أدولف هتلر، كيف غير وجه التاريخ

أدولف هتلر.. الزعيم الألماني الذي أراد أن يحكم العالم فغير وجه التاريخ وتسبب في مقتل الملايين

تاريخ النشر: 17/06/2016
آخر تحديث: 02/12/2016
اقرأ كيف غير هتلر وجه التاريخ وتسبب بمقتل الملايين من البشر

لم يكن هتلر مجرد مجرم سفاح مهووس بالقتل، وإنما كان مُنظراً اجتماعياً اعتمد على فلسفات هيغل ونيتشه ليقوم بتأسيس دولة القوة، والأمة الألمانية المنشودة، كما وضع خططاً لكل تفاصيل الحياة الألمانية تدعم نظريته العنصرية وانتصاره للعرق (الآري) المتفوق المبدع, وتنقية هذا العرق من كل الاختلاطات، هذا الرجل الذي حكم ألمانيا على مدى 12عاماً غير وجه العالم أجمع حتى يومنا هذا.

خلال بدايات القرن العشرين وحتى منتصفه تمت إعادة رسم خارطة العالم بكل جوانبه السياسية والعسكرية وسماته والاجتماعية والعلمية, والمالية بالتأكيد, كانت الخارطة الجديدة للعالم رهناً بأكبر حدثين عرفهما التاريخ الإنساني الحديث حتى يومنا هذا؛ الحربان العالميتان الأولى والثانية وما نتج عنهما من سباقات التسلح بين الدول المتنازعة على سيادة العالم الجديد، كذلك الحركات القومية التي اجتاحت أوروبا الغربية والشرقية وما نتج عنها من إنشاء دول وانهيار دول إضافة إلى تفكك إمبراطوريات وقيام أخرى, وفي المدة القصيرة التي فصلت بين نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 وبداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 برزت شخصية الزعيم الأكثر جدلية في التاريخ الحديث, "أدولف هتلر".

أدولف هتلر .. طفولته، عائلته، وشبابه

"أبصرتُ النور في مدينة صغيرة تدعى برونو تقع على الحدود بين ألمانيا والنمسا، الدولتين الألمانيتين اللتين يجب أن يتجدد اتحادهما قبل أي هدف من الأهداف التي نعمل من أجلها في حياتنا" هذه الجملة التي يفتتح هتلر بها كتابه (كفاحي).

ولد (أدولف ألويس هتلر) في 20 نيسان/ أبريل من العام 1889 في النمسا, لموظف في الجمارك وكانت أمه (كلارا) هي الزوجة الثالثة لأبيه, ومن أغرب المفارقات التاريخية أن (ألويس) والد هتلر كان مجهول النسب, فخلال السنوات التسع والثلاثين الأولى من عمره حمل (ألويس) لقب عائلة والدته وهو (تشيكلجروبر) ثم حمل لقب زوج والدته (يوهان جورج هيتلر), وسرت الشائعات بأن هتلر كان ينتسب إلى اليهود عن طريق واحد من أجداده, لأن جدته (ماريا شيكلجروبر) قد حملت طفلاً عندما كانت تعمل كخادمة في أحد البيوت اليهودية؛ وعلى الرغم من ذلك كانت من أهم هواجس أدولف هتلر التخلص من اليهود والحفاظ على "العرق الآري" وحمايته من العلاقات غير الشرعية والاختلاط بالأعراق الأخرى.

عاش أدولف الصبي طفولة مضطربة زاخرة بالفقدان والحرمان والعنف, حيث كان والده قاسياً يضربه باستمرار, كما فقد اثنين من أخوته بالمرض, وتوفي آخر في سن مبكرة, إضافة إلى تنقل العائلة بين عدة مدن في النمسا.

رغب هتلر في أن يكون رساماً لكن والده كان مصمماً على أن يحذو حذوه ويصبح موظفاً, إلا أن أدولف ترك المدرسة عند وفاة الأب عام 1903 دون أن يحصل على شهادة, ثم توفيت والدته عام 1907.

تقدم هتلر إلى كلية الفنون الجميلة وتم رفضه مرتين، ثم حاول دراسة الهندسة المعمارية لكنه لم يتمكن من ذلك كونه لم يُتم دراسته الثانوية, وقضى فترة شبابه على معونات مخصصة للأيتام في دار للمشردين، كما عمل في رسم المناظر الطبيعية وبيعها للسياح.

انتقل أخيراً من فيينا إلى ميونخ "المدينة الألمانية بامتياز" كما كان يراها حيث وصفها بشغف في كتابه (كفاحي).

هتلر خلال الحرب العالمية الأولى

تهرب هتلر من الخدمة العسكرية في النمسا عندما انتقل إلى ميونخ, فألقت الشرطة القبض عليه وتم إعفاؤه على اعتباره لا يصلح للخدمة العسكرية؛ ربما بسبب نحول جسمه، حيث لا توجد معلومات مؤكدة في هذا الخصوص, لكنه مع اندلاع الحرب العالمية الأولى في آب/ أغسطس عام 1914 تقدم بالتماس إلى ملك بافاريا (لودفيش الثالث) للسماح له بالخدمة في الجيش فتحقق له ذلك.

  • شارك هتلر في أكثر المعارك عنفاً, إذ كانت المهام التي أوكلت إليه بالغة الخطورة, كما أصيب في فخذه الأيسر وعاد إلى المعارك فور تعافيه، ثم أصيب بعمى مؤقت ناتج عن غاز الخردل؛ الذي تعرض له في إحدى المعارك فتم نقله إلى المستشفى مرة أخرى.
  • كان أدولف هتلر وطنياً متحمساً لألمانيا وإن لم يكن قد حصل على الجنسية الألمانية بعد, فقد انتقد بشدة الجنود المتخاذلين الذين التقى بهم أثناء علاجه, واعتبر أنهم على الرغم من جراحهم جبناء, إلا أنه في نفس الوقت كان معجباً بل مؤمناً بالجيش الألماني وقوة وشجاعة جنوده وقادته, فعندما تم توقيع اتفاقية الاستسلام عام 1918 كان هتلر مقتنعاً أن الجيش الذي لم يهزم في الميدان طعنته القوى الخائنة من الظهر وأن الماركسيين واليهود هم الذين تسببوا بالهزيمة.
  • بقي هتلر في الجيش بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى حتى العام 1920 حيث تم تسريحه, لكن خلال هذه الفترة عمل جاسوساً للاستخبارات الألمانية, لأداء مهمة اختراق حزب صغير هو (حزب العمال الألماني), وأثناء تتبعه للحزب واجتماعاته أعجب بأفكاره فانضم لصفوفه ليكون العضو رقم (55), والعضو السابع في اللجنة التنفيذية للحزب فيما بعد, على أنه ادعى في كتابه أنه كان من المؤسسين! ثم تم تسريحه من الجيش بعد فترة قصيرة من انضمامه إلى هذا الحزب.
  • بدأ هتلر يبرز في هذه الفترة كخطيب مميز, قادر على التأثير بالجمهور بطريقة واضحة, وقد اشتهر بخطبه المعادية للماركسيين واليهود. فأخذ شهرة واسعة بين الأنصار والأعداء؛ كما ساهم في توسيع القاعدة الشعبية للحزب, بالإضافة إلى تأسيس قوة الدفاع التي كانت مسؤولة عن حماية اجتماعات الحزب من الماركسيين وأنصارهم؛ أصبحت قوة الهجوم ثم جيش الهجوم فيما بعد, كما تم تغيير اسم الحزب إلى (حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني).
  • أثناء زيارة هتلر إلى برلين للقاء مناصري القومية الألمانية, حصل تمرد في ميونخ بمقر الحزب ضد شخص هتلر, فردّ الأخير باستقالته من الحزب بشكل رسمي, لكن الحزب سرعان ما أدرك أن هتلر هو الدعامة الأساسية لبقائه وهو الذي يجذب الجمهور لا الحزب نفسه, إلا أن هتلر لم يقبل العودة إلى الحزب إلا بمنصب الرئيس, وعلى الرغم من محاولات اللجنة التنفيذية عدم حصول ذلك إلا أنهم اضطروا إلى التصويت ليصبح هتلر زعيماً للحزب، فكانت كل الأصوات لصالح هتلر باستثناء صوت واحد, عندها تم تلقيبه للمرة الأولى بـ (فوهرر Führer) الزعيم..
  • انتهت هذه الفترة من حياة هتلر بانقلاب فاشل عام 1923 قام به الحزب على السلطة؛ انتهى إلى سجن الفوهور أدولف هتلر على اعتباره زعيم الحزب المتمرد.

كتاب (كفاحي Mein Kampf)

كتب أدولف هتلر في فترة السجن التي قضاها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة كتابه (كفاحي), ومن لم يقرأ هذا الكتاب لن يتمكن من فهم النازية, ونظرية ألمانيا العنصرية, فالكتاب هو مزيج بين السيرة الذاتية لهتلر من جهة, ونظرية الحزب النازي السياسية والاجتماعية من جهة أخرى, تناول هتلر في كتابه نقاطاً مركزية وأساسية في الحكم والدولة هدفها إنشاء ألمانيا النازية العظمى, وأبرز أفكار هتلر التي عبر عنها الكتاب هي:

  • دمج هتلر بين الماركسيين الشيوعيين وبين اليهود, حيث اعتبر أن اليهود هم من أوجد الشيوعية ومن قام على نشرها وتعزيزها في ألمانيا والعالم بهدف إثارة مشاعر الكادحين حول العالم والدعوة للمساواة بين البشر, إذ يعتبر هتلر أن "هذه الدعوة جريمة حقيقية, لأن الطبيعة ستنتقي الجديرين بالبقاء وهم أصحاب الدم النقي والعرق المتفوق، فلا يوجد ما يسمى مساواة بين البشر لأن العرق المتفوق هو العرق الوحيد القادر على الإبداع".
  • صاغ هتلر خطة عملية لتنقية العرق الألماني حيث, لا مكان للمعتوهين أو المعوقين أو اليهود أو الزنوج في دولة عظيمة, حيث ارتكزت العنصرية التي دعا إليها هتلر على منع الاختلاط بشكل كامل مع أعراق أدنى من العرق الآري السامي, إضافة إلى منع المعاقين جسدياً أو عقلياً من الإنجاب, لتكون الأجيال القادمة خالية من أي شائبة.
  • برزت معاداة هتلر لليهود واضحة جلية في كتابه, فاتهمهم بكل المصائب التي حلت على النمسا وألمانيا, حيث كان مصمماً على أن "التخلص من اليهود هو  أهم خطوة في إعادة توحيد الرايخ الألماني", على أنه لم يلمح إلى إبادتهم حتى بداية الحرب العالمية الثانية.
  • وضع هتلر نظرية متكاملة تتعلق بالتعليم والتربية, حيث شدد على التربية البدنية والعسكرية وتوسيع الآفاق العلمية للطلبة واستثنى تعليم اللغات في المدراس على اعتباراه هدراً للوقت.
  • قدم هتلر وجهة نظر متطرفة اتجاه الديموقراطية الغربية والبرلمان, والتصويت على القوانين أو القرارات, حيث أنه وجد في الأنظمة البرلمانية "طريقة لتمييع المسؤوليات", في حين أنه "يجب أن يكون هناك قادة يقررون وينفذون ويتحملون نتائج قراراتهم بشكل شخصي".
  • اهتم هتلر في كتابه بموضوع الدعاية والإعلام, فأكد على أن "أكبر أخطاء ألمانية أنها كانت تصور أعدائها على أنهم ضعفاء وغير قادرين على القتال لكن الجنود كانوا يجدون عكس ذلك".

كيف وصل أدولف هتلر إلى السلطة

خرج هتلر من السجن بعد انقلابه الفاشل بفترة قصيرة, والتمس من رئيس الوزراء هاينريش هيلد (Heinrich Held) رفع الحظر عن الحزب النازي واعداً "أن الحزب سيحاول الوصول إلى السلطة عن طريق الأقنية الشرعية", فكان له ذلك؛ حيث وصل هتلر  إلى السلطة في كانون الثاني/ يناير في عام 1933.

كان هتلر قد قرر مسبقاً أنه سيستولي على السلطة بعد وصوله إليها شرعياً, وسيعيد تشكيلها وفقاً لخططه التي تحدث عن تفاصيلها في كتابه, فبدأ فعلاً بالتخلص من كافة المعارضين له داخل الحزب وخارجه.

في هذه الفترة عرفت ألمانيا أكبر نهضة في تاريخها الحديث, فقام هتلر بالإشراف على أهم مشاريع إعادة بناء البنية التحتية, وإقامة المصانع الكبيرة كما وسع نطاق إعادة التسليح التي كانت قد بدأتها الحكومة السابقة.

أمر هتلر بقتل جميع الأطفال المعاقين الذين يولدون في ألمانيا, وبدأ المكلفون بهذه المهمة بتوسيعها أكثر مما أراد هتلر نفسه حيث بدأوا بقتل البالغين المعاقين أيضاً تلبية لمبدأ (الموت الرحيم). كما شجعت السياسة النازية النساء على التخلي عن العمل خارج المنزل والتفرغ لتربية أولادهن؛ حتى أنه منح أوسمة لكل امرأة تنجب أكثر من أربعة أولاد.

حاول هتلر أن يبدأ الحرب مرات عدة خلال السنوات التي سبقت نشوبها, لكنه اصطدم بالحلول السلمية التي ابتكرها الأوروبيون لتجنب الحرب, كما أن الوضع الاقتصادي والعسكري في ألمانيا لم يكن قد وصل إلى المرحلة التي تخوّلها دخول الحرب.

الحرب العالمية الثانية وبداية سقوط الفوهرر

في الأول من أيلول/سبتمبر في عام 1939 قام هتلر باجتياح بولندا, وبعد يومين أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا, في أيلول عام 1940 وقعت اتفاقية ضمت ألمانيا, اليابان, إيطاليا, بلغاريا, المجر, رومانيا, وهو ما عرف لاحقاً (بتحالف دول المحور), وفي نهاية العام نفسه بدأت القوات الجوية الألمانية بقصف المدن البريطانية.

أثناء الحرب أنشأ النازيون معسكرات اعتقال اليهود, وبدأت عملية إبادة جماعية وتطهير عرقي, أثير حولها جدل عالمي, حيث لم يستطع المؤرخون التأكد إن كان هتلر قد أصدر أوامر بحرق اليهود حقاً؛ أم أنها كانت تصرفات من قبل القادة العسكريين المسؤولين؟!, فكان من عادة هتلر أن يصدر أوامر غامضة ليتمكن قادته من تفسيرها كما يشاؤون دون أن يتحمل مسؤولية كاملة عن النتائج.

في شهر حزيران/ يونيو من العام 1941 قام ثلاثة ملايين جندي ألماني بالهجوم على الاتحاد السوفيتي, وفي كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه أعلن هتلر الحرب على أميركا, وبذلك كان هتلر ودول المحور يواجهون أكبر ثلاث قوى عسكرية واقتصادية في العالم, فكان المتعقلون من السياسيين والعسكريين الألمان قد أيقنوا أن الهزيمة حتمية لا مفر منها, وبالفعل بدأ تراجع الجيش الألماني في كل الأماكن التي احتلها سابقاً.

إذ انسحبت اليابان في آب/ أغسطس عام 1945 من الحرب بعد إلقاء أميركا للقنبلة النووية ولأول مرة في التاريخ على مدينتي (هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين) ما شكل ضربة قوية لدول المحور. فبدأت الأوضاع العسكرية والاقتصادية الألمانية تتدهور, حتى أن هتلر نفسه بدأ  يشكو من أعراض مرضية عدة, حيث أصبحت قراراته مضطربة, وتعرض في هذه الفترة لمحاولة اغتيال من قبل أحد ضباطه بزرع قنبلة في مقره لكنه نجا منها بأعجوبة؛ فكان رده انتقامياً قاسياً بإعدام أكثر من أربعة آلاف شخص.

كيف كانت نهاية هتلر؟

استمر تقهقر القوات الألمانية حتى نيسان/ أبريل في عام 1945, حيث وصلت القوات الروسية إلى برلين وبدأت تتقدم باتجاه القبو الذي تحصن فيه هتلر, وبعد أن تأكد هتلر من الهزيمة, حيث علم بالمصير الدموي لحليفه الإيطالي (موسوليني)؛ قام هتلر في الثلاثين من شهر نيسان/ أبريل في العام 1945، بإطلاق النار على نفسه بعد أن وضع كبسولة (سيانيد) في فمه. ثم قام ضباطه بحرق جثته مع جثة عشيقته (إيفا برون) بناء على وصيته.. فأعلنت برلين استسلامها رسمياً في الثاني من أيار/ مارس.

معلومات أخرى عن حياة هتلر

  • تزوج هتلر مرة واحدة في حياته من (إيفا برون) قبل انتحاره بيوم واحد فقط.
  • كان هتلر نباتياً, فكان يثير اشمئزاز ضيوفه من تناول اللحوم شارحاً طريقة ذبحها.
  • لم يكن مدخناً... ومنح ساعات ذهبية لمن يقلع عن التدخين من المحيطين به.
  • كان لدى هتلر العديد من العوارض الصحية مثل: الآفات الجلدية والرعاش والزهري.
  • كان يخشى بشدة من مرض السرطان الذي أودى بحياة والدته.
  • يرى بعض المحللين أن استعجال هتلر في خوض الحرب، كان بسبب خوفه من الموت المبكر قبل أن يحقق حلمه بالدولة العنصرية.

أخيراً.. هناك الكثير من الآراء والتحليلات والكتب التي تناولت حقبة الحرب العالمية الثانية، كذلك حياة هتلر وخططه ونظرياته, فالثابت أن هذا الرجل بغض النظر عن تلك الآراء والتحليلات؛ قد غيّر تاريخ البشرية وأعاد تكوين مفهوم الإنسان عن الحرب والسياسة, فأعاد تنظيم التحالفات السياسية والاقتصادية على طول العالم وعرضه.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر