أحمد عُرابي والثورة العُرابية

البطل المصري الذي عاش تسع عشرة سنة في المنفى بعيدا عن مصر .. ومات في مصر غريباً عنها

تاريخ النشر: 19/02/2017
آخر تحديث: 19/02/2017
صورة أحمد عرابي

سمع معظمنا بالثورة العُرابية، وبطلها أحمد عُرابي، فهذا الاسم كثيراً ما يتردد في الحوارات السياسية، والبرامج التلفزيونية، كما أنَّه مذكور في أغلب المناهج التعليمية في العالم العربي، لكن هناك تفاصيل كثيرة غابت عن الأذهان بعد مرور الزمن، سنحاول أن نتذكرها معاً من خلال هذه المادة.

هو بطل الثورتين، بمواجهة الخديوي توفيق، ثم بمواجهة الإنجليز، وهو الفلاح البسيط، القادم من قريته دون أنْ يعلم أنَّ التاريخ سيخلِّد اسمه، ودون أن يعرف أنَّ شخصيته ستكون محل خلاف لدى المؤرخين، تمتد إلى قرن من الزمن بعد وفاته، سنستعرض معاً، محطات من حياة البطل المصري أحمد عُرابي، الذي كان أول مصري يصل إلى الرتب العليا في الجيش، في فترة حكم أسرة محمد علي باشا الكبير، وأول من رفض سياط الأجانب على ظهور الفلاحين.

تعلَّم أحمد عُرابي قواعد الحساب والقرآن الكريم

أحمد الحسيني عُرابي، أو أحمد محمد عُرابي الحسيني، ولد في آخر أيام آذار/مارس، أو في الأول من نيسان/أبريل عام 1841، في قرية (هرية رزنة) من محافظة الشرقية المصرية، قريباً من مدينة الزقازيق، كما يعود نسبه إلى مهاجرين أتوا من العراق منسوبين إلى الإمام الحسين ابن الإمام علي عليهما السلام، أما والد عُرابي فكان أحد شيوخ القرية (قبل ظهور منصب العمدة) ومن أعيانها، له أربعة أولاد من زوجته فاطمة، كان أحمد ثانيهم، فدفع به صبياً إلى صرَّاف القرية (ميخائيل غطاس)، يتعلم منه أصول الحساب والعدِّ، كذلك تتلمذ في كتَّاب القرية فتعلم القرآن الكريم والكتابة والقراءة، إلى أنْ توفي والده، حيث لم يكن أحمد عُرابي قد تجاوز الثامنة من عمره، فحمل أخوه الكبير محمد مسؤولية العائلة.

أحمد عُرابي في الأزهر الشريف

يُرجَّح أن والد أحمد عُرابي مات نتيجة إصابته بالكوليرا في وقت انتشرت فيه الأوبئة بالقرى المصرية، فتعهد شقيقه الأكبر برعاية العائلة، فأرسل أحمد إلى الأزهر الشريف، حيث مكث أربع سنوات، يأخذ من علوم الأزهر، من النحو، والفقه، إضافة إلى التفسير، وحفظ القرآن الكريم، لكن عُرابي الصغير ترك الأزهر، وعاد إلى قريته لأسباب مجهولة، فقضى بعض الوقت في قريته، قريباً من الفلاحين الذين ينتمي إليهم، بعيداً عن أبناء الذوات والباشوات.

انضمام أحمد عُرابي إلى الجيش

دخل أحمد عرابي إلى الجيش عام 1854 في الرابعة عشر من عمره، بعد أنْ أقر سعيد باشا قوانيناً تسمح لكل طبقات الشعب دخول الجيش، فكان عُرابي جندياً عادياً، وعلى الرغم من عدم استمراره في العلم، إلا أنَّ ما حصل عليه من علم الحساب والقراءة والكتابة أهلّه ليعمل في الكتابة ضمن آلاي المشاة الأول، كما سمح سعيد باشا لأفراد الجيش بالترقي في الرتب بعد الخضوع للامتحانات بغض النظر عن كونهم مصريين أم شراكس، في وقت تمتع فيه الشراكس بسلطان الجيش، لكنَّ أحمد عرابي تمكن من استغلال هذه التسهيلات، ليتدرَّج في الرتب العسكرية خلال سنوات قليلة، حيث تمت ترقيته من جندي، إلى ملازم، ثم يوزباشي (نقيب)، ثم صاغ (رائد)، ثم بك باشي (مقدم)، إلى أن وصل إلى رتبة قائم مقام (عقيد) ولم يتم العشرين من عمره.

علاقة أحمد عرابي بسعيد باشا

كان أحمد عُرابي من المقربين لحاكم مصر سعيد باشا، حتى أنَّه رافقه في رحلته إلى المدينة المنورة، كما قدم لعُرابي نسخة عربية نادرة من تاريخ نابليون، حيث يقول عرابي في مذكراته أنّه قرأ الكتاب في ليلة واحدة، إلا أنَّه من الصعب تحديد أسباب هذا التقارب بدقة، لكنَّ الأرجح أنَّ سعيد باشا كان ميالاً للمصريين أكثر من ميله للأتراك والشركس المتحكمين بالبلاد، كما أنَّ النزعة المصرية لدى عُرابي، كانت آخذة بالتطور مع الأيام، لما يراه من تمييز بين المصريين والأجانب، حيث بقيت الحظوة للأجانب على الرغم من محاولة سعيد باشا إدخال المصريين إلى الحياة العسكرية، وانتهى هذا التقارب بين عرابي وسلالة محمد علي باشا الكبير مع وفاة سعيد باشا، ووصول الخديوي اسماعيل إلى حكم مصر عام 1863، حيث يكاد يختفي ذكر عرابي أثناء حكم اسماعيل.

كان عهد الخديوي اسماعيل نقطة تحول في تاريخ مصر

ما زال الجدل قائماً حول فترة حكم الخديوي اسماعيل لمصر (1863-1879)، حيث تمكن الخديوي اسماعيل من الحصول على امتيازات عديدة في عهد انحلال الدولة العثمانية، كما عاصر الخديوي اسماعيل ثلاثة سلاطين في أقل من خمسة عشر عاماً (السلطان عبد العزيز، السلطان مراد الخامس "المجنون"، السلطان عبد الحميد الثاني "الغازي")، كما تم افتتاح قناة السويس في عهده، حيث دعا إليها كبار قادة العالم وأمرائه، وأقام حفلاً ضخماً أنفق فيه أموال طائلة، فضلاً عن الأموال التي دفعها ليحصل على لقب الخديوي، كما حصل على فرمانات متتالية من سلاطين الأستانة، أعطت مصر ما يشبه الاستقلال التام إلا في بعض الأمور التي تعتبرها السلطنة أموراً سيادية، مثل توقيع الاتفاقيات السياسية، أو التمثيل الدبلوماسي في الدول الأخرى، كما حصلت مصر على حق الاستدانة من الدول الأجنبية لتمويل مشاريع الخديوي الحضارية.

نهاية الأمر، أنَّ الخديوي اسماعيل أحدث نهضة عمرانية واجتماعية كبيرة في عهده، لكنَّه حسب أغلب المؤرخين افتقر إلى الرشد في الإنفاق؛ ما أدى إلى تراكم الديون على مصر وإعلان إفلاسها، وبيع حصتها في قناة السويس للإنجليز عام 1875، تلاها بيع حصتها من أرباح القناة، وكانت عائلة روتشيلد الإنجليزية الشهيرة هي من رتبت لهذه الصفقة، كما رتبت لاحقاً لوعد بلفور المشؤوم، ولكن أين أحمد عُرابي من كل هذا؟

فتحت الديون المتراكمة باباً للإنجليز والفرنسيين للسيطرة على مصر

لم يكن الأمر بهذه البساطة، حيث لم تكفِ الأموال التي حصل عليها الخديوي من بيع قناة السويس لسدِّ ديونه؛ ما أجبره على تقديم تنازلات كثيرة للدول المانحة، على رأسها إنجلترا وفرنسا، فأرسل صندوق الدين العام مندوبين لمراقبة الاقتصاد المصري، ثم وافق الخديوي على تعيين مراقب إنجليزي للدخل، ومراقب فرنسي للصرف، ثم على إرسال لجنة تحقيق مشتركة، فكانت مصر بذلك قد وقعت في مصيدة الأجانب، حيث تم تعيين وزارة تابعة لهم وإسقاطها، ثم تمت إعادة تشكيلها برئاسة الأمير توفيق، وقد تضمنت وزيرين لفرنسا وإنجلترا، هما المتحكمان الفعليان بكل شؤون الحكومة، حيث حاول الخديوي إسماعيل أن يتخلص من هذه القيود قدر الممكن، حتى أنَّه شارك في إحدى المظاهرات ضد الحكومة الأجنبية، لكنَّه في النهاية، تلقى قرار عزله من السلطان عبد الحميد الثاني، ليخلفه ابنه الأمير توفيق عام 1879، وهنا كان دور أحمد عرابي في إذكاء نار الثورة التي اشتعلت منذ تدخل الأجانب في مصر.

أحمد عُرابي والخديوي توفيق

لم يكن الخديوي توفيق مثل أبيه في شيء، بل على العكس تماماً، أبعد من حوله بطانة الخديوي إسماعيل، ونهج نهجاً معادياً للحركات الوطنية التي شهدتها البلاد خلال الصراع مع الأجانب في الحكومة، كما شهد الجيش في بداية عهد توفيق حركة عسكرية مناوئة لحكومة رياض باشا، واحتجاجاً على القرارات التي أصدرها وزير الجهادية (وزير الدفاع) عثمان رفقي، والتي كانت تراجعاً عن قرارات سعيد باشا، وقد أنصفت العسكر المصريين، لتعود قرارات رفقي إلى تفضيل الشراكس على المصريين في الجيش، فضلاً عن إقصاء كبار الضباط المصريين وعزلهم، فكان أحمد عُرابي من بين رواد هذه الحركة التي تصدَّت لممارسات عثمان رفقي.

اجتماع الضباط في بيت أحمد عرابي

اجتمع كبار الضباط المصريين في منزل عرابي، يتباحثون في ما آلت إليه أوضاعهم نتيجة سياسة الحكومة الجائرة بحقهم، ويتداولون ما عرفوه عن تخطيط الشراكس للسيطرة الكاملة على البلاد، فكان أنْ أجمع الضباط على تسمية أحمد عُرابي ناطقاً باسمهم أمام الخديوي توفيق، وحكومة مصطفى رياض باشا، فكتب عرابي عريضة موجهةً إلى مصطفى رياض باشا، يشكو فيها ممارسات وزير الدفاع عثمان رفقي، كما تضمنت مطلبين أساسيين:

  1. عزل عثمان رفقي من وزارة الجهادية، وتعيين أحد الضباط الوطنيين مكانه.
  2. تعديل القوانين العسكرية بحيث تضمن العدل والمساواة، بين أبناء المذاهب والأعراق.

حيث تم رفع هذه العريضة إلى رئيس النظار (رئيس الوزراء)، منتصف كانون الثاني/يناير عام 1881.

أحمد عرابي والضباط في السجن

شعر رئيس النظار بخطورة العريضة التي قدمها أحمد عرابي، مع اثنين من كبار ضباط الجيش، ودار بينهم نقاش لا يبشر بالخير، إلا أنَّ رياض باشا انتظر أسبوعين بعد تقديم العريضة، حيث اتخذ قراراً بالقبض على الضباط الثلاثة ومحاكمتهم، فدعاهم إلى الجهادية (وزارة الدفاع)، وألقى القبض عليهم بمجرد دخولهم وأودعهم السجن، كما استبدلهم بضباط آخرين ينوبون عنهم في مناصبهم، إلا أنَّ انتشار خبر الاعتقال أحدث موجة غضب كبيرة في صفوف الضباط المصريين، فقام الضابط محمد عبيد بجمع جنوده والهجوم على قصر النيل لتحرير الضباط الثلاثة، ففر وزير الدفاع ورئيس الحكومة من وجه الجنود، وتم إخلاء سبيل الضباط الثلاثة، ثم ذهبوا إلى حضرة الخديوي توفيق، الذي أجابهم بعزل عثمان رفقي من منصبه، وإعادتهم لمناصبهم، فأعلنوا الولاء له، واختاروا محمود سامي البارودي ناظراً للجهادية.

الثورة العُرابية

كان محمود سامي البارودي مطابقاً لآمال الضباط والعسكريين، ما جعله بالتالي مخالفاً لتطلعات الخديوي توفيق ورئيس حكومته، فقاموا بعزله بعد أشهر قليلة من تعيينه، وحل محله داوود باشا يكن (صهر الخديوي الذي كان شبيهاً بعثمان رفقي)، وقد حاول الخديوي وأعوانه التخلص من عرابي ورفاقه بشتى الوسائل.

لكن عرابي كان قد أسس شبكة وطنية من العسكريين والمدنيين، صعبت مهمة التخلص منه، كما ذاع صيته بعد حادثة قصر النيل، وأصبحت سيرته تدور بين المصريين، أنَّه نصيرهم وزعيمهم، ما جعل من وجوده عبئاً كبيراً على الخديوي وحكومته، لكنَّ عرابي ومن معه كانوا قد بدأوا فعلاً بحشد أعيان البلاد ووجهائها، ليقيموا مرةً ثانية احتجاجاً على الممارسات الظالمة بحقهم، كما راسل عُرابي ومن معه السلطان في الأستانة وأخبروه بالحال الذي وصلت إليه أمورهم.

أحداث ثورة عرابي

كتب عرابي إلى وزير الدفاع يبلغه أن الجيش سيتحرك باتجاه سرايا عابدين، عصر يوم الجمعة التاسع من شهر أيلول/سبتمبر عام 1881، ليعرض على الخديوي توفيق مطالبه العادلة، راجياً أن يتفهم الخديوي حسن نوايا الضباط ويستمع إلى شكوتهم، كما أرسل عرابي إلى سفراء وقناصل الدول الأجنبية يخبرهم أن ما سيقوم به الجيش ليس إلا مظاهرة عسكرية سلمية، ولن يطول أحد من رعاياهم أي أذى، كما لم تكن هذه البادرة في الحسبان، ما أربك الخديوي توفيق ومن معه من الحكومة، فحاولوا إقناع أحمد عُرابي بالعدول عن الفكرة، لكنَّه كان مصمماً، فأمر توفيق بتعزيز دفاعات قصر عابدين، وحاول حشد ما استطاع من الجنود الذين يكنون الولاء له.

تحرك عرابي على رأس جنوده ليلتقي بالضباط الآخرين في ميدان عابدين، فشكلوا معاً جيشاً قوامه قرابه أربعة آلاف جندي، معهم سلاحهم إضافة إلى المدفعية، أما الضربة القاسمة التي وجهها الوطنيون إلى الخديوي وحاشيته، كانت انضمام علي بك فهمي إلى رفاقه في ميدان عابدين، حيث كان هو الوحيد من الضباط الذي بقي لحماية القصر مع جنوده، فأصبح القصر خالياً من الحرس في مواجهة جيش جرارٍ على أبوابه، فضلاً عن آلاف الأهالي الذين تجمهروا خلف الجنود.

حوار أحمد عرابي مع الخديوي توفيق

كان الخديوي يقوم بجولة على القطعات العسكرية ليتمكن من تأمين تأييد له في مواجهة عرابي، لكنَّه لم يتمكن من استمالة أحد، كما علم أثناء جولته أن أحمد عُرابي قد أصبح على مشارف القصر، فعاد إلى القصر، ونزل إلى الساحة محاطاً ببعض من الحرس، ومعه قنصل إنجلترا، فتقدم عرابي إليه على ظهر جواده، حتى اقترب منه فنزل، وأدى التحية العسكرية، وجاء من خلفه عدد من الضباط والعساكر، فدار بينهما حوارٌ كان الخديوي في بدايته يحاول أن يسحب البساط من تحت أقدام الجيش، لكنَّ ما جرى كان على العكس، على الأقل في المدى القريب، ونورد الحوار كما ذكره محمود الخفيف، في كتابه (أحمد عرابي الزعيم المُفترى عليه)، حيث أمر الخديوي الضباط برمي سلاحهم والتراجع، لكنهم أبوا، فوجه كلامه إلى أحمد عرابي:

الخديوي: ما هو سبب حضورك بالجيش إلى هنا؟
أحمد عرابي: جئنا يا مولاي لنعرض عليك طلبات الجيش والأمة، كلها طلبات عادلة.
الخديوي: وما هي هذه الطلبات؟
عرابي: إسقاط الوزارة المستبدة، وتشكيل مجلس نواب على النسق الأوروبي، وإبلاغ عدد الجيش إلى العدد المعين في الفرمانات السلطانية، والتصديق على القوانين العسكرية التي أمرتم بوضعها.
الخديوي توفيق: كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا.
عرابي: لقد خلقنا الله أحراراً، ولم يخلقنا تراثاً وعقاراً، فو الله الذي لا إله إلا هو، إننا سوف لا نورَّث ولا نُستعبد بعد اليوم.

فانسحب الخديوي إلى قصره، وترك المفاوضات للقنصل الإنجليزي، الذي صار يدخل إلى القصر ويعود إلى الساحة، إلى أن حمل موافقة الخديوي على طلبات عُرابي ومن معه، بإسقاط الوزارة، وتعيين شريف باشا لتشكيل وزارة جديدة، على أن يتم النظر في المطالب الأخرى، فدخل عرابي ومن معه على الخديوي، وشكروه على تفهمه وإجابته مطالبهم، فانتهى ذلك اليوم بعودة العسكر إلى مقراتهم، وترسيخ شخصية عرابي البطل في الأذهان، كما بدأ عصر من الحرية والدستورية، لكنَّه لم يدم طويلاً، بسبب دخول الإنجليز إلى مصر.

أصبح التخلص من أحمد عُرابي أولوية لدى الإنجليز

تشكلت الوزارة الجديدة، وتم تعيين محمود سامي البارودي ناظراً للجهادية، حيث كان المصري الأول الذي يشغل هذا المنصب، ثم استقال محمد شريف باشا رئيس الحكومة تحت الضغط، بسبب تدخلات الإنجليز والفرنسيين الصارخة، بحجة تحصيل الديون، ليتم تعيين حكومة جديدة برئاسة البارودي، الذي عيَّن أحمد عرابي ناظراً للجهادي، لتكون حكومة البارودي هذه أقرب ما يكون لما تمناه عرابي سابقاً، كما أعلنت الحكومة عن أول دستور للبلاد، والذي أقره الخديوي في السابع من شباط/فبراير عام 1882، لكن الخديوي ظل خائفاً على نفسه من الدستور أن يطيح به، ويحدد صلاحياته.

الأساطيل الإنجليزية والفرنسية إلى شواطئ الإسكندرية

نتيجة خوف الخديوي من الدستور، وتمدد نفوذ الوطنيين، نشأ خلاف بينه وبين وزرائه، فخرج الإنجليز والفرنسيون على الخديوي والحكومة بادّعاءات حماية الأجانب، نتيجة التوتر الذي تشهده البلاد، على الرغم من عدم وجود أي أخطار على المواطنين أو الأجانب، فأرسلت الدولتان أساطيلهما العسكرية إلى شاطئ الإسكندرية، بحجة حماية الرعايا الأجانب من أزمة الوزراء والخديوي، حيث وصلت السفن الحربية في أيار/مايو عام 1882، ثم تم تقديم مذكرة مشتركة فرنسية-إنجليزية في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، على نسختين، واحدة إلى الخديوي توفيق، والثانية إلى مجلس النظار، حيث تضمنت المذكرة (الإنذار) خروج كبار الضباط الوطنيين وعلى رأسهم أحمد عرابي من مصر، مع احتفاظهم برواتبهم ورتبهم، وذلك حفاظاً على السلم والأمان في مصر كما جاء في المذكرة، إضافة إلى طلب استقالة حكومة البارودي.

لكن حكومة البارودي رفضت هذه المذكرة، وعلى رأسهم وزير الجهادية أحمد عرابي، إلا أنَّ الخديوي توفيق أعلن قبوله بهذه المذكرة في اليوم التالي لإصدارها، فما كان من البارودي إلا أن قدم استقالته مع كل الوزراء احتجاجاً، لكن الخديوي رأى نفسه مجبراً على الاحتفاظ بأحمد عرابي وزيراً للجهادية، حيث رفضت حامية الإسكندرية أن يكون لها قائد غير عرابي، فأعاده إلى منصبه، لكن أمراً خطيراً وقع غيَّر مجرى الأحداث إلى حيث أراد الإنجليز.

حادثة الإسكندرية

في يوم الحادي عشر من شهر حزيران/يونيو عام 1882، أقدم أحد المهاجرين التابعين للرعية الإنجليزية من مالطا على قتل أحد المواطنين المصرين في الإسكندرية، بعد خلاف على أجرة حمار كان المالطي قد استأجره من المصري، فانتهى الخلاف بعدة طعنات أودت بحياة المصري؛ ما أدى إلى اندلاع مواجهات بين المصريين والأجانب في الإسكندرية، كما سبق هذه الحادثة استعدادات إنجليزية وفرنسية لاستغلالها، حيث يرى أغلب المؤرخين أنَّها مفتعلة، كما يرى أحمد عرابي نفسه في مذكراته التي كتبها من منفاه، خاصة أنَّ الإنجليز قد بدأوا بالانتقال من عموم مصر إلى الإسكندرية، ليكونوا أقرب إلى الأساطيل الحربية.

كما بدأت القوات الإنجليزية تُنشئ ما يشبه الخلايا النائمة المسلحة داخل الإسكندرية، التي كان لها دور عظيم في هذه الحادثة، لكن في نهاية المطاف، استطاع عرابي إعادة الأمن إلى الإسكندرية بنشر عدد كبير من جنود الجيش المصري، كما تم تشكيل وزارة برئاسة راغب باشا، وتم تشكيل لجنة للتحقيق في الحادثة، لكن الإنجليز كانت لهم أهدافٌ أخرى من كل ذلك.

الحرب المصرية الإنجليزية الثانية عام 1882

في صباح الحادي عشر من شهر تموز/يوليو عام 1982، بدأت الأساطيل الإنجليزية بقصف الإسكندرية بالمدفعية، مستهدفة تحصينات الجيش المصري فيها، دون أن يكون لذلك أي مبرر، باستثناء تدمير استحكامات الجيش المصري في المدينة، واستمر القصف ثلاثة أيام، أجبر عرابي ورجاله على الانسحاب من المدينة إلى كفر الدَّوار بعد ثمانية أيام من المقاومة، فاحتل الإنجليز الإسكندرية بمباركةٍ وحضورٍ من الخديوي توفيق، الذي كان في المدينة تحت حمايتهم.

معركة كفر الدوار

تمترس الإنجليز في الإسكندرية حتى مطلع شهر آب/أغسطس من العام نفسه، ثم توغلوا بريَّاً، وتتبعوا أثر عرابي وحاميته العسكرية، حتى وصلوا كفر الدوار حيث بنى عرابي وجيشه استحكاماتهم العسكرية؛ ترقباً لوصول القوات المعادية، وهناك كانت معركة عنيفة بين الإنجليز والمصريين، قادها خيرة ضباط الجيش المصري بالاشتراك مع الأهالي، وكان على رأسهم أحمد عرابي، حيث انتهت المعركة بهزيمة نكراء للإنجليز، كما أسر المصريون عدداً كبيراً من أفراد الجيش المهاجم، فقرر الإنجليز أن يجربوا الالتفاف على عرابي وقواته من موقع آخر.

معركة التل الكبير وهزيمة عرابي

قرر الجيش الإنجليزي أن يهاجم العُرابيين من جهة محافظة الاسماعيلية، عند موقع التل الكبير، مستخدمين قناة السويس ليصل الأسطول الإنجليزي إلى مواقعه البرية، علماً أن إدارة القناة كانت قد وعدت بحيادها سابقاً، لكن الجنود المصريين تفاجأوا بالحملة الإنجليزية، حيث بدأت المعركة في الثالث والعشرين من آب/أغسطس، بعد أيام من هزيمة الإنجليز في كفر الدوار، كما حاول المصريون سد القناة، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، بسبب دفاع الإنجليز القوي عن القناة، فبدأ الإنجليز بالتقدم برياً، حتى وصلوا إلى التل الكبير، فجر يوم الثاني عشر من أيلول/سبتمبر، ودارت المعركة الحاسمة التي هزم فيها أحمد عرابي وجيشه، فتم إلقاء القبض على أحمد عرابي وهو يرتدي ثيابه العسكرية، ويُرجع أغلب المؤرخين سبب الهزيمة إلى الخيانة والدسائس.

محاكمة أحمد عُرابي ونفيه

تم تشكيل لجنة تحقيق لمحاكمة أحمد عرابي بعد القبض عليه، حيث عقدت أولى جلساتها بقيادة إسماعيل أيوب باشا، في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 1882، ثم حكم عليه بالإعدام، ليتم تخفيف الحكم في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر إلى النفي المؤبد إلى سرنديب المعروفة بسيلان (سيرلانكا)، مع مجموعة من رفاقه.

كما صدر أمر في الرابع عشر من الشهر التالي، بمصادرة أملاك عرابي ورفاقه، ثم صدر قرارٌ من الخديوي توفيق بتجريدهم من رتبهم العسكرية وألقابهم، إلى أن المنفيون غادروا وطنهم، ليل الخامس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر عام 1882، قبل حلول السنة الجديدة بأقل من أسبوع، ودون أنْ يودعهم أحد، أو يراهم أحد من المصريين، خشية أن يؤججوا ثورة جديدة، ليصل الزعماء السبعة المنفيون إلى سيلان، في التاسع من كانون الثاني/يناير من العام التالي.

بقي عرابي في منفاه تسع عشرة سنة

في الثاني عشر من أيار/مايو عام 1901، بعد مرور تسعة عشر عاماً على نفي عرابي ورفاقه، أتى ولي العهد الإنجليزي جورج الخامس بزيارة إلى سيلان، فالتقى بعرابي، الذي طلب منه العودة إلى مصر، فكان أنْ وصل عرابي إلى ميناء السويس في بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، بعد أن سبقه رفاقه، وقيل أنَّ عرابي اصطحب معه أول شجرة منجا (مانجو) دخلت إلى مصر.

وفاة أحمد عرابي

لم تستسغ حاشية الخديوي عباس عودة عرابي، فاستقبلته بالملامة، والاتهامات بالخيانة، والعمالة، وذلك من خلال الصحف، خاصة جريدة اللواء، إضافة إلى جريدة المقطم الموالية للإنجليز، التي بدأت تنشر رسائل عرابي إلى الإنجليز، والتي يطلب فيها العفو عنه، كما كان مصطفى كامل في طليعة اللائمين، كذلك أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي نظم قصيدة في هجاء أحمد عرابي، منها قوله:

صغار في الذهاب وفي الإياب أهذا كل شأنك يا عرابي؟

عفا عنك الأباعد والأداني فمن يعفو عن الوطن المصابِ؟

إلا أنَّ عرابي أقام في منزل أولاده في القاهرة، وبقي غريباً ومنفياً من قبل الحكومة القائمة والعاملين فيها، كما عانى من قلة المال والفقر، وحاول جاهداً أن يستعيد بعضاً من حقوقه، لكن أحداً لم يسمعه، إلى أن وافته المنية بعد إصابته بسرطان المثانة، فانتقل إلى جوار ربه في الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر عام 1911، تاركاً وراءه مذكراته على ثلاث نسخ، إحداها محفوظة في دار الكتب المصرية، واثنتان لدى ورثته.

ختاماً... ما زال الجدل قائماً حول شخصية أحمد عرابي، فهناك من يعتبره أبو القومية المصرية، وصاحب الفضل في كل ما تلا ثورته من ثورات ضد الإنجليز والملكية، إلا أنَّ هناك في الضفة المقابلة من يشكك في ولائه ووطنيته، وينظر إليه أنَّه كان عميلاً للعثمانيين تارةً، وللإنجليز تارةً أخرى، لكن الثابت أنَّ عرابي كان من أوائل الذين تجرأوا على المطالبة بحقوق الفلاحين المصريين، والعسكر المصريين، كما كان من الشجاعة في مكان، أن يقول للخديوي أمام القناصل والضباط "لقد خلقنا الله أحراراً، ولم يخلقنا تراثاً وعقاراً، فو الله الذي لا إله إلا هو، إننا سوف لا نورَّث ولا نُستعبد بعد اليوم."

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر