ما هي متلازمة ستوكهولم؟

متلازمة ستوكهولم، عندما تتعاطف الضحية مع الجلاد!
تاريخ النشر: 22/10/2016
آخر تحديث: 22/10/2016
متلازمة ستوكهولهم مصطلح يطلق على تعاطف الضحية مع الجلاد

هناك الكثير من الحوادث التي تدل على وجودة متلازمة ستوكهولم قبل صياغتها صياغة علمية، حيث ذكر التاريخ حالات عدة لتعاطف الأسير مع السجان، إضافة إلى الإعجاب الشديد الذي تبديه الرهينة تجاه الخاطف في بعض الحالات، لكن أول توصيف علمي لهذه الظاهرة؛ كان عام 1973 في العاصمة السويدية ستوكهولم، لنتعرف أكثر على هذه المتلازمة.

هي ظاهرة غريبة لفتت نظر الباحثين في علمي النفس والاجتماع، عُرفت بمتلازمة ستوكهولم، حيث شكلت هذه المتلازمة شكلاً جديداً من أشكال التعاطف الإنساني، إلا أنه يفتقر إلى المنطقية، كما شكل هذا التعاطف صدمة للمتابعين، عندما وجدوا أن الرهينة قد تعاطفت مع الخاطف، فما هي متلازمة ستوكهولم؟

1

ما المقصود بالتعاطف هنا؟

يمكن تعريف التعاطف (Empathy) أنه الشعور الذي يولد الرغبة بتقديم المساعدة، حيث ينظر الإنسان إلى غيره نظرة شفقة أو حنان، تنتج عن إدراكه لمعاناة يعيشها ذلك الشخص، فتتولد لديه رغبة قوية في الدفاع عنه ومساعدته، نتيجة شعور بضعف الشخص موضوع التعاطف من جهة، و تخيل التعرض للموقف ذاته من جهة ثانية، كما تختلف قدرة الإنسان على التعاطف من شخص إلى آخر، حيث أن لهذه القدرة مقدمات نفسية وتربوية عديدة، لذلك ينظر الباحثون إلى تعاطف من منظور نسبي.

من جهة أخرى نجد عدة تصنيفات لأنماط التعاطف، أهمها التعاطف الجسدي (Somatic Empathy)، حيث تشعر بالتعاطف تجاه حالة جسدية معينة، كلقائك بضرير يقطع الشارع، إضافة إلى التعاطف الوجداني (Emotional Empathy)، كتعرض صديقك لصدمة عاطفية، فتشعر برغبة في مواساته، حتى إن لم تكن في ظرف نفسي أفضل، لكن المحرك الأساسي لتعاطفك مع الآخرين، هو مدى قدرتك على إدراك مشاعرهم، نتيجة لتجربة مماثلة، أو لمجموعة من الدوافع النفسية المكتسبة، التي تجعلك تبدي تعاطفاً تجاه حادثة دون أخرى.

لطالما عرف التعاطف خط سير محدد، فهو تعاطف القوي مع الضعيف، صاحب القدرة مع فاقدها، حيث تجد الغني متعاطف مع الفقير، وصاحب الصحة الجيدة متعاطف مع المرضى، بينما تتقلص قدرة الإنسان على التعاطف، عندما يكون هو نفسه في ظرف غير اعتيادي، فالفقير أقل قدرة من الغني على التعاطف مع الفقراء، لكن موضوعنا هذا (متلازمة ستوكهولم)، يتناول حالة مختلفة، إنها تعاطف الضعيف مع القوي!.

2

فتحت حادثة ستوكهولم الباب أمام مبحث جديد في علم النفس الحديث

في الثالث والعشرين من آب/أغسطس عام1973، قام سجين سابق مع صديقه باقتحام بنك كريديت بانكن (Kreditbanken)، في نورمالمستورج (Norrmalmstorg)، وسط العاصمة السويدية ستوكهولم (Stockholm)، كما قام اللصوص باحتجاز أربعة من موظفي البنك كرهائن، ليتمكنوا من ضمان خروجٍ آمنٍ لهم من البنك، حيث استمر الاحتجاز حتى الثامن والعشرين من آب/أغسطس من العام نفسه، أي أن الرهائن ظلوا محتجزين في قبو البنك لمدة ستة أيام، لكن المفاجأة كانت بعد الإفراج عنهم.

لم تبدِ الرهائن أي تعاون مع رجال الشرطة لتحريرهم كما لم يحاولوا استغلال الفرص المتاحة للهرب، إلى أن تم تحريرهم عنوةً!، كما تم القبض على اللصوص وتحويلهم للقضاء، لكن موظفي البنك المحررين قاموا بجمع التبرعات لمساعدة الخاطفين على دفع تكاليف المحاكمة، كما أبدو تعاطفاً تاماً مع الخاطفين، ما جعل وسائل الإعلام تنقل أخبار الضحايا بذهول، لكن هذه الحادثة كانت بداية لبحث جديد في علم النفس.

3

عرفت بدايةً بمتلازمة نورمالمستورج

المختص النفسي والباحث في علم النفس الجنائي نيلز بيجروت (Nils Bejerot)، كان يعمل كمستشار نفسي لصالح الشرطة السويدية أثناء وقوع حادثة ستوكهولم عام1973، حيث لفتت نظره تلك الحادثة بما حملته من تعاطف مغاير لما هو معروف من أنماط التعاطف؛ فأطلق على تلك الظاهرة، متلازمة نورمالمستورج (The Norrmalmstorg Syndrome).

لكن تلك الحادثة لم تثر فضول نيلز فقط، بل حصلت على اهتمام الاختصاصي بعلم النفس فرانك أوشبيرغ (Frank Ochberg)، حيث كان فرانك يعمل مع جهاز الشرطة البريطانية سكوتلنديارد (Scotland Yard) على دراسة متعلقة باحتجاز الرهائن، فقام بدارسة مفصلة لحادثة ستوكهولم، كما وضع معايير محددة لمجموعة الإضرابات النفسية التي تجعل الرهينة تتعاطف مع الخاطف، وأطلق عليها الاسم المتداول عالمياً، متلازمة ستوكهولم (The Stockholm syndrome).

4

تشعر الرهينة أن الخاطف يمنحها فرصة جديدة للحياة

يمكن استنتاج تعريف متلازمة ستوكلهم، أنها مجموعة من الاضطرابات النفسية التي تصيب الإنسان نتيجة تعرضه لخطر كالاحتجاز أو التهديد بالقتل، إلا أنها تولّد شعوراً بالتعاطف مع مصدر الخطر، حيث يبلغ هذا التعاطف حد رغبة الرهينة بإنقاذ الخاطف من العقاب، لكن ما هي الأسباب التي تدفع الرهينة إلى ذلك؟.

  • حسب تفسير فرانك أوشبيرغ لكيفية تطور التعاطف لدى الرهينة، يرى أن الرهينة تشعر بخطر داهم ومفاجئ بداية الأمر، كما تشعر أن الموت بات قريباً جداً، لكن بعد فترة وجيزة، تجد أن الخاطف يقدم للرهينة أسباب الحياة، كالطعام، والشراب، إضافة إلى الطبابة في بعض الأحيان، كما فعل لصوص ستوكهولم مثلاً، عندما سمحوا لإليزابيث أولدجرين (Elizabeth Ooldgran) بالخروج من القبو، بعد أن قالت لهم أنها مصابة برهاب الأماكن المغلقة، حيث اعتبرت إليزابيث أن ذاك التصرف نابع من لطف الخاطف.
  • من جهة أخرى، تشعر الرهينة بارتياح تجاه بقائها على قيد الحياة بعد مرور وقت من الاختطاف، حيث يفكر الشخص الواقع في الأسر، أن المختطف قادر على قتله منذ اللحظة الأولى ليثبت جديته للشرطة، لكنه لم يفعل، فيفسر ذلك على أن المختطف لا يريد قتله، بل يعتبره منحه فرصة جديدة للحياة.
  • العامل الأكثر قوة؛ أن مصدر الخطر يتغير من وجهة نظر الرهينة، خاصة بعد أن يتثبت من حسن نية المختطف، ليصبح تدخل الشرطة واقتحام المبنى، هو مصدر الخطر الأكبر بالنسبة إلى الرهينة؛ فرهائن ستوكهولم حاولوا إقناع السلطات بتأمين سيارة وهروب آمن للصوص، وأقروا فيما بعد أن ذلك لم يكن خوفاً من اللصوص، بل خوفاً من اقتحام الشرطة للمبنى.
  • يتعلق نشوء هذا النمط من التعاطف الغريب بطبيعة الخاطف أيضاً، فكلما كان الخاطف أقل عنفاً مع الرهائن، كلما تعاطفوا معه أكثر، كما من الممكن أن تدور بعض الأحاديث بينهم، تتعلق بظروفهم الخاصة، التي قد تكون دافعاً أساسياً للتعاطف.
5

"تعود هذه الظاهرة إلى عصر أقدم من حادثة السويد"

يرى بعض الباحثين أن حادثة ستوكهولم لم تكن سوى ومضة لفتت الانتباه، لكن ظاهرة التعاطف مع الجلاد أقدم من الحادثة نفسها، كما أنها أكثر عمومية من حالات الاختطاف الفريدة، حيث كانت القبائل البدائية تختطف النساء أثناء الغزوات، لكن المختطفات سرعان ما يتأقلمن مع القبيلة الجديدة، وربما يتزوجن منها، ليصلن لأقصى درجات الاندماج، دون التفكير بأن الخاطفين قد سلبوا منها حياتها الأصلية، ثم أرغموها على ما هي فيه.

من وجهة نظر أخرى، فهذه الظاهرة ستجدها لدى جماعات اجتماعية كبيرة، تتعاطف مع الحاكم المستبد، كما تبحث له عن المبررات لكل جرائمه وأفعاله، كأن تعتبر الاعتقالات التعسفية مصلحة وطنية، وقد ظهرت تلك الجماعات في أغلب المجتمعات التي خضعت لحكم ديكتاتوري، كما أن أسرى الحرب قد يبدون تعاطفاً مع أعدائهم، ربما ينضمون إلى صفوفهم فيما بعد.

أمثلة على متلازمة ستوكهولم

  • باتريسيا هيرست (Patricia Campbell Hearst)، ابنة أحد رجال الأعمال الأمريكيين الأثرياء، قام مسلحون يساريون باختطافها عام1974، عندما كانت في التاسعة عشرة من عمرها، حيث طلبوا من والدها توزيع حصص غذائية بقيمة أربعة ملايين دولار أمريكي على المحتاجين، فقام بذلك بالفعل، إلا أن باتريسيا أعلنت بتسجيل صوتي بعد شهرين أنها انضمت إلى مجموعة جيش تحرير السود، التي خطفتها!، كما اشتركت معها في عمليات عدة، حتى تم القبض عليها بتهمة السطو المسلح عام1976، كما حكم عليها بالسجن خمسة وثلاثين عاماً، ليتم العفو عنها وإطلاق سراحها عام2000.
  • نتاشا كامبوش (Natascha Maria Kampusch)، ولدت في النمسا، حيث اختطفت عندما كانت في العاشرة من عمرها عام1998، فبقيت محتجزة في غرفة تحت الأرض لأكثر من ثمانية سنوات، حتى تمكنت من الهرب عام2006 ، فقام المختطف فولفانج (Wolfgang Přiklopil)، برمي نفسه تحت القطار بعد فرارها، لكنها بكت بحرقة لدى سماعها الخبر.
  • بعد تحرير أسرى الجيش اللبناني المحتجزين لدى ميليشيا جبهة النصرة في سوريا عام2015، قام أحد الجنود المحررين بتوجيه شكر إلى جبهة النصرة على حسن المعاملة، بعد مكوثه في الأسر حوالي عام ونصف.

أخيراً... هناك الكثير من الحوادث المشابهة من تعاطف الرهينة مع الخاطف، أو تعاطف الأسير مع العدو، لكن الثابت أن المختطف يرتكب جرماً بحق الضحية وبحق المجتمع بأكمله، حيث لا يعفيه تعاطف الضحية من المسؤولية الجنائية، كما لا يكسب أفعاله صفة أخلاقية، حتى إن اعتبرت الضحية لك.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر