بعد مقتل جسَّاس ينفضُّ الحلفاء من حول الزير حيث اعتبروا أن ثأره قد انتهى، لكن الزير يريد أن يستمر بثأره ومن بين الذين يقتلهم الزير يكون جبير بن الحارث بن عباد، حيث أرسله الحارث ليحقن به الدم لكن الزير يقتله ويقول: "بشسع نعل كليب"، ما يجعل الحارث يتدخل في الحرب لأول مرَّة منذ اندلاعها وهو صاحب الجملة الشهيرة "هذه الحرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل".

والحارث رجل شديد القوة على الرغم من كبر سنه، فيوقع الزير عن حصانه في المعركة لكن الزير يتوسل إلى الحارث ألَّا يقتله ويشير عليه بقتل صديق عمره امرؤ القيس بن أبان، تنتهي الحرب عند هذا الحد، أما الزير فينكسر ظهره في هذه المعركة ويطوف ذليلاً في الصحارى حتى يقتل على يد اثنين من العبيد سنأتي على ذكرهما.

نهاية حرب البسوس عند حنا الفاخوري

يشير حنَّا الفاخوري في كتابه حرب البسوس إلى نهاية مختلفة، حيث أنَّه لا يشير إلى سبب اختفاء الزير، بل يقول أن التغلبيين والبكريين عقدوا صلحاً في غياب الزير، فلما عاد المهلهل نقض الصلح واستأنف الحرب وأرسل من قتل جسَّاساً، ثمَّ وقع الزير سالم في الأسر ومات أسيراً سنة 531 ميلادية.

نهاية الحرب في القصة الشعبية

تتفق النسخة الشعبية التي أشرنا إليها سابقاً مع ديوان الملحمة الشعرية التي أعدَّها يوسف صادر في بيروت سنة 1894، وذلك أن الحرب انتهت بمعرفة نسب الجرو إلى كليب ثم قتل جسَّاس وبضع معارك أخرى، أما سالم الزير فقد أحناه الكبر فنأى بنفسه عن الناس، ثم طلب من الملك الجديد (الجرو) أن يسافر للاستجمام فحمل معه اثنين من العبيد للخدمة، وطاف موكب المهلهل حتى وصل إلى تخوم الصعيد، هناك تآمر العبدان عليه وقرَّرا أن يقتلاه ليستريحا من مشقة السفر ويخبرا أهله أنَّه مات على الطريق، وعندما شعر الزير سالم بنية العبيد قال لهما:

 "إذا وافتني المنية في الطريق قولا لأهلي هذا البيت من الشعر، من مبلغ الأقوام أن مهلهلاً لله دركما ودر أبيكما".

قتل العبدان الزير ليلاً ودفناه في الصحراء، ثم عادا إلى المملكة وأخبرا الجرو بخبر موت عمه الزير، ثم أنشداه بيت الشعر الذي حفظاه عن المهلهل، لكن اليمامة بنت كليب لمَّا سمعت البيت عرفت أنَّ عمَّها يريد منه أن يفضح أمر العبدين فأكملت البيت على الشكل التالي:

من مبلغ الأقوام أن مهلهلاً أضحى قتيلاً في الفلاة مجندلا

لله دركما ودر أبيكما لا يبرح العبدان حتى يقتلا

بذلك كان العبدان آخر من ابتلعتهم حرب البسوس وسيوف التغلبيين والبكريين، كما أن المسلسل يشترك مع القصة الشعبية في قضية العبدين وقتل الزير، لكن الزير في المسلسل كما ذكرنا كسر ظهره في المعركة، بينما هو في القصة الشعبية قد أضعفه كبر السن بعد نهاية الحرب.

قدم المسلسل عدداً من الوجوه الجديدة التي أصبحت من النخبة

تم إنتاج مسلسل الزير سالم من قبل شركة سورية الدولية عام 2000، والنص من كتابة الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان بطريقة ذكية ومعالجة درامية جعلت من المسلسل علامة بارزة في تاريخ الدراما السورية، المسلسل من إخراج حاتم علي، كما لعب دور الزير سالم الممثل سلوم حداد ودور كليب الممثل رفيق علي أحمد، فيما لعبت دور الجليلة الممثلة فرح بسيسو إلى جانب عابد فهد في دور جسَّاس وخالد تاجا في دور الحارث بن عباد.

إضافة إلى بسام كوسا في دور التبع اليماني، وقد قدم مسلسل الزير سالم مجموعة من الوجوه الجديدة التي تعتبر الآن من نخبة الممثلين السوريين مثل: تيم حسن في دور الجرو بن كليب، مصطفى الخاني في دور جحدر، تاج حيدر في دور اليمامة الصغيرة، كذلك قصي خولي في دور شيبون بن همام.

لم يصلنا من شعر سالم الزير إلا القليل

أبيات قليلة هي التي وصلتنا من شعر الزير سالم وردت في كتب الأدب مثل الأغاني وخزانة الأدب وديوان الحماسة، كما نسب إلى الزير الكثير من الأبيات التي ليست له خاصةً بعد أن أصبحت قصته سيرة شعبية مشهورة، فإذا طالعنا النسخة الشعبية من قصة الزير سنجد أن القصة تعرضت لتعديلات متراكمة عبر الزمن، وهناك نسختان أو أكثر لقصة الزير سالم، الأولى تحتوي على سرد للقصة بأسلوب السجع مع ذكر أبيات شعرية على ألسنة الشخصيات، أما الثانية التي أعدَّها يوسف صادر فهي ملحمة شعرية مكتوبة بلهجة بيضاء بدوية، وفي كلا النسختين لا يمكن اعتبار الأبيات المذكورة من قول الزير سالم لاختلاف اللغة والأسلوب إضافة إلى وجود أمور لم تكن قد حدثت بعد.

أما ما يمكن أن نذكره من شعر الزير سالم هو ما قاله في رثاء أخيه كليب، ومنه هذه الأبيات:

كُليبُ لا خيرَ في الدُّنيا وما فيها إن أنتَ خلَّيتها في من يُخلّيها

نعى النُّعاةُ كُليباً فقلتُ لهم سالتْ بنا الأرض أو زالتْ رواسيها

كذلك قوله متوعداً:

ذهبَ الصُّلحُ أو تردُّوا كليباً أو اُذيق الغدَاةَ شيبانَ ثُكْلَا

ذهبَ الصُّلحُ أو تردُّوا كليباً أو تَنالَ العُداة هوناً وذُلَّا

وصية كليب من مسلسل الزير سالم

كلُّ مَن شاهد مسلسل الزير سالم يتذكر القصيدة التي تتحدث عن وصية كليب للزير سالم والمعروفة بـ (لا تصالح)، إضافة إلى الموسيقا التصويرية التي أبدعها طاهر مامللي، في الواقع هذه القصيدة تم إعدادها اعتماداً على نسخة يوسف صادر البيروتية عام 1894، والقصيدة من عشر أبيات مكتوبة باللهجة البيضاء البدوية، تقول القصيدة:

هديت لك هدية يا مهلهل عشر أبيات تفهمها الذكاةْ

أول بيت أقوله أستغفر الله إله العرش لا يعبد سواه

وثاني بيت أقول الملك لله بسط الأرض ورفع السماه

وثالث بيت وصى باليمامة واحفظ العهد ولا تذكر سواه

ورابع بيت أقول الله أكبر على الغدار لا تنسى أذاه

وخامس بيت جسَّاسٍ غدرني شوف الجرح يعطيك النباه

وسادس بيت قلت الزير خيي شديد البأس قهار العدا

وسابع بيت سالم كون رجال لأخذ الثار لا تعطي وناه

وثامن بيت بالك لا تخلي لا شيخ ولا كبير ولا فتاه

وتاسع بيت بالك لا تصالح وإن صالحت شكوتك للإله

وعاشر بيت إن خالفت قولي أنا وإياك لقاضي القضاةْ

لا تصالح في شعر أمل دنقل

ومن بين الاستثمارات الرمزية لقصة الزير سالم كانت قصيدة الشاعر المصري الراحل أمل دنقل، والتي تعتبر من أجمل قصائده ومن أبدع ما قيل في شعر المقاومة، يقول دنقل:

لا تصالحْ... ولو منحوك الذهبْ!

أترى حين أفقأ عينيكَ ثم أثبت جوهرتين مكانهما

هل ترى؟ هي أشياء لا تشترى

ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك، حسُّكما - فجأةً- بالرجولةِ

هذا الحياء الذي يكبت الشوق حين تعانقُهُ

الصمتُ مبتسمين لتأنيب أمِّكما، وكأنَّكما ما تزالان طفلين!

تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:

أنَّ سيفانِ سيفَكَ.. صوتانِ صوتَكَ

أنَّكَ إن متَّ: للبيت ربٌّ وللطفل أبْ

هل يصير دمي بين عينيك ماء؟ أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء؟

تلبس فوق دمائي ثيابًا مطرَّزَةً بالقصبْ؟

إنها الحربُ! قد تثقل القلبَ، لكن خلفك عار العربْ

لا تصالحْ.. ولا تتوخَّ الهربْ!

ختاماً... كانت قصَّة الزير سالم لمدة طويلة تروى في المجالس وتتناقلها الألسن، ومثلها كانت قصَّة أبي زيد الهلالي وعنترة بن شداد وغيرها من القصص الشعبية التي ما تزال حية إلى يومنا هذا، حيث أن الموروث القصصي وخاصة قصص الأبطال تعتبر مرآة للمجتمع الذي ينتجها وهذا ما سنجده في قصَّة الزير إذا أمعنَّا النظر في تفاصيلها.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر